تحقيقات أسبوعية

قانون | قانون مالية 2026 بين هندسة الموارد العمومية ورهانات العدالة الاقتصادية

يشكل قانون المالية لسنة 2026 محطة تشريعية ومؤسساتية دقيقة ضمن مسار الإصلاحات الهيكلية التي انخرط فيها المغرب خلال السنوات الأخيرة، وذلك بالنظر إلى ما يحمله من مستجدات جبائية ومالية وإدارية تعكس إرادة واضحة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والملزمين على أسس جديدة قوامها النجاعة التدبيرية، والاستدامة الميزانياتية، والشفافية المحاسباتية، والتوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي وإكراهات التمويل العمومي، ومن المؤكد أن هذا القانون لم يأت في سياق عادي أو ظرفية مالية مستقرة، وإنما جاء في ظل تحولات دولية متسارعة تتسم بارتفاع معدلات التضخم، وتزايد المديونية العمومية، وتنامي المنافسة الضريبية بين الدول، إضافة إلى تصاعد الطلب الاجتماعي على الخدمات العمومية الأساسية وما يرافق ذلك من ضغط متواصل على النفقات العمومية وآليات تمويلها.

حبيل رشيد
بقلم: حبيل رشيد

تكشف قراءة متأنية لمقتضيات قانون المالية الجديد، أن المشرع المغربي لم يعد ينظر إلى الضريبة باعتبارها مجرد وسيلة لاستخلاص الموارد المالية لفائدة الخزينة العامة، وإنما أصبح يتعامل معها باعتبارها أداة استراتيجية للتوجيه الاقتصادي، والتنظيم الاجتماعي، وإعادة توزيع الثروة وتحفيز الاستثمار، وإعادة هندسة المجال الاقتصادي وفق مقاربة ترتكز على الحكامة الجبائية الشاملة والتدبير الاستباقي للموارد العمومية، لذلك فإن الإصلاحات الجديدة تندرج ضمن تصور أشمل يروم الانتقال من منطق الجباية التقليدية إلى منطق الدولة المالية الحديثة التي تعتمد على التخطيط المالي الاستراتيجي، واليقظة الجبائية، والتدبير التوقعي للمخاطر الضريبية، والتقائية السياسات العمومية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن الثابت أن المناظرة الوطنية الثالثة حول الجبايات لسنة 2019، شكلت الأرضية المرجعية لهذا المسار الإصلاحي، حيث أفرزت مجموعة من التوصيات التي أكدت ضرورة بناء نظام ضريبي أكثر عدالة ووضوحا واستقرارا، وأكثر قدرة على تعبئة الموارد دون الإضرار بالدينامية الاقتصادية، ومن ثم جاء قانون مالية 2026 ليترجم جانبا مهما من هذه التوصيات إلى مقتضيات قانونية وتنظيمية دقيقة، تروم توسيع الوعاء الضريبي، وتعزيز الامتثال الجبائي، وتقليص فجوات التهرب والغش الضريبي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جاذبية الاقتصاد الوطني وقدرته التنافسية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وتبرز هذه الفلسفة الجديدة بشكل واضح من خلال التدابير المتعلقة بالضريبة على الشركات، والتي تشكل إحدى أهم روافد الموارد الجبائية للدولة؛ فقد أقر المشرع إعفاءً من الحجز في المنبع بالنسبة للمبالغ المؤداة لغير المقيمين مقابل عمليات استئجار السفن وصيانتها واستغلالها في مجال النقل البحري الدولي، وهو تدبير يحمل أبعادا استراتيجية تتجاوز الاعتبارات الجبائية الصرفة، فالمغرب الذي يتوفر على واجهتين بحريتين تمتدان على أكثر من 3500 كيلومتر، والذي يراهن على تعزيز مكانته كمحور لوجستي يربط أوروبا بإفريقيا والأمريكتين، يحتاج لمنظومة ضريبية قادرة على مواكبة هذا الطموح، وتحفيز الفاعلين الاقتصاديين العاملين في قطاع النقل البحري والخدمات المينائية، ويكتسب هذا التدبير أهمية إضافية بالنظر للمكانة المتقدمة التي أصبح يحتلها ميناء طنجة المتوسطي، الذي تجاوزت قدرته الاستيعابية 9 ملايين حاوية سنويا، إضافة إلى المشاريع الكبرى المرتبطة بميناء الناظور غرب المتوسط، حيث تراهن الدولة على تحويل هذه المنشآت إلى منصات اقتصادية ذات إشعاع قاري ودولي، وبالتالي، فإن تخفيف العبء الجبائي على الفاعلين البحريين يندرج ضمن سياسة عمومية تروم رفع تنافسية الموانئ المغربية وتقليص تكلفة الخدمات اللوجستية وتعزيز جاذبية الاستثمار الأجنبي المباشر.

تتمة المقال تحت الإعلان

كما تتجلى روح الإصلاح، في التدابير الموجهة إلى مؤسسات التمويل الأصغر، والتي تمثل إحدى الركائز الأساسية للشمول المالي والإدماج الاقتصادي؛ فقد اعتمد القانون أسعارا ضريبية انتقالية مخفضة تبلغ 20 % بالنسبة لبعض المؤسسات و35 % لفئات أخرى عند تحولها إلى شركات تمويل أو مؤسسات بنكية، ويعكس هذا الاختيار وعيا متزايدا بأهمية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تحقيق التنمية المحلية وتقوية النسيج المقاولاتي الصغير والمتوسط، فهذه المؤسسات لم تعد مجرد قنوات لتمويل الأنشطة المحدودة، وإنما أصبحت أدوات للتنمية المجالية ولتوسيع الولوج إلى الخدمات المالية بالنسبة للفئات التي كانت تعاني من الإقصاء البنكي.

وفي الإطار ذاته، عمل المشرع على تشديد الرقابة على العمليات العقارية المنجزة من طرف الشركات غير المقيمة، حيث ألزمها بتقديم تصريح خاص وأداء الضريبة المستحقة داخل أجل ثلاثين يوما من تاريخ التفويت، ويعكس هذا الإجراء توجها نحو عقلنة تدبير الزمن الضريبي وتقليص الفجوة الزمنية بين الواقعة المنشئة للضريبة وتحصيلها الفعلي، كما يندرج ضمن مقاربة تهدف إلى تعزيز الشفافية العقارية والحد من الممارسات التي تؤدي إلى تأخير استخلاص المستحقات الجبائية أو إضعاف مردوديتها بسبب التقلبات الاقتصادية والنقدية.

أما على مستوى الضريبة على الدخل، فقد حمل القانون مجموعة من المستجدات التي تهم تحديث المنظومة الجبائية وتحسين فعاليتها التحصيلية، من أبرزها إعادة تنظيم النظام الضريبي المتعلق بالأرباح الناتجة عن تفويت السندات المالية غير المدرجة، حيث أصبح الملزم مطالبا بأداء الضريبة داخل أجل ثلاثين يوما من تاريخ التفويت مع تقديم تصريح سنوي تركيبي قبل فاتح أبريل من السنة الموالية. ويهدف هذا الإجراء إلى تحسين قابلية التتبع الجبائي وتعزيز موثوقية البيانات المالية وتقوية القدرة التوقعية للإدارة الضريبية فيما يتعلق بتقدير الموارد المستقبلية.

كما تكتسي المقتضيات المتعلقة بقطب الدار البيضاء المالي، أهمية خاصة بالنظر للرهانات المرتبطة بتنافسية المغرب على المستوى الإقليمي والدولي؛ فقد تم اعتماد سعر ضريبي ثابت في حدود 20 % لفائدة أجراء الشركات المستفيدة من صفة القطب المالي لمدة تصل لعشر سنوات. ويعكس هذا التدبير توجها استراتيجيا يروم استقطاب الكفاءات الدولية والخبرات المالية عالية التأهيل، خاصة في ظل المنافسة القوية التي تفرضها المراكز المالية العالمية والإقليمية، غير أن هذا التوجه يطرح في المقابل نقاشا مشروعا حول مفهوم العدالة الضريبية العمودية ومدى انسجام الامتيازات الجبائية مع مبدأ المساواة أمام التكاليف العامة، فالدولة تجد نفسها أمام معادلة دقيقة تتطلب التوفيق بين متطلبات الجاذبية الاقتصادية وحتمية الحفاظ على التوازنات المالية والعدالة الاجتماعية، وهو ما يجعل تقييم أثار هذه التدابير رهينا بمدى قدرتها على جذب استثمارات جديدة وخلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.

ومن بين المقتضيات ذات الحمولة الاجتماعية الواضحة، تلك المتعلقة بالمساهمة المهنية الموحدة، حيث تم إقرار تخفيض بنسبة 50 % على الأرباح الناتجة عن تفويت العناصر المعنوية للأصل التجاري في حدود سقف مليون درهم لفائدة المهنيين الذين يتوقفون نهائيا عن النشاط بعد بلوغ سن الخامسة والستين، ويعكس هذا التدبير اعترافا ضمنيا بالدور الاقتصادي والاجتماعي للأصل التجاري باعتباره وعاءً ادخاريا ومصدرا للأمن الاقتصادي لآلاف المهنيين والتجار الذين لا يستفيدون من أنظمة تقاعد مماثلة لتلك المتاحة لفئات أخرى.

كما حرص المشرع على إدراج تدابير اجتماعية تستهدف دعم الأسر وتحسين قدرتها الشرائية، حيث تم رفع مبلغ الخصم السنوي المرتبط بالأعباء العائلية من 500 إلى 600 درهم عن كل شخص معال، مع رفع السقف الإجمالي من 3000 إلى 3600 درهم سنويا، ورغم محدودية الأثر المالي المباشر لهذا الإجراء، فإنه يعكس توجها سياسيا وماليا يروم إدماج البعد الاجتماعي داخل المنظومة الجبائية وعدم اختزالها في بعدها التحصيلي الصرف.

ويضاف إلى ذلك توسيع نطاق الإعفاءات المرتبطة بالتقاعد التكميلي لتشمل المعاشات المؤداة من طرف الصندوق المهني المغربي للتقاعد، وهو إجراء يهدف إلى تحقيق قدر أكبر من الإنصاف بين مختلف فئات المتقاعدين وتعزيز الحماية الاجتماعية لفئة المسنين، خاصة في ظل التحولات الديموغرافية التي يعرفها المجتمع المغربي وارتفاع متوسط العمر المتوقع.

وعلى مستوى التدابير الأفقية المشتركة بين الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة، اختار المشرع توسيع آليات الحجز من المنبع باعتبارها إحدى أكثر الوسائل فعالية في تأمين التحصيل الجبائي وضمان انتظام التدفقات المالية نحو الخزينة العامة، وفي هذا الإطار تم اعتماد نظام الحجز بنسبة 5 في المائة على دخول الكراء العقاري المؤداة من طرف الأشخاص المعنويين، مع برمجة دخول تدريجي لهذا النظام وفق حجم المقاولة وطبيعة نشاطها، وتكمن أهمية هذا الإجراء في كونه يحد من الاقتصاد الخفي ويعزز إمكانية تتبع العمليات المالية ويقلص من هامش المناورة المتاح لبعض الملزمين في ما يتعلق بالتصريح الجبائي، كما يندرج ضمن مقاربة أشمل تقوم على مبدأ تأمين الوعاء الضريبي وتحسين مردودية الإدارة الجبائية عبر آليات استباقية قائمة على الرقابة القبلية بدل الاقتصار على الرقابة البعدية.

كما عمل القانون على توضيح النظام الضريبي المطبق على هيئات التوظيف الجماعي للرأسمال، من خلال تكريس مبدأ الشفافية الضريبية وإزالة الغموض الذي كان يحيط بطبيعة الأرباح الموزعة، ويكتسي هذا التوضيح أهمية كبيرة بالنسبة للمستثمرين والمؤسسات المالية، لأنه يساهم في تعزيز الأمن القانوني والاستقرار التشريعي وتقليص مخاطر التأويلات المتباينة التي قد تؤثر على القرارات الاستثمارية.

أما توسيع الحجز من المنبع ليشمل بعض الخدمات المقدمة من طرف الأشخاص المعنويين، فإنه يعكس توجها نحو بناء منظومة جبائية قائمة على الرقمنة والتقاطعية المعلوماتية والتتبع الآني للتدفقات المالية؛ فالإدارة الجبائية الحديثة لم تعد تعتمد فقط على التصريحات التلقائية للملزمين، وإنما أصبحت ترتكز على منظومات معلوماتية متكاملة تسمح بتبادل البيانات بين مختلف المتدخلين الاقتصاديين والماليين.

ومن المؤكد أن نجاح هذه الإصلاحات يظل رهينا بقدرة الإدارة العمومية على تنزيلها وفق مقاربة تقوم على الحكامة المالية المتقدمة، والنجاعة التدبيرية، واليقظة الرقابية، والتقييم المستمر للسياسات العمومية، فالرهان الحقيقي لا يكمن في إصدار النصوص القانونية فحسب، وإنما في ضمان قابليتها للتنفيذ وقياس أثرها الاقتصادي والاجتماعي والمالي على المديين المتوسط والبعيد.

لذلك يمكن القول أن قانون مالية 2026 يؤسس لمرحلة جديدة من مراحل تحديث الدولة المالية المغربية، مرحلة تتقاطع فيها مفاهيم الحكامة الجبائية والعدالة الضريبية والاستدامة الميزانياتية والسيادة المالية والتدبير الاستراتيجي للموارد العمومية، وهي مرحلة تراهن على بناء منظومة جبائية أكثر ذكاءً ومرونة وفعالية، قادرة على تعبئة الموارد وتحفيز الاستثمار وتحقيق الإنصاف الاجتماعي في آن واحد، بما يجعل الضريبة أداة للتنمية وصناعة الثروة وترسيخ التوازنات الاقتصادية الكبرى، وليس مجرد وسيلة لتغذية الخزينة العامة أو سد العجز المالي الظرفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى