للنقاش | “تاهرڭاويت”.. من بول باسكون إلى حسن الفد

“تاهرڭاويت” أو قلة التمدن كما عرفها حسن الفد، ليست ظاهرة دخيلة على المجتمع المغربي، بل هي سمة من سماته، وهي نتيجة تراكمات لمظاهر جزئية من مجتمعات عديدة تتعايش أحيانا في نفس اللحظة ونفس المكان، وما جعلها اليوم بارزة في المجتمع هو هيمنة مظاهر التمدن/التحضر على مظاهر البداوة.

لفهم الأصول الأولى لـ”تاهرڭاويت”، يمكن العودة إلى ابن خلدون، الذي تمنى حسن الفد لو كان معاصرا لـ”هرڭاويي” القرن 21، لدراسة سلوكهم وإدماجه في نظريته حول تطور المجتمعات، والحق أن ابن خلدون تطرق لـ”تاهرڭاويت” زمانه بلغة عصره، في معرض تحليله لطبيعة أهل الحضر، حيث ذكر أنهم ((لكثرة ما يعانون من فنون الملاذِّ وعوائد الترف، والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها، قد تلوثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشَّر، وبَعُدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحِشمة في أحوالهم، فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم، وبين كبرائهم وأهل محارمهم لا يصدهم عنه وازع الحشمة لما أخذتهم به عوائد السوء في التظاهر بالفواحش قولا وعملا))، ولعل هذا التوصيف ينطبق على الحالة السلوكية التي قدمها حسن الفد مثالا لـ”تاهرڭاويت” هذا العصر: ((واحدة كتماكي فالطوموبيل.. حابسة الدار البيضا كاملة.. والله إيما غادا ف الكولوار… را الطوموبيلا ديال ديك السيدة دايرة شي مليون ديال الدرهم.. ولكن هي (أي السائقة) ماساوياش)).
والآن، لنعد إلى مظاهر “تاهرڭاويت” في المجتمع المغربي، والتي وصمها بول باسكون (1932-1985) بطبيعة المجتمع المغربي المزيجة، حيث رصد خلال السنوات الأولى للاستقلال (تم نشر النص في “لاماليف” /عدد دجنبر 1967) تَصارُع نماذج عدة من التنظيمات الاجتماعية، التامة في ذاتها، داخل هذا المجتمع (المغربي)، موضحا أننا ((لسنا أمام مجتمع معين، بل أمام مظاهر جزئية من مجتمعات عديدة تتعايش أحيانا في نفس اللحظة ونفس المكان.. هكذا ينتمي فرد محدد، وحسب سلوكاته المختلفة، إلى عدة مجتمعات، والدلائل على ذلك بسيطة ويومية))، ويقدم مثالا على هذا المزيج في شخصية الفرد الواحد من تلك الفترة كالتالي: ((شاب يحمل شواهد، ويرتدي بدلة عصرية، ويتلفن إلى مسؤول إداري. إنه ينطق بكلمات عربية، ويوصي بتشغيل فلان بالفرنسية، ولكنه أمام تحفظات المسؤول يعاود الكرة بثلاثة حجج، إنما بالعربية هذه المرة: إن قريبا للشخص المقترح قد فقد عمله، وأن العائلة أصبحت بدون مورد، وبأنها تنتمي إلى قبيلة من وسط المغرب، وبأنها كثيرة الولد، ولكنه يواجه في الأخير برفض مبني على القانون، هذا دون أن تكون مؤهلات المرشح قد ذُكرت، وبإمكاننا إيراد أمثلة أخرى إلى ما لا نهاية: فكُلُّنا يجر وراءه جلبة التاريخ ومخلفاته)) انتهى الاقتباس.
ويستحق كل مجتمع من هذه المجتمعات، حسب باسكون دائما، وصفا تاريخيا. و((بإمكاننا، في انتظار ذلك، جعلها تتابع هكذا: المجتمع البطريريكي، المجتمع اللاهوتي، فالمجتمع القبلي، ثم المجتمع القائدي، فالمجتمع الصناعي))، ويخلص إلى أن هناك دمجا للمجتمعات التاريخية المتعاقبة، التي لم يتبق لنا منها سوى بعض المظاهر، هي امتدادات راسخة لمجتمع سابق، أو مقدمات لمجتمع في طور البناء (طبيعة المجتمع المغربي المزيجة: مصطفى كمال، مجلة “بيت الحكمة”/ العدد 3، السنة الأولى، أكتوبر 1986).
وقد تطرق “تقرير الخمسينية” (الذي صدر سنة 2006 تحت عنوان: “50 سنة من التنمية البشرية بالمغرب وآفاق سنة 2025”) بشكل واسع ومعمق لمظاهر تحول المجتمع المغربي منذ الاستقلال، ومن أبرز هذه التحولات، تمدين المجتمع (التحضر)، ورصد التقرير قفزة هائلة في نسبة سكان المدن، حيث انتقلت من 29 % عام 1960 إلى 55 % عام 2004، مع ما رافق ذلك من “ترييف للمجال الحضري” وظهور أحياء السكن غير اللائق نتيجة الهجرة القروية الكثيفة، وكذا التحول في منظومة القيم، إذ رصد التقرير انفتاح المجتمع على نماذج استهلاكية وسلوكيات عصرية متأثرة بالعولمة ووسائل الإعلام، مما خلق نوعا من التعايش أو التصادم في السلوك اليومي للمغاربة.
وفي سياق تحليله لتحولات المجتمع المغربي، رصد التقرير مجموعة من السلوكات والمظاهر السلبية “الهرڭاوية” التي اعتبرها نتيجة لـ”سوء تأطير التحولات الاجتماعية” أو استمرار لبعض العوائق البنيوية، ومن أبرز هذه السلوكات والمظاهر التي ترافق “المعيش اليومي”، انتشار السلوكيات المضادة للمجتمع (Antisocial Behaviors)، من قبيل العنف والجانحية، حيث رصد ارتفاعا في معدلات العنف اللفظي والجسدي، وجنوح الشباب في الأحياء الهامشية نتيجة الإقصاء الاجتماعي والبطالة.
كما تحدث التقرير عن اختلالات في “منظومة القيم” أدت إلى التطبيع مع الرشوة، مشيرا إلى أن الرشوة والمحسوبية (الزبونية) أصبحت في بعض الأحيان “قواعد غير مكتوبة” لتيسير المصالح، مما يضعف الثقة بين المواطن والمؤسسات، وكذا اقتصاد الريع حيث انتقد التقرير ممارسات البحث عن الربح السريع وغير المشروع بعيدا عن قيم الاستحقاق والعمل المنتج.
أيضا عدد التقرير مظاهر “الترييف” والتحلل الاجتماعي في المدن كنتيجة للهجرة القروية الكثيفة وغير المنظمة، أسفر عن ترييف المدن بنقل السلوكيات القروية إلى المجال الحضري دون استيعاب “قيم المواطنة الحضرية”، مما خلق فضاءات مدنية تتسم بالفوضى في استغلال الملك العمومي.
يوضح د. ميثم الجنابي، أن ((الفكرة الجوهرية الكبرى والعميقة التي أسس لها ابن خلدون بصدد الحضارة، هو النظر إليها باعتبارها مرحلة في التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي من جهة، وارتباطها بصيرورة الدولة وتطورها من جهة أخرى، وظهور الدولة بدورها هو انتقال من البداوة إلى الحضر، أي من حالة اجتماعية واقتصادية وثقافية معينة إلى أخرى أكثر رقيا، أي الانتقال من البداوة إلى المدنية)) (د. ميثم الجنابي: “الانتقال من البداوة إلى الحضارة”، صحيفة “المثقف”/ بتاريخ 8 أبريل 2020).
ولعل جلبة التاريخ ومخلفاته، التي لم نستطع التخلص منها، قد استفحلت وتراكمت لتتحول، وفق المبدأ الجدلي (التراكم الكمي يؤدي إلى تحول نوعي)، إلى كومة من السلوكات الشخصية والمؤسساتية المتناقضة، هي “تاهرڭاويت”، وقد أدى استفحالها لتطال الكثير من أجزاء الدولة نفسها، ومؤسساتها ومسؤوليها، وقد عدد توفيق بوعشرين (كلام في السياسة) أمثلة كثيرة عمن وصفهم بـ”هرڭاوة الجدد أو هرڭاوة VIP”، وما مغرب السرعتين إلا مظهر من مظاهر هذه الـ”تاهرڭاويت”، مغرب ظاهره القطارات فائقة السرعة، الملاعب الرياضية من آخر جيل، صناعة الطائرات، الهيدروجين الأخضر… وغيرها كثير، وهي مشاريع تدعو إلى الافتخار، وباطنه 4 ملايين أسرة تحت خط الفقر تعتاش من دعم 500 درهم، مدرسة متخلفة، خدمات اجتماعية متدنية، بؤس أحياء ومدن الهامش.. وتضارب مصالح.. وهي مظاهر تدعو إلى الخجل.
بعد أزيد من نصف قرن على دراسة بول باسكون، أنجز المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، بحثا حول الرابط الاجتماعي ما بين سنوات 2011 و2016 و2023، رصد من خلاله تحولات المجتمع المغربي، وتمثلات المغاربة لمكونات الرابط الاجتماعي (الأسرة، الصداقة، الجوار، العمل والسياسة)، والمجال الذي تطرق له البحث (الرابط الاجتماعي) يتعلق أساسا بما يصطلح عليه اليوم بفن العيش المشترك في الفضاء المشترك؛ هذا الفضاء، سواء كان إقامة سكنية، أو مدرسة، أو معملا، أو إدارة، أو ساحة، أو حديقة، أو طريقا، أو شاطئا، أو وسيلة نقل عمومي… هو مسرح لـ”تاهرڭاويت”.
ومن بين خلاصات البحث الأخير (2023) تؤكد إحداها أن تأثيرات العولمة الثقافية والثورة التكنولوجية تبقى بعيدة كل البعد عن زعزعة التمثلات الفردية والهوية الوطنية المغربية، وصمود الرابط الأسري كأقوى رابط اجتماعي إلى حد بعيد، وهو ما يؤشر على أن المجتمع المغربي ما يزال ذا طبيعة مزيجة، جذرها الأساسي هو المجتمع البطريريكي، وعنه تتفرع باقي الجذوع/ المجتمعات المتعاقبة، وربما هو اليوم، بتأثير من العولمة الثقافية والثورة التكنولوجية، يخلق مجتمعا سادسا يضيفه للمجتمعات الخمس التي ذكرها باسكون، وهذا المجتمع يتبلور بشكل أوضح في صفوف سكان المناطق الحضرية والأجيال الشابة والأفراد ذوي الرأسمال الثقافي أو الاقتصادي العالي، حسب خلاصات البحث.
تبعا لكل ذلك، يمكن القول بأن “تاهرڭاويت” هي نقيض الرقي والترفع، وهي الإسفاف والدناءة؛ فبينما يترفع الشخص الراقي بنفسه عن صغائر الأمور، ينحدر النقيض/ “الهرڭاوي” إلى مستويات تفتقر للوعي والتهذيب، ويمكن تلخيص أبرز سمات هذا النقيض في البذاءة والابتذال، كاستخدام لغة هابطة أو جارحة في الحوار، والاعتماد على الصراخ والشتائم لفرض الرأي، وأيضا الانشغال بالصغائر مثل تعقب عثرات الآخرين، وكثرة القيل والقال (أفادت نتائج البحث حول الرابط الاجتماعي، أن 73.3 % من المغاربة يتصفحون شبكات التواصل الاجتماعي بدافع “سماع القيل والقال”، و78.8 % منهم بدافع “ملء لحظات الملل”، و89.1 % بدافع الدردشة والبقاء على تواصل مع العائلة والأصدقاء)، ثم ضيق الأفق كالعجز عن تقبل الاختلاف، والتحول فورا إلى الهجوم الشخصي عند وقوع أي سوء تفاهم بسيط، انعدام الخصوصية بالتدخل فيما لا يعني الشخص، وتجاوز حدود الآخرين دون مراعاة لمشاعرهم أو كرامتهم، والغطرسة (الاستعلاء المزيف)، وهو عكس الترفع، فالترفع نابع من ثقة، عن السلوكات المنافية للمقام/ المكانة الاجتماعية المعبر عنها بمستوى “الترف” و”الإقبال على الدنيا” بتوصيف ابن خلدون أعلاه، بينما الغطرسة نابعة من نقص يحاول الشخص تعويضه بالتقليل من شأن المحيطين به. بالمختصر، إذا كان الرقي هو “فن المسافات والجمال”، فإن نقيضه “الهرڭاوي” هو “الفوضى الأخلاقية والغلظة”، وكما أشار باسكون، “بإمكاننا إيراد أمثلة أخرى إلى ما لا نهاية: فكُلُّنا يجر وراءه جلبة التاريخ ومخلفاته”.
في الأخير، وجب التنبيه، كما أوضح ذلك د. ميثم الجنابي، إلى أن البداوة، بالنسبة لابن خلدون، هي حالة اجتماعية اقتصادية متعلقة بالإنتاج وأسلوبه؛ فكل ما هو قبل العمران المدني (الحضاري)، هو حالة همجية، وذلك يعني أنه ليس حكما قيميا أو أخلاقيا، لهذا نراه يشدد على وجود الكثير من الصفات الأخلاقية عند البدو (الهمج) أكثر رقيا من أهل الحضر، مثل قيم المروءة والكرم والسؤدد والفروسية، وأنهم “أقرب إلى الخير منهم، وكذلك في فضائل أخرى مثل الشجاعة.
“تاهرڭاويت” ليست وليدة واقعة الدار البيضاء وتصريح حسن الفد، وإنما هي “جلبة التاريخ ومخلفاته” متجذرة في المجتمع المغربي، على الأقل منذ ستينات القرن الماضي، حسب بول باسكون، وهي سمة مختلف المجتمعات حسب ابن خلدون، فما علينا، أفرادا ومؤسسات، هو العمل على اجتثات مظاهرها، كل من موقعه، والترفع عن الصغائر، سواء كانت سلوكا في الشارع العام، أو صفقة غير مشروعة في دهاليز الإدارة.
وكل سلوك “هرڭاوي” وأنتم على بينة..



