المنبر الحر | هل أصبح دور المؤثرين أقوى من السياسيين والمثقفين ؟


كلما تجولت في فضاءات التواصل الاجتماعي ازداد اقتناعي بأننا نعيش تحوّلا ثقافيا عميقا لم تشهد له الأجيال السابقة مثيلا؛ فخلال عقود طويلة كان المثقف العربي يحتل موقعا مركزيا في تشكيل الرأي العام وتوجيه بوصلة النقاشات الفكرية والسياسية والاجتماعية.
كان الكاتب والشاعر والروائي والأستاذ الجامعي والناقد، هم الأصوات الأكثر حضورا في المجال العمومي، وكانت الصحف والمجلات والندوات والمنابر الثقافية هي الوسائط الأساسية التي تنتقل عبرها الأفكار إلى الرأي العام، غير أن المشهد تغير بصورة جذرية مع الثورة الرقمية، وصعد نجم جديد لم يكن موجودا من قبل بهذه القوة والتأثير، هو صانع المحتوى.
حين أطرح على نفسي سؤالا يبدو مستفزا من قبيل: هل أصبح دور صانع المحتوى أقوى من دور المثقف والسياسي العربي؟ أجد أن الجواب ليس بسيطا كما قد يبدو للوهلة الأولى؛ فالقوة هنا لا تعني بالضرورة امتلاك المعرفة أو العمق الفكري، بل تعني القدرة على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه وصناعة الاتجاهات العامة وتوجيه الاهتمامات اليومية.
فقد أصبح من المألوف اليوم أن يحظى مقطع فيديو قصير يصوره شاب مغمور، بملايين المشاهدات خلال ساعات قليلة، بينما لا تتجاوز قراءة مقال رصين لمفكر عربي بضعة آلاف من القراء خلال أسابيع أو أشهر، وأصبح من المعتاد أن يتابع الملايين صانع محتوى يتحدث عن تفاصيل الحياة اليومية أو الرياضة أو التكنولوجيا أو الترفيه، في حين لا يعرف كثيرون أسماء كبار المفكرين أو الروائيين أو النقاد الذين يواصلون إنتاج ونشر الكتب والدراسات.
وأنا أتأمل هذا الواقع الصادم، لا أرى أن المشكلة تكمن في صانع المحتوى نفسه، بل في التحول العميق الذي أصاب مفهوم التأثير، حيث انتقلت السلطة الرمزية من المؤسسات التقليدية إلى المنصات الرقمية، وأصبح عدد المتابعين مؤشرا للقوة الاجتماعية أكثر من عدد الكتب المنشورة أو الدراسات الأكاديمية المنجزة؛ ففي زمن الخوارزميات، لا تنتصر الفكرة الأفضل دائما، بل ينتصر المحتوى الأكثر قدرة على جذب الانتباه.
لقد نجح مؤثرو مواقع التواصل الاجتماعي في فهم قواعد العصر الجديد؛ فهم يتحدثون بلغة بسيطة، ويقدمون رسائل قصيرة، ويستخدمون الصورة والصوت والمؤثرات البصرية، ويتفاعلون مع جمهورهم لحظة بلحظة، أما المثقف العربي، فما زال في كثير من الأحيان أسير لغة نخبوية معقدة مثخنة بالمفاهيم والمصطلحات ومنابر تقليدية محدودة التأثير، لذلك فإن الفجوة بين الطرفين سوف تتسع يوما بعد يوم.
ورغم ذلك، فأنا أرفض اختزال المثقف والسياسي في صورة المهزوم أمام المؤثرين الرقميين؛ فالمثقف الحقيقي لا يُقاس بعدد الإعجابات ولا بعدد المشاهدات والنقرات، لأن دوره التاريخي يتمثل في إنتاج المعنى وصياغة الأسئلة الكبرى، وتحليل الظواهر، وتفكيك الخطابات السائدة، وإذا كان صانع المحتوى قادرا على إثارة الانتباه، فإن المثقف يظل أكثر قدرة على إنتاج المعرفة العميقة التي تساعد المجتمع على فهم نفسه والعالم من حوله.
ومع ذلك لا يمكنني تجاهل حقيقة واضحة، تتمثل في أن كثيرا من المثقفين العرب فشلوا في التكيف مع البيئة الرقمية الجديدة؛ فقد تعامل بعضهم مع وسائل التواصل الاجتماعي بنوع من التعالي أو الازدراء، واعتبرها فضاءً سطحيا لا يستحق الاهتمام، وفي المقابل، استطاع صناع المحتوى احتلال هذا الفضاء بالكامل تقريبا، وأصبحوا المرجع الأساسي لشرائح واسعة من الشباب في قضايا متعددة، من التعليم إلى الاقتصاد، ومن السياسة إلى الصحة النفسية…
فما يثير انتباهي أكثر هو أن بعض المؤثرين لم يعودوا يكتفون بالترفيه أو التسلية، بل أصبحوا يناقشون قضايا فكرية وثقافية وسياسية معقدة، ويقدمونها بأساليب مبسطة وجذابة، وهنا بدأت الحدود التقليدية بين المثقف وصانع المحتوى تتلاشى تدريجيا؛ فهناك من يمتلك معرفة حقيقية ويعرف في الوقت نفسه كيف يوصلها لجمهور واسع، وهو ما جعل تأثيره يتجاوز تأثير كثير من أصحاب الدكتوراه والمناصب الأكاديمية.
وأعتقد أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان صانع المحتوى أقوى من المثقف العربي، بل ما إذا كان المثقف العربي مستعدا لإعادة تعريف دوره في العصر الرقمي؟ لقد تغيرت قواعد اللعبة الثقافية، ولم يعد يكفي أن يكتب المثقف كتابا جيدا أو دراسة رصينة ثم ينتظر أن يصل صوته إلى الناس تلقائيا؛ فالجمهور اليوم يعيش داخل عالم تحكمه الخوارزميات والمقاطع القصيرة والشاشات المحمولة في الجيوب.
ومن هنا أرى أن المستقبل لن يكون لصانع المحتوى وحده ولا للمثقف التقليدي وحده، بل لشخصية جديدة يمكن أن نسميها “المثقف الرقمي” أو “المثقف الهجين”. هذا الفاعل الجديد يجمع بين العمق المعرفي والقدرة التواصلية، بين التفكير النقدي وفهم آليات المنصات الرقمية، بين الكتابة الرصينة والمهارة في إنتاج المحتوى البصري والسمعي.
لقد دخلنا عصرا لم تعد فيه المعرفة وحدها كافية، كما لم يعد الانتشار وحده كافيا؛ فالانتشار بلا معرفة قد يتحول إلى ضجيج عابر، والمعرفة بلا انتشار قد تبقى حبيسة الرفوف، والتحدي الحقيقي يكمن في الجمع بين الاثنين معا.
لذلك، فإنني لا أرى في صعود صانع المحتوى إعلانا لنهاية المثقف العربي، بل أراه جرس إنذار يدعونا إلى مراجعة أدواتنا وأساليبنا وطرق تواصلنا مع المجتمع؛ فالمعركة الحقيقية ليست بين المثقف وصانع المحتوى، وإنما بين من يستطيع التأثير في وعي الناس ومن يعجز عن الوصول إليهم، وفي هذا السياق الجديد، لم يعد السؤال من الأقوى، بل من الأقدر على تحويل المعرفة إلى قوة اجتماعية حية ومؤثرة في حياة الناس اليومية ؟



