المنبر الحر

المنبر الحر | الأحزاب السياسية ومعادلة الأعيان.. “شاف الربيع ما شاف الحافة”

أحمد حاتم غبور
بقلم : أحمد حاتم غبور باحث في إدارة الأعمال و السياسات العامة – جامعة الأخوين بإفران

  مع اقتراب الانتخابات التشريعية في المغرب، لا تحتدم المنافسة بين معظم الأحزاب السياسية على إقناع المواطن المغربي بكفاءة ونجاعة برامجهم الانتخابية، بل تشتد المنافسة على استقطاب الأعيان انطلاقا من براغماتية انتخابية ترى في العين الرقم الصعب القادر على حسم نتائج صناديق الاقتراع. في المقابل، وبعيدا عن الحسابات الانتخابية الضيقة، تغفل الأحزاب السياسية الإجابة عن سؤالين أساسيين: ما هي التكلفة المتوسطة وبعيدة المدى التي تدفعها الأحزاب جراء تبني هذه الاستراتيجية الانتخابية؟ وكيف يؤثر ذلك سلبا في الأوراش الكبرى التي تعرفها المملكة ؟

إن الإجابة عن هذين السؤالين تقتضي أولا تشريحا لظاهرة الأعيان في المغرب كظاهرة سوسيولوجية فريدة؛ فالأعيان يستمدون قوتهم في الحياة السياسية المغربية من نفوذ محلي، وأحيانا إقليمي، تغذيه الثروة المادية والولاءات القبلية وما يرتبط بها من تشابكات عائلية قائمة على المصاهرة، وصولا إلى النفوذ الديني في المناطق المرتبطة بالزوايا والطرق الصوفية. هذا الرأسمال المادي والرمزي يجعل من العين قوة فوق-حزبية في ميزان الانتخابات المغربية؛ فالعين لا يحتاج للحزب كي يعرفه الناس، بل الحزب هو من يحتاج العين كي يجد موطئ قدم في الدائرة الانتخابية، فمقابل تقديم الأعيان للحزب مقاعد انتخابية تضمن للحزب وزنا داخل الخريطة السياسية، وموقعا قويا في مفاوضات تشكيل الحكومة، يوفر الحزب للأعيان مظلة حماية لمصالحهم الاقتصادية والقانونية والإدارية خارج نفوذهم الترابي.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن العلاقة النفعية بين الأحزاب والأعيان لا تخلو من مخاطر وسلبيات: أولا؛ إن الاعتماد على الأعيان يفرغ الساحة السياسية الوطنية من الأطر القادرة على لعب دور الوساطة المسؤولة بين مؤسسات الدولة وعموم المواطنين، ومن جهة أخرى، الاعتماد على الأعيان يجعل المؤسسات المنتخبة عاجزة عن تقديم حلول للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب، مثل التشغيل وقطاع الصحة، نظرا لغياب الكفاءات القادرة على فهم تعقيدات السياسات العمومية. ثانيا؛ يؤدي تغلغل ظاهرة الأعيان داخل الأحزاب السياسية، إلى تناقضات حزبية بين المناضل المبدئي، المؤمن بقيم الحزب ومشروعه المجتمعي، وبين العين الوافد على الحزب بمنطق النفوذ المادي، وبما أن موازين القوى تميل غالبا إلى صاحب المقعد الانتخابي، يجد المناضل الحزبي نفسه مجبرا على التنازل وأحيانا على الانسحاب، وهذا ما يؤدي إلى تفشي ظاهرة العزوف السياسي عند الشباب وفقدانهم الثقة في أحزاب أصبح النضال فيها محكوما بمدى القرب من الأعيان ونيل رضاهم.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن خطورة الاعتماد على الأعيان تكمن في قدرتهم، مع مرور السنين ومراكمة النفوذ داخل الحزب، على الهيمنة على أجهزة الحزب التقريرية، ما يؤدي بالحزب إلى فقدان بوصلة مشروعه السياسي والمجتمعي، وبالتالي، بدلا من أن تكون تلك المقاعد الانتخابية وسيلة لتنزيل برامج الحزب، يصبح الحزب مجرد أداة في يد الأعيان لاستعمال الوسائل العمومية حماية لمصالحهم الخاصة وتحصينا لثرواتهم.

تتمة المقال تحت الإعلان

ختاما، إن بناء دولة عصرية قوية من خلال برامج النموذج التنموي الجديد، يقتضي من الأحزاب فتح أبوابها للكفاءات الشابة المؤمنة بالقدرات الريادية للمملكة، بدل الاعتماد على أعيان ضرهم أكبر من نفعهم، ولذلك فإن نداء العقل والحكمة ينادي الأحزاب: “لا تكونوا كمن شاف الربيع ما شاف الحافة !”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى