تحقيقات أسبوعية

للنقاش | عندما تتحول الأحزاب إلى “سوسة” لتدمير الحياة الاجتماعية والسياسية

عندما تتسرب سوسة الفساد إلى الأحزاب السياسية كما تنخر السوسة الخشب والحبوب من الداخل دون أن يظهر ذلك على السطح.. فورا يستحيل تحقيق الديمقراطية والتنمية، وقد تعددت آراء الفلاسفة والمفكرين وعلماء الاجتماع حول الأحزاب السياسية الفاسدة وينظر إليها كأحزاب انتهازية لا تنتج إلا الخراب والدمار للمجتمع، وتعتمد على المال الحرام بدلا من الكفاءات العلمية القادرة على حفظ الأمانة وخدمة الصالح العام، مما يؤدي إلى استيلاء واسع على الثروة الوطنية للبلاد تحت غطاء القانون، وهذا يؤدي إلى استحالة التطور الاقتصادي وتحقيق الديمقراطية، فالمفسدون لن يبنوا وطنا.. إنهم يبنون ذاتهم ويفسدون أوطانهم، والذي يبيع بلاده ويخون الوطن والمواطنين، فهو كمن يسرق من بيت أبيه ليطعم اللصوص.. فلا أبوه يسامحه ولا اللص يكافئه.

حسوني قدور بن موسى
بقلم: حسوني قدور بن موسى
محامي بهيئة وجدة

الفساد الحزبي يعني استحالة التنمية، لأن التنمية والفساد خطان لا يلتقيان، والأحزاب الفاسدة هي الحاضن الأول للفساد والمفسدين من خلال خيانة أمانة الوطن وتضليل الشعب بشعارات خادعة لا تعبر عن الواقع السياسي والاجتماعي الذي يعيشه المواطن، إذ تستخدم هذه الأحزاب وسائل مضللة لشرعنة نهب المال العام وتتميز بنفاق سياسي، حيث ترفع  شعارات دينية أو أخلاقية للوصول إلى كراسي المسؤولية بينما تمارس خلف الكواليس وسائل الشيطنة والمحسوبية والمصلحة الشخصية وتوصف بانها منخورة من الداخل لا تدبر ماليتها بشفافية وديمقراطية ووضوح، تستغل تزكيات الانتخابات للبيع والشراء..

تتمة المقال تحت الإعلان

يُشير الفيلسوف مونتسكيو إلى أن فساد الأحزاب يُعد “مرضا غير قابل للشفاء”، لأنه يأتي من “النظام نفسه” الذي يُفترض أن يكون علاجا؛ فعندما تضع الأحزاب لنفسها قوانين فاسدة، يصبح الفساد حاميا لنفسه بنفسه.

تتمة المقال تحت الإعلان

ويرى بعض المحللين، أن الأحزاب الفاسدة تعمل كأداة للنخبة الحاكمة لاستخراج الموارد من المجتمع لصالحها، مما يجعلها خطرا على الاستقرار السياسي في الدولة، فهذه الأحزاب هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن انهيار الثقة في العملية الانتخابية والسياسية بصفة عامة، وتحويل الدولة إلى أداة لخدمة فئة محددة على حساب الصالح العام.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن الفراعنة والأباطرة تحولوا إلى طغاة، لأنهم وجدوا جماهير تخدمهم بلا وعي حتى قيل قديما “لولا غفلة الجماهير لما قال فرعون أنا ربكم الأعلى”.. ولقد ضحى الزعماء السياسيون الأوائل بأرواحهم من أجل نهضة البلاد وإسعاد المواطنين فماتوا وهم سعداء بإنجازاتهم العظيمة، واليوم نشاهد ما يسمى بالزعيم السياسي ينصب نفسه على رأس الحزب مدى الحياة.

فكل ما نراه في الأمة من فساد وارتباك وفوضى وتدهور.. نشأ من عدم شعور المواطن بالواجب الوطني، وهو محاربة جميع أشكال الفساد في الدولة، وهذا معناه استحالة التنمية الشاملة واستحالة تحقيق الديمقراطية، فالتنمية والفساد خطان لا يلتقيان أبدا، والديمقراطية مع أحزاب فاسدة أمر مستحيل، ولا تزال “مقدمة” العلامة ابن خلدون صالحة لزماننا وكاشفة للأسباب الحقيقية التي تقف وراء تخلف الأمة وانحطاطنا وفشل نهضتنا.. حيث أكد ابن خلدون أن فساد الحكم، الذي يرتكز على الظلم والترف وتزاوج السلطة بالثروة، هو السبب الرئيسي لانهيار الدول وحضارتها، كما يرى أن “الظلم مؤذن بخراب العمران”، حيث يؤدي فساد القضاء واحتكار الحكام للتجارة، إلى تدمير الاقتصاد، فصاحب المقدمة أمسك بمعادلة تنطبق على أوضاعنا الحالية التي حولها الفساد إلى خراب، عجزت عن إصلاحه العديد من المبادرات التي كلفت خزينة الدولة أموالا طائلة من دون أن تنفرج الأزمات ويتراجع الفساد الذي ضيع على البلاد والعباد العديد من الفرص والانتصار على فيروس مدمر للاقتصاد ومُصادر للتنمية يسمى الفساد، في جميع القطاعات في الدولة، والذي تسرب إلى الأحزاب السياسية التي يفترض فيها الدفاع عن مصلحة الشعب، وهناك تقرير للمجلس الأعلى للحسابات كشف عن اختلالات في صرف الدعم المالي الذي تتلقاه الأحزاب السياسية من الدولة، وهو ما دفع بالجمعية المغربية لحماية المال العام إلى مطالبة النيابة العامة باستدعاء الأحزاب المعنية، لفتح تحقيق قضائي حول الخروقات التي شابت وضعيتها المالية وليس الأحزاب وحدها المريضة بسوسة الفساد، بل إن هذا المرض أصاب حتى النقابات المهنية والجمعيات والمؤسسات التعليمية التي يفترض أن لها مسؤولية كبيرة في محاربة الفساد والمفسدين، والغريب أن الأحزاب التي يفترض أن دورها هو تربية الأجيال سياسيا وثقافيا وتخليق الحياة السياسية، هي التي تحتضن وتستقطب الفاسدين لتمويل حملاتها الانتخابية بالمال الحرام، وبعد فوزها والجلوس على كراسي المسؤولية، تستمر في تشغيل آلة الفساد، وهو واقع سياسي متعفن انتعش فيه الفساد، وطغت فيه توجهات انتهازية وتحول فيه العمل السياسي النظيف الهادف إلى مصعد للحصول على الامتيازات وخدمة الأغراض الشخصية بدلا من خدمة المصلحة العامة للبلاد..

يعتبر الفساد من أكبر معوقات التنمية، فهو المسؤول الأول عن تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إضافة إلى أنه يؤثر بشكل كبير على العدالة التوزيعية والفعالية الاقتصادية نظرا لارتباطه بإعادة توزيع بعض السلع والخدمات لصالح المفسدين الخونة في المجتمع ممن يحتكرون السلطة والنفوذ السياسي والمالي في الدولة، هذا فضلا عما يسببه المفسدون من إضعاف قيمة العملة الوطنية نتيجة الاستيلاء على أموال البنوك في قروض بلا ضمانات حقيقية وتهريب المال العام إلى الخارج، لذلك فإن الفساد أكبر من أن يكون مسألة اقتصادية، بل إنه داء خطير يقضي على البنية الاجتماعية والثقافية، وفي هذا المجال أصدرت منظمة الشفافية الدولية تقريرا حول مؤشر مدركات الفساد في العالم، والذي يقيس درجة الفساد في القطاع العام والحكومي في 180 دولة، ويضم التقرير فصلا خاصا عن العالم العربي، إذ تبين منه أن إجمالي مؤشر الفساد في المنطقة ظل ثابتا عند 34 من أصل 100 درجة للعام الرابع على التوالي، ولم تحقق أي من دول المنطقة العربية تقدما في أوضاع الفساد، وفي المغرب، يبدو أن يوم القضاء على الفساد هو بعيد التحقيق ما دامت تقارير المجلس الأعلى للحسابات تعج بالاختلالات والتجاوزات التي صارت مجرد حبر على ورق، دوخت رؤوس المواطنين بالتقارير التي لا تطبق على أرض الواقع، ويظل المفسدون، المشتبه فيهم باختلاس المال العام، في مراكز القرار جاثمين على كراسي السلطة غير مهتمين بما يجري حولهم من فضائح مالية تهز البلاد.

إن انتشار الفساد يؤدي حتما إلى اضعاف قواعد وأجهزة الدولة، ويحول دون تحقيق الأهداف الرسمية وضعف الهياكل الإدارية، الأمر الذي يفضي إلى فشل النظام الإداري في الدولة، وبما أن الفساد يعتبر من أخطر الجرائم التي تدمر أركان الدولة، فقد وضعت بعض الدول الديمقراطية قوانين صارمة شديدة العقوبة لمواجهة هذه الظاهرة الإجرامية لدرجة عقوبة الإعدام، حيث تم الحكم بهذه العقوبة على بعض المرتشين في الصين وسنغافورة، إلى جانب ذلك، وضعت حوافز تدفع الأفراد والمسؤولين إلى الابتعاد عن الرشوة واستغلال النفوذ، من خلال رفع دخل المواطنين وتحسين مستوى المعيشة، فمثلا، تعتبر سنغافورة وهونغ كونغ وإيسلاندا والدانمارك.. الدول الرائدة في مجال محاربة الفساد، وفي المغرب، فلقد كشف المؤشر العالمي لمدركات الفساد الصادر عن منظمة “ترانسبرانسي إنترنشيونال”، أن المغرب حل في المرتبة 94 عالميا من أصل 180 دولة، استنادا إلى مؤشرات الفساد المتراكمة سنة 2022، الأمر الذي يعطيه المرتبة الثانية في منطقة شمال إفريقيا بعد تونس وقبل الجزائر ومصر وليبيا وموريتانيا، وقال تقرير المنظمة أن 31 في المائة من مستخدمي الخدمات العمومية بالمملكة دفعوا الرشوة خلال سنة 2022، في حين أن 53 في المائة يعتقدون أن الفساد ارتفع خلال هذه السنة، وأمام انتشار الفساد في الدول العربية، تتصاعد موجة الإضرابات والاحتجاجات والتظاهرات الشعبية في هذه الدول التي تتجه نحو تركيز الثروة والسلطة في أيدي أقلية من رجال المال والأعمال، مقابل تهميش المواطنين وتجويعهم وإحكام قبضتها عليهم والتحكم في مصائرهم عن طريق فرض القوة وشراء أصوات الناخبين من أجل السيطرة على البلاد سياسيا واقتصاديا، فإذا أردت أن تفسد السياسة فأنفق عليها من المال بلا حساب، فهذه السياسة لا تضمن نهاية سعيدة، وللأسف الشديد، لا يمكن القضاء على المفسدين الانتهازيين عن طريق الانتخابات الفاسدة، لأن الشعب لم ينتخبهم أصلا، وليس أخطر على الدولة من الخلط بين السياسة والمال، فالتاريخ شاهد على فشل مثل هذه الأنظمة ونهايتها المؤلمة.

إن ظاهرة الاحتجاجات الشعبية ضد سيطرة رجال المال على السلطة، ليست جديدة على المجتمعات الحديثة وإن كانت وسائل الإعلام المأجورة التي تسير في الاتجاه المعاكس لإرادة الشعب، تحاول تلميع صورة حكومة رجال المال والأعمال للاستفادة هي كذلك من الغنيمة، ورغم المنع والقمع والاضطهاد ضد الرافضين لسياسة التجويع ورفع أسعار المواد الغذائية الأساسية والمحروقات والاعتداء على القدرة الشرائية للمواطنين، فإن المحتجين يزدادون قوة وصمودا ليس في المغرب فقط، ولكن في كل الدول العربية التي يسيطر عليها الطغاة والعسكر ورجال المال والأعمال، فهذا النوع من العلاقات المشبوهة بين رجال المال والسلطة تحيط به كثير من الشبهات وعلامات الاستفهام، وكثيرا ما تنتهي هذه العلاقة المشبوهة بخسائر مادية جسيمة تصيب الشعب في جميع متطلبات عيشه، ويقال ما اجتمعت السلطة والمال إلا وكان الفساد ثالثهما، ويرى البعض أن العلاقة بين السلطة والمال جريمة كاملة الأركان.

ويظهر أن العلاقة بين رجال المال والأعمال والسلطة، علاقة متكررة ومتجددة في الدول العربية، والتي تلعب دورا أساسيا في الاقتصاد عن طريق الزواج بين السلطة والمال لاعتقادها أن المصدر الأساسي للدخل يأتي من قطاعات تسيطر عليها الدولة، ويظل رجال المال والأعمال في حاجة دائمة لعلاقة مع السلطة لحماية مصالحهم، خاصة للحصول على قروض للإنتاج ولحماية ثرواتهم الهائلة، لأن الأنظمة السياسية في الدول العربية ما زالت تعتمد على مصدر القوة والثروة معا.

وقد استطاعت الشعوب المضطهدة عن طريق النضال المستمر والاحتجاجات الشعبية في كثير من الدول، إقالة عدد من الرؤساء والمسؤولين الكبار من مناصبهم السياسية بسبب غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وتفشي ظاهرة الفساد والرشوة، فالمواطن الحقيقي الذي يريد الاستقرار والرفاهية لبلاده، هو الذي يحارب الفساد والمفسدين، بينما الانتهازي يسعى إلى تحقيق مصالحه الشخصية فإذا ما احتاجه الوطن للدفاع عنه فإنه يغادر و هرب إلى الخارج لأن ليست له غيرة على بلاده، ولهذا فإن المناضلين الحقوقيين ليسوا أعداء للوطن، وإنما أعداء الوطن هم المفسدون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى