بين السطور | مصير المغرب بين العسكر والمخابرات..


لا شك أن قرار تكليف مولاي الحسن بمنصب المنسق لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، ما هو إلا خطوة من بين عدة خطوات (…) لتجهيز ولي العهد لتحمل المسؤوليات العليا، وهذا أمر لا غبار عليه، تماما كما تولى والده محمد السادس نفس المنصب عام 1985 بتعيين من والده الحسن الثاني.
وإذا كان بلاغ الديوان الملكي حول هذا التعيين في المكاتب الخمسة يهدف إلى تأكيد عرف ملكي أكثر من كل ما هو شكلي (…)، فهذا العُرف ذكّر الكثيرين مرة أخرى بالحسن الثاني، الذي يرجع له الفضل في وضع الأسس الصلبة للاستقرار الأمني في المغرب عبر فلسفته المنطلقة من عدم وضع البيض كله في سلّة واحدة (…)، حيث لم يعتمد على جهاز أمني موحد، بل نوّع الأجهزة وقطع الصلات فيما بينها (…) حتى يخلق بينها تسابقا وصراعا كانا دائما في مصلحة الاستقرار. نصيحة طبقها بالحرف كانت قد جاءته بها المخابرات الأمريكية والفرنسية، الذين كان يجتمع بهم ويستفيد من خبرتهم، ومن تم أسس جهاز “الكاب آن”، لتتبع الملفات الداخلية والخارجية، وأسس جهاز “الديستي”، ليجعله يتفرغ لمتابعة ما يجري داخل التراب الوطني، ثم اكتشف أهمية الجهاز السلطوي في الأقاليم وكنوز الأخبار والمعلومات التي يجمعها القياد والباشوات والمقدمون والشيوخ، والمبلِّغون والبياعة.. ليشجع تأسيس مصلحة الاستعلامات التابعة لوزارة الداخلية، ثم أسس جهاز المكتب الثاني للجيش، وأعلى منه جهاز “لادجيد”، للتكفل بالأمن الخارجي والعسكري للمغرب، وعزز هذا الجهاز الذي أخذ طابع الاستراتيجية الدبلوماسية والعسكرية، بأقطاب خبراء من كل المكونات المدنية والعسكرية المتفوقة، ليظهر بعد موت الجنرال الدليمي جهاز آخر أعظم وأقوى، هو الجهاز التابع للدرك الملكي، والذي يعتبر الآن، وفي صمت كبير، من أقوى الأجهزة الاستخباراتية المغربية، قبل أن يكلف الحسن الثاني رئيس حرسه الخاص، المديوري، بتأسيس جهاز مكلف بحماية القصر الملكي، بينما نفوذه توسع ليشمل، باسم الأمن الملكي، مجالات أوسع..
لقد عرفت الترتيبات الأمنية في عهد الحسن الثاني، والتي كانت صارمة وموزعة، مستقلة الكيانات، حدثا من الأهمية بمكان، حينما استخلص الملك من درس الهجوم الانقلابي على قصره بالصخيرات يوم 10 يوليوز 1971، فاستدعى قطب المخابرات الفرنسية “ساسيا”، وأسند إليه مهمة إعادة تكوين الأجهزة كلها، لدرجة أزعجت الأحزاب الفرنسية، وخاصة المناهضة للحسن الثاني. تغييرات وتحولات توالت حتى وصلت لشكلها التي هي عليه اليوم.
وكما لا يمكن الوصول إلى التصور الحالي الذي تعرفه مكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية التي تولى مولاي الحسن اليوم تنسيقها، دون النبش في أصول تشكيلها، لا يمكن كذلك تصور وصول المعلومات إلى أي منسق من المكاتب الخمسة دون مخابرات مدنية، لأن أي معلومة ترتبط بالأمن العام، يجب أن تصل حتى لو كانت معلومة مدنية (…).



