تحقيقات أسبوعية

ربورتاج | عاملات النظافة في الإدارات ومؤسسات الدولة

"العبودية" أمام أعين القانون

من الفئات الهشة التي تعاني من التهميش والحكرة في المجتمع، عاملات النظافة، اللواتي يعملن في الإدارات العمومية والمستشفيات والمؤسسات التعليمية في ظروف غير إنسانية تفتقد للكرامة والاحترام، من خلال الاستغلال غير القانوني وبأجور هزيلة لا ترقى للحد الأدنى وبدون تغطية صحية والاستفادة من أبسط الحقوق التي تنص عليها مدونة الشغل، أو الأنظمة الأساسية المؤطرة للعديد من المهن أو الوظائف في قطاعات التعليم والصحة والداخلية والتشغيل.

إعداد: خالد الغازي

رغم دفاع المنظمات والجمعيات الحقوقية عن حقوق النساء في المجتمع، وتحقيق المساواة في المهن والوظائف، إلا أن عاملات النظافة من الفئات التي تظل خارج النقاش العمومي ومقصية من الحوار الاجتماعي، رغم حضورهن اليومي في مختلف القطاعات، بحيث الآلاف من النساء الطاعنات في السن والشابات يشتغلن في المستشفيات والمدارس والعمالات والمقاطعات والشركات في تنظيف المرافق والأقسام طوال النهار وحتى المساء، ويضطررن لتقبل جميع الظروف العمل صباحا وليلا، لسنوات قد تمتد إلى عشر أو 15 سنة في نفس المؤسسة التعليمية أو المستشفى، والصبر على الإهانة و”الحكرة” والتمييز والإقصاء من جميع الحقوق المنصوص عليها في قانون الشغل، مثل الترقية، وعطل الولادة، والتعويض عن المرض، والتغطية الصحية، والتعويض عن ساعات العمل الليلية، والحصول على الإجازة السنوية.

تتمة المقال تحت الإعلان
فوزية كروم
فوزية كروم

في هذا الإطار، تقول فوزية كروم، الكاتبة العامة لجهة الرباط سلا تمارة والمسؤولة عن عاملات النظافة، أن العاملات يعشن في المؤسسات العمومية التعليمية أوضاعا مزرية ولاإنسانية، حيث يشتغلن لساعات طويلة تفوق عدد ساعات عملهن التي هي خمس ساعات يوميا، في تنظيف المدارس مقابل أجر هزيل لا يتجاوز 1300 درهم، وهو أجر مهين ولا يمت بصلة للحد الأدنى للأجور، الذي يفرضه القانون، كما أنهم محرومات من التغطية الصحية الشاملة، والتعويضات العائلية، وما يجري لهؤلاء العاملات هو استغلال فاضح ومخجل لأجيرات جلهن أرامل وفقيرات، يشتغلن داخل مؤسسات يفترض أن تكون فضاء للقيم والكرامة، لذلك نطالب وزير التشغيل ومفتشية الشغل والجهات المسؤولة وعلى رأسها المديرية الجهوية، بالتدخل العاجل لأجل وضع حد لهذا العبث وإجبار الشركات على احترام القانون والتصريح بالعاملات لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتمكينهن من حقوقهن المشروعة.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأضافت كروم، أن عاملات النظافة يحرمن من الأقدمية رغم اشتغالهن لعدة سنوات من 14 إلى 20 سنة أو 30 سنة.. بسبب انتقالهن من شركة إلى أخرى بدون احتساب سنوات الأقدمية، ولم يستفدن من نسبة 5 في المائة للزيادة في الأجور التي استفاد منها الجميع، ويتم التصريح فقط بـ 9 أيام بالنسبة للعاملة التي ليس لها أبناء، أو 18 يوما بالنسبة للتي لديها أطفال، لهذا لن يصلن لمجموع 3 آلاف نقطة، حيث طلبت النقابة تخفيض عدد النقاط إلى 1324 في الحوار الاجتماعي، لكنهن وجدن أنفسهن بدون الحق في الحصول على التقاعد رغم أن من بينهن نسوة يشتغلن وأعمارهن ما بين 64 و72 سنة، مؤكدة على ضرورة إعادة النظر في الموضوع لتحسين أوضاع عاملات النظافة، خاصة اللواتي يشتغلن في المؤسسات التعليمية وشاركن في توفير أجواء نقية ونظيفة في المدارس والأقسام لتدريس العديد من الأجيال وشاركن في تحسين المنظومة التعليمية.

وتؤكد نفس المتحدثة أن عاملة النظافة تعيش معاناة صعبة لأجل الحصول على الحق في التغطية الصحية والعلاج، حيث أن ملفها لا يقبل لدى صندوق الضمان الاجتماعي رغم أنها تستيقظ باكرا للعمل بشكل يومي، لكنها تجد نفسها بدون أي رعاية صحية، بينما نساء في منازلهن يستفدن من “أمو-تضامن” ولهن حق التطبيب والعلاج والحصول على التغطية الصحية، بينما العاملة الأجيرة محرومة من هذا الحق، متسائلة: أين العدالة والقانون والحماية الاجتماعية ؟

ودعت فوزية كروم المسؤولين إلى إعادة النظر في هذه الفئة المظلومة التي هي في حاجة ماسة للعناية والاعتراف بها لأنها تعطي أكثر وتتقاضى أقل، عكس أوروبا حيث تحظى عاملات النظافة في الإدارات بقيمة كبيرة وراتب محترم للعيش الكريم.

إيمان غانمي
إيمان غانمي

من جانبها، تقول الدكتورة إيمان غانمي، رئيسة منظمة المرأة العاملة والمقاولة: إن وضعية عاملات النظافة داخل المؤسسات والإدارات لا يمكن أن تُختزل في مجرد علاقة شغل عادية، ولا في خدمة تقنية مرتبطة بالنظافة والصيانة، بل ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مؤشرا كاشفا على درجة احترامنا، كمجتمع وكمؤسسات، لكرامة العمل ولحقوق النساء الموجودات في أكثر مواقع الشغل هشاشة وصمتا؛ فعاملة النظافة ليست هامشية داخل المؤسسة، بل إنها جزء من انتظامها اليومي، ومن شروط اشتغالها، ومن صورتها أمام المرتفقين والعاملين  بها، ومع ذلك، فإن هذه الفئة كثيرا ما تبقى خارج دائرة الاعتراف الفعلي، تؤدي عملا أساسيا، متعبا، ومتكررا، دون أن تنال دائما ما يكفي من الحماية الاجتماعية، والاستقرار المهني، والإنصاف في الأجر، والاحترام داخل فضاءات العمل.

وأكدت نفس المتحدثة، أن الإشكال لا يكمن فقط في غياب النصوص، لأن المنظومة القانونية المغربية تتضمن مقتضيات حمائية مرتبطة بمدونة الشغل، وبالحد الأدنى القانوني للأجر، وبالتصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وبشروط الصحة والسلامة المهنية، بل في المسافة بين القانون والممارسة، وفي ما تفرزه بعض صيغ المناولة والتشغيل غير المباشر من مناطق رمادية، حيث تتوزع المسؤولية بين الشركة المشغلة والمؤسسة المستفيدة من الخدمة، فتجد العاملة نفسها الحلقة الأضعف في علاقة اقتصادية ومؤسساتية مركبة، مبرزة أن واقع عاملات النظافة يحتاج إلى رصد مؤسساتي دقيق، لا يكتفي بالخطاب العام، بل يقيس الأجر الفعلي، وساعات العمل، وطبيعة العقد، والتصريح الاجتماعي، والاستفادة الحقيقية من التغطية الصحية، وتوفير معدات الوقاية، وصون الكرامة، ووجود آليات آمنة للتبليغ عن التجاوزات دون خوف من الطرد أو الانتقام.

وأوضحت المتحدثة ذاتها، أن القطع مع منطق الاستغلال يقتضي الانتقال من التعاطف إلى المسؤولية، وهذا يمر عبر إدراج بنود اجتماعية ملزمة في دفاتر التحملات المرتبطة بصفقات المناولة والخدمات، سواء داخل المؤسسات العمومية أو داخل المقاولات والمؤسسات الخاصة، وربط التعاقد مع شركات النظافة باحترام الأجر القانوني، والتصريح الكامل، وشروط السلامة، والاستقرار المهني، مع تقوية جهاز تفتيش الشغل، وترتيب مسؤولية واضحة على كل جهة تستفيد من خدمات هؤلاء العاملات حين يتم المساس بحقوقهن، مشددة على أن كرامة المؤسسات تبدأ من كرامة النساء اللواتي يحافظن يوميا على نظافتها واستمرارها، ولا يمكن أن نتحدث عن الدولة الاجتماعية ولا عن العدالة في مجال العمل بينما تبقى عاملات النظافة غير مرئيات، يحملن عبء الخدمة، ويُحرمن من الاعتراف الكامل بحقوقهن، لذلك فقد آن الأوان لإخراج هذه الفئة من الهامش، والاعتراف بها كجزء أصيل من عالم الشغل المنتج، لا كقوة عمل صامتة تُستنزف في الخفاء وتُعامل كما لو كانت قابلة للاستبدال في أي لحظة.

رغم غياب إحصائيات رسمية بخصوص أوضاع وعدد عاملات النظافة والطبخ في الإدارات والمؤسسات الحكومية، إلا أن التقديرات تشير إلى وجود عشرات الآلاف من النساء اللواتي يشتغلن في المئات من المؤسسات التعليمية والمستشفيات والملحقات الإدارية والمؤسسات العمومية والقطاعات الحكومة والوزارات، والعديد من مرافق الدولة، بالإضافة إلى المؤسسات الخاصة، لكن الإشكال يكمن في اشتغالهن لساعات طويلة، من السابعة صباحا حتى المساء، مقابل أجور هزيلة لا تغطي حتى مصاريف التنقل والأكل، وفي حالة المرض، يتم طرد العاملة بدون مبرر أو مطالبتها بالبحث عن عاملة أخرى تعوضها لكي تحافظ على عملها بدون كرامة ولا الحق في الإجازة المرضية.

لبنى نجيب
لبنى نجيب

في هذا الصدد، تقول لبنى نجيب، الكاتبة العامة للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ، أن عاملات النظافة اللواتي يعملن في القطاعات العمومية والمؤسسات التعليمية، يعانين من مشكلة تكمن في العمل لساعات طويلة أكثر من المدة المنصوص عليها في دفتر التحملات، والتي لا تتعدى ثلاث ساعات، إذ يشتغلن لفترات تصل لـ 8 أو 10 ساعات وحتى الليل، ولا يتقاضين سوى مبلغ 700 درهم شهريا ولا يصلن للحد الأدنى من الأجر، ولا يتم تمكينهن من النقاط اللازمة للاستفادة من تعويضات الضمان الاجتماعي والتقاعد، ويحرمن من التعويض عن الأبناء والأدوية وتغطية مصاريف العلاج، فهن يشتغلن بدون استفادة من أي شيء، بعدما كن يستفدن في السابق من بطاقة “الراميد” التي تتيح لهن الاستفادة بشكل مجاني من العلاج والتطبيب، لكن بعد اعتماد نظام “أمو تضامن” تم إقصاؤهن وحرمانهن من الحماية الاجتماعية، وبالتالي، فهؤلاء النساء ضائعات في ظل غياب التعويض عن المرض وحوادث الشغل.

وقالت ذات المتحدثة، أن عاملات النظافة يقمن بشراء مواد التنظيف من مالهن الخاص، أو يتم إعطاؤهن منتوجا غير صحي لتنظيف المرفق العمومي يتسبب لهن في أضرار صحية ويتعرضن لأمراض مزمنة أو حوادث شغل مثل الانزلاق أو كسور دون أن يحصلن على الرعاية والراحة، وفي الكثير من الأحيان يتم التخلص منهن من قبل الشركة بدون علاجهن أو رعاية رغم اشتغالهن لفترة طويلة، لأن شركات المناولة تبحث فقط عن ربح الأموال على حساب الفئات الهشة ولا تهمها حقوق العاملات، مضيفة أن الإدارات العمومية تتعاقد مع الشركات الخاصة ولا تلزمها باحترام حقوق العاملات، ويتم تركها تفعل ما تشاء تستغلهن بشكل غير قانوني، رغم أن الجهة المتعاقدة هي مؤسسات حكومية مثل المديريات الإقليمية والمندوبيات، التي من المفروض أن تواكب الصفقة ودفتر التحملات ومدى احترام هذه الشركات لحقوق العاملات والمستخدمين، لكن في الواقع تقوم بهضم حقوقهن والمؤسسات لا تقوم بدورها في المتابعة والمراقبة، ويتم ترك النساء عرضة للاستغلال في ظروف مزرية، كمثال هناك حالة عاملة تعمل ب 250 درهما شهريا في وكالة بنكية بالراشيدية، وحالة ثانية لأخرى تشتغل في مؤسسة وهي مصابة بكسر بميدلت.

وطالبت نفس المتحدثة بتسوية وضعية عاملات النظافة، عبر الزيادة في عدد ساعات العمل ضمن دفتر التحملات لكي يسمح لهن بالاستفادة من التغطية الصحية، وتشديد المراقبة على الشركات ومدى احترامها لمدونة الشغل وتعميم الحد الأدنى للأجر على جميع المستخدمات، وتحديد طبيعة المهام والعمل، وتمكينهن من التغطية الصحية وعطلة الولادة وفترة الرضاعة.

فقد سجلت النقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ، معطيات صادمة تبرز حجم الاستغلال البشع الذي تتعرض له فئات عمالية، خاصة عاملات النظافة، إذ يشتغلن بأجور هزيلة لا تتجاوز 750 درهما في أحسن الحالات، وتنحدر إلى 500 درهم لدى فئات واسعة، في خرق سافر لمقتضيات التشريع الاجتماعي، ولا تقل أوضاع عاملات الطبخ مأساوية عن عاملات النظافة، إذ يتقاضين أجورا زهيدة لا تتجاوز 1500 درهم مقابل ساعات عمل مرهقة من 14 إلى 16 ساعة يوميا، في انتهاك صارخ لدفاتر التحملات ولمقتضيات قانون الشغل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى