المنبر الحر | عندما تتحول الصحافة إلى سفر الخلود


كثيرا ما يُنظر إلى الصحافة على أنها ابنة اللحظة، تولد مع فجر اليوم وتموت مع مغيبه، كما أن الأحداث التي توثق بعض ذكرياتها، كثيرا ما ينظر إليها بنفس النظرة.. لكن ما حدث يوم السبت 20 يونيو 2026 في فندق حسان بالرباط، كان غير ذلك، لأنه عندما قام ابن القيدوم الراحل مصطفى العلوي وحارس تراثه، الأستاذ مولاي الطيب، وطاقم الجريدة والأستاذ الريحاني، وكثير من جنود الخفاء في “الأسبوع الصحفي” من إحياء الذكرى الستين وتقديم الجزء الثاني من “الحقيقة الضائعة” في حلة جميلة وسط حضور أجمل بمحبته ووفائه لروح الفقيد.
نظرة سوف تصمد كذلك للزمن كما صمدت الحقيقة، لا لشيء إلا لأن الأمر يتعلق بقامة استثنائية من طينة الراحل قيدوم وعميد الصحافة المغربية، لذلك فإن المعادلة سوف تتغير تماما.
فمع الاحتفاء بنشر الجزء الثاني من كتابه “الحقيقة الضائعة”، نجد أنفسنا أمام حدث يتجاوز مجرد توقيع كتاب، ليتحول إلى وقفة تأملية عميقة في ماهية الصحافة عندما ترتقي لتصبح عينا للتاريخ، وتوثيقا حيا للتحولات الوطنية والعالمية.
الصحافة كـ”المسودة الأولى للتاريخ”: هي تجسيد حي في “الحقيقة الضائعة”؛ فإذا كانت المقولة الشهيرة تنسب لفيليب غراهام، الناشر السابق لصحيفة “واشنطن بوست”، كما ورد في مداخلتنا المتواضعة يوم السبت الماضي في فندق حسان، فلأن تجسيدها كان الأكمل والأكثر نضجا في هذا العمود الذي كتب له خلود التوثيق، فهي لا تموت، ولم يكن صاحبها يكتب لملء الفراغ الأبيض في صفحات جريدته “الأسبوع الصحفي”، بل كان يخطُّ بمداد من جرأة ويقين أحداثا سياسية واجتماعية معقدة في لحظة وقوعها.
فهي العبور من الآني إلى الخالد، وبنشر الجزء الثاني منها تتحول تلك “المسودة الأولى” (المقالات والتحليلات اليومية والأسبوعية) إلى “نسخة منقحة وتاريخية تنبض بالحياة”.
إن إعادة قراءة هذه المقالات اليوم، لا تبدو كنبش في الماضي، بل كإضاءة للحاضر، مما يثبت أن صحافة العلوي لم تكن تسجيلا عابرا، بل قراءة استشرافية صمدت أمام اختبار الزمن.
ولطالما ردد كبار المفكرين والأدباء مقولات تؤكد التلاحم العضوي بين الصحافة الرصينة والتاريخ..
فكما يقول الأديب الفرنسي ألبير كامو: “الصحفي هو مؤرخ اللحظة”، وحين نسقط هذه الرؤية الفكرية على عمود مصطفى العلوي، نكتشف كيف تحول قلمه إلى مرجع لا غنى عنه لفهم التاريخ المعاصر للمغرب وللعالم.
لقد عاصر الراحل ملوك المغرب وثلاثة عهود، وعاش مخاض الاستقلال وبناء الدولة الحديثة، وصراعات النخب السياسية، وغطى حروبا في الفيتنام والجولان، ومحاكمات عالمية، وأحداثا جعلت منه الصحفي المتواجد قلمه في ساحة المعارك قبل المكاتب ودور الجرائد والمطابع.
مقالات العلوي في “الحقيقة الضائعة” تقدم للمؤرخين اليوم كواليس وخلفيات قد لا تجدها في الوثائق الرسمية الجافة، وهو ما عبرت عنه الرسالة الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس في تأبينه.
ولم ينحصر العلوي داخل حدود الوطن، بل كان عموده بوصلة ترصد التحولات الجيوسياسية العالمية، من حركات التحرر، والصراع العربي الإسرائيلي، إلى التحولات الدولية الكبرى، صائغا إياها بلغة تجمع بين سلاسة الصحافة وعمق التحليل الاستراتيجي، لذلك فإن كتاباته لم تعد مجرد أرشيف صحفي يُرجع إليه عند الحاجة، بل تحولت إلى سردية تاريخية موازية، تفكك شيفرات الأحداث، وتمنح الأجيال الجديدة مفاتيح فهم ما جرى.
لقد كان الراحل يدرك أن الحقيقة في عالم السياسة والسلطة غالبا ما يتم حجبها أو تشويهها، ولذلك جعل من قلم الصحفي أداة للتنقيب عن هذه الحقيقة الضائعة وسط ركام الروايات والشائعات، وقد نجح في جعل “الأسبوع الصحفي” ومقالاته مدرسة قائمة الذات؛ مدرسة تؤمن بأن الخبر مقدس، وأن التحليل مسؤولية، وأن الصحافة، في أسمى تجلياتها، هي العمق الحقيقي الذي ينهل منه المؤرخون غدا، وها هو الغد قد حل، وها هو بعد نظره قد سطع شأنه شأن الأعمال الكبرى التي تخلدها الإنسانية.
إن الاحتفاء بالجزء الثاني من “الحقيقة الضائعة” هو احتفاء بالصحافة التي لا تموت، وبالقلم الذي يرفض الانصياع لعامل الزمن.
لقد أثبت مولاي مصطفى العلوي، عبر عموده وكتابه، أن مقال اليوم هو بالفعل وثيقة الغد، وأن الصحفي الحقيقي هو من يكتب بوعي المؤرخ وشغف الباحث عن الحقيقة، ليظل اسمه منقوشا في ذاكرة الوطن كأحد أبرز صناع وحراس وعيه المعاصر.



