الرأي

الرأي | الدياسبورا.. زمن اقتصاد المعرفة

عبد الرفيع حمضي
بقلم: عبد الرفيع حمضي

 في نهاية هذا الأسبوع، تحتضن مدينة مراكش نشاطين يحملان أكثر من دلالة، ويتعلق الأمر بالمنتدى الاقتصادي لمغاربة العالم FEMM، وجائزة مغاربة العالم TMM، وهما مناسبتان تبدوان في الظاهر اقتصاديتين أو احتفاليتين، لكنهما تكشفان عن تحولات عميقة تعرفها الجالية المغربية بالخارج، وانتقالها التدريجي إلى دياسبورا بالمعنى الحديث للكلمة.

نحن اليوم أمام الجيل الرابع من مغاربة العالم، الذين يتجاوز عددهم ثمانية ملايين، ولم تعد المسألة مرتبطة فقط بجالية تعيش خارج الوطن، بل بتحول عميق في طبيعة هذه الجالية نفسها، وفي علاقتها بالمغرب وبالعالم.

تتمة المقال تحت الإعلان

فالدياسبورا، في الأدبيات الحديثة، ليست مجرد انتشار بشري خارج الحدود، بل شبكة ممتدة من الكفاءات والعلاقات والمصالح والقدرة على التأثير؛ هي رأسمال معرفي واجتماعي عابر للأوطان، يستطيع الربط بين الاقتصاديات ونقل التكنولوجيا والخبرات والأفكار.. ولهذا، فليست كل جالية دياسبورا، كما ليست كل هجرة هي مشروع تأثير.

تتمة المقال تحت الإعلان

والتجارب الدولية تؤكد ذلك بوضوح، فالدياسبورا الصينية لعبت دورا حاسما في نقل الاستثمار والتكنولوجيا، والدياسبورا الهندية ساهمت في بناء اقتصاد رقمي عالمي، قبل أن تعيد جزءً كبيرا من خبراتها إلى الداخل. في كل هذه النماذج، لم يكن الرهان الحقيقي على الأموال فقط، بل على المعرفة.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي الحالة المغربية، ظل التعامل مع مغاربة الخارج، لسنوات طويلة، محكوما بمنطق التحويلات المالية، ورغم أهميتها الكبيرة، فإن جزءً محدودا منها فقط كان يتجه نحو الاستثمار، وغالبا في قطاعات تقليدية كالعقار أو الادخار البنكي أو بعض الأنشطة البسيطة، وكان ذلك يعكس نموذجا اقتصاديا محافظا يرى في الجالية مصدر دعم مالي أكثر مما يراها شريكا في إنتاج القيمة.

غير أن التحولات الجارية اليوم توحي بأننا بدأنا نغادر هذا المنطق تدريجيا؛ فالتراكم الذي صنعته المبادرات الخاصة والمدنية خلال السنوات الأخيرة لم يعد يقتصر على الاحتفاء بالكفاءات أو تشجيع الاستثمار، بل بدأ يدفع نحو سؤال أكثر عمقا: كيف يمكن تحويل مغاربة العالم إلى قوة في اقتصاد المعرفة ؟

هنا تكتسب المبادرات المدنية والخاصة أهميتها الحقيقية؛ فهي لم تعد تشتغل بمنطق المناسبات، بل بمنطق بناء مسار جديد.. من الاعتراف بالكفاءات إلى التفكير في الاستثمار، وصولا إلى إنتاج الأفكار نفسها.

في هذا السياق، تبرز اليوم مبادرة لافتة، لا يتجاوز عمرها ثلاثة أشهر، لكنها تحمل دلالات قوية. شبكة غير رسمية لكفاءات مغربية بالخارج، تشكلت عبر شبكات التواصل الاجتماعي بشكل مرن ورقمي، وبدأت بسرعة في تنظيم نفسها عبر مجموعات عمل ولجان متابعة، بهدف إعداد “كتاب أبيض” يتضمن مشاريع وأفكارا ومبادرات في مجالات الاقتصاد الرقمي والابتكار واقتصاد المعرفة.

والأهم في هذه المبادرة ليس فقط مضمونها، بل رمزيتها، فنحن أمام جيل جديد من مغاربة العالم لم يعد يكتفي بتحويل الأموال أو الاستثمار التقليدي، بل يسعى إلى نقل المعرفة، والمساهمة في صياغة التصورات، واقتراح حلول للمستقبل. وهذا يعكس رغبة واضحة في الانتقال من موقع “المساهم” إلى موقع “الشريك في التفكير”.

وهنا يبرز التحدي الحقيقي أمام الفاعل العمومي؛ فحين تتطور المبادرات المدنية والخاصة بهذا الشكل، وتبدأ في إنتاج الأفكار والتصورات بشكل مستقل، فإن التأخر في مواكبتها قد يجعل الدولة خارج دينامية تتشكل بسرعة، لذلك فالمطلوب اليوم ليس فقط تدبير علاقة إدارية مع الجالية، بل بناء علاقة سياسية ومعرفية جديدة مع دياسبورا بدأت تفرض موقعها بنفسها.

وبين ما يقال وما لا يقال.. يبدو أن مغاربة العالم لم يعودوا فقط امتدادا للوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى