المنبر الحر

المنبر الحر | نحو تصور سيكوبيداغوجي لدمج أطفال طيف التوحد في الفصول الدراسية

بنعيسى Benisa
بقلم: بنعيسى يوسفي

 أصبح الاهتمام بأطفال طيف التوحد في السنوات الأخيرة كبيرا من طرف الدولة، وأيضا من طرف جمعيات المجتمع المدني، التي تجتهد قدر الإمكان، ليس في مواكبة هذا الصنف من الأطفال نفسيا واجتماعيا وحسب، وإنما في تمكينهم من حقهم في التعلم، وهنا تتقاطع إرادتهم مع إرادة الدولة في إنجاح هذا الاستحقاق وهذه التجربة الرائدة، ومن المؤكد أن الجميع يثمِّن عاليا هذه المبادرة وهذه المجهودات التي تستحق التشجيع والتنويه حقيقة، لكن دعونا نتوقف عند الكثير من الأمور والمعطيات التي تكتنف هذه التجربة، والعديد من العمليات والإجراءات المصاحبة لها، والتي قد تحدّ من فعاليتها ونجاعتها..

في البداية، لا بد من التساؤل حول الظروف والدواعي التي جعلت الدولة تنتقل من تجربة تقديم بعض التعلمات لهؤلاء الأطفال في قاعات خاصة إلى دمجهم في الفصول الدراسية مع باقي الأطفال، هل تم ذلك بناء على دراسات علمية محددة، أم بالاستئناس بتجربة معينة في هذا السياق أظهرت نجاحها، سواء كانت تجربة غربية أو غيرها، وبيَّنت أن الحل الأمثل لتعليم هؤلاء الأطفال هو دمجهم في الفصول الدراسية العادية؟ ثم إلى حدود اللحظة، وقد مرَّت على عملية الدمج هذه مدة زمنية ليست باليسيرة، هل أظهرت تجربة الانتقال هذه نجاحها؟ هل تم تقييم علمي موضوعي لها، أم لا زالت الأمور لم تنكشف بعد، وبالتالي من الصعب استصدار أحكام معينة حولها؟ فهناك أسئلة كثيرة تتبادر إلى الذهن كلما تعلَّق الأمر بهذه التجربة، ولن أغالي إذا زعمت أن الأجوبة حولها بالقدر الكافي والتي تشفي الغليل، غير موجودة الآن، ولا تتوفر عليها أي جهة من الجهات المعنية التي تأخذ على عاتقها مسؤولية الدمج هذه..

تتمة المقال تحت الإعلان

لعل من الهواجس أو المخاوف العميقة التي تراود جل الأسر التي لديها طفل أو أكثر من ذوي أطياف التوحد بدون منازع، هو كيف يمكن لهؤلاء الأطفال أن يحصلوا على حقهم في التعلم والتحصيل العلمي إسوة بباقي الأطفال العاديين؟ لقد كان هذا السؤال مؤرقا، ولم تكن له أي إجابة إلى عهد قريب، وهناك أجيال من هؤلاء الأطفال لم ينالوا حظهم من التعلم، لأن المجتمع ومعه الأسرة وحتى الدولة، لم يبذلوا أي مجهود يذكر في هذا الصدد، حيث تم تصنيف هؤلاء الأطفال في خانة “المعاقين” غير القادرين أو العاجزين عن التعلم، وبالتالي، همِّشوا وتم إقصاؤهم من المدرسة ومن أي فضاء آخر للتعلم، لكن مع التطور الذي عرفه المجتمع وتنامي الوعي الأسري بهذه المسألة، والمبادرات التي انبرت إليها العديد من جمعيات المجتمع المدني بهذا الخصوص، وكذلك بعض المبادرات الفردية، بدأت الأمور تأخذ منحى آخر، وبدأ التفكير في إعطاء هذه الفئة ليس حقها في التعلم وحسب، وإنما جميع حقوقها التي تدعو إليها المنظمات العالمية المهتمة بالطفولة، من رعاية اجتماعية وتربوية وصحية، ولهذا الغرض تم بناء العديد من المراكز التي تُعنى بهذه الأمور، ورغم العديد من الصعوبات التي تعترض الكثير من الأطفال للولوج إليها في بعض الأحيان، وبالموازاة مع ذلك، تم خلق قاعات خاصة أُطلق عليها اسم “قاعات الموارد” يشرف عليها أستاذ مكلَّف يشتغل مع مجموعة من المربيين في مختلف المدارس، تهتم بهذه الفئة وتعلمها بعض المهارات الحسية والحركية وما إلى ذلك، إلى أن اهتدت الجهات المعنية إلى فكرة دمج هذه الفئة من الأطفال الذين يعانون من طيف التوحد الخفيف والمتوسط بالخصوص، في الفصول الدراسية مع الأطفال العاديين، لكن الشيء الأهم الذي لم تلتفت إليه الجهات المعنية، هو أنها لم تنتج أسلوبا بيداغوجيا يناسب القدرات العقلية والإمكانيات الذاتية لهذه الفئة حتى يكون التعلم أحسن، لتترك المجال مواربا للأساتذة، يجتهدون كل حسب مستوى فهمه لهؤلاء المتعلمين ودرجة استيعابه لحاجياتهم النفسية والمعرفية، بالاعتماد على تجربته الشخصية وما يتحوَّزه من معرفة بهذا الخصوص، لأن الكثير منهم – إذا لم نقل كلهم – لم يتلقوا أي تكوين يساعدهم على التعامل النفسي أو البيداغوجي معهم، وهذا ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول هذا الدمج الذي نتحدث عنه إذا لم يكن تتوفر فيه الشروط الملائمة لإنجاحه، فهل ستفكر الجهات المعنية بهذه الفئة من الأطفال في صياغة برنامج تعليمي يتناسب وقدراتها في اكتساب التعلمات يوازيه تكوين معين للأساتذة والمربيين يتناغم مع هذا الرهان وهذا الطموح، أم ستترك الباب مفتوحا للارتجال والاجتهاد الشخصي، الذي غالبا لا يحقق النتائج المرجوة، أو التي قد تتفاوت من أستاذ دامج إلى آخر ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

لا يمكن أن نختلف في كون أن أولى المقومات النفسية التي يمكن الانطلاق منها في أول خطوة لدمج أي طفل يعاني من طيف التوحد في الفصل الدراسي مع أقرانه، هو خلق بيئة آمنة ومحاربة لما يمكن تسميته بالاغتراب، لأن أول ما يحس به هذا الطفل فور ولوجه الفصل، هو الإحساس بالغربة وأنه دخيل عليه وكأنه يريد أن يفصح بأن مكانه ليس هنا، فما على الأستاذ الدامج إلا أن يعمل كل ما في وسعه ليجعل هذا الطفل المتعلم يحس بالاطمئنان عوض الاغتراب، وذلك بابتداع آليات للتواصل وبناء جسور التقارب والتفاهم معه، وبينه وبين باقي المتعلمين في نفس الفصل، حتى يستطيع الاندماج معهم دون أن يترك مجالا لإحساسه بعقدة النقص أو الإحساس بالفرق، وهذا يستدعي في البداية عدم عزل هذا الطفل عن محيطه المدرسي وحشره في الزاوية واعتباره متعلما من الدرجة الثانية، وعدم تحمل أسلوبه وصفاته ووضعيته، وثانيا؛ لا بد من تحسيس المتعلمين العاديين بأن أصحاب طيف التوحد لا يختلفون عنهم كثيرا في القدرة على اكتساب المعارف، فقط يجب استحضار مجموعة من الاعتبارات حينما يتم تمريرها، بل قد يبرعون في مجالات لا يستطيع الأسوياء الإبداع فيها، فالطفل التوحدي يختزن طاقة معينة يستطيع إخراجها إلى الوجود إذا وجد من يستطيع إخراجها منه في الوقت المناسب، ومن جهة أخرى، يبدو زرع الثقة في هذا المتعلم أمرا في غاية الأهمية: أولا؛ أن يثق في قدراته من منطلق أن الإعاقة لم تكن يوما عائقا أمام التعلم أو الاندماج في المجتمع. وثانيا؛ أن يثق في أستاذه، وهذا لن يتأتى إلا إذا أولى الأستاذ أهمية خاصة لهذا الطفل ويحسن التعامل معه، ويحرص دائما على الإنصات إليه وعدم تجاهله كلما همّ هذا الطفل بالكلام، وجعل قنوات الحوار معه دائما مفتوحة، وفي النهاية، وهذا أمر أيضا لا يقل أهمية في علاقة هذا الطفل بأستاذه، وهو قدرة الأستاذ على تدبير التغيرات النفسية والسلوكية التي يمر منها هذا الطفل؛ فالطفل التوحدي لا يستقر على حالة نفسية وسلوكية واحدة طوال الوقت، بل بالعكس، فحالته النفسية دائمة متقلبة، وقد تصل في بعض الأحيان إلى حالات ونوبات خطيرة، وهنا لا بد للأستاذ من التدخل بطريقة عقلانية ومحاولة تدبير الحالة ما أمكن حتى لا يقع الأسوأ.

تتمة المقال تحت الإعلان

الآن، وبعدما استعرضنا بعض المقومات النفسية التي لا مندوحة من مراعاتها أثناء التفكير في دمج طفل طيف التوحد في الفصل الدراسي، سنسلط شيئا من الأضواء على بعض المقومات البيداغوجية واكتساب التعلمات، ونحن هنا لا نتحدث عن بيداغوجية متكاملة الأركان تخص هذه الفئة من الأطفال، بل الأمر يتعلق فقط ببعض الآليات البيداغوجية التي يمكن أن يستعين بها الأستاذ الدامج في محاولة إكساب هذا المتعلم بعض التعلمات، انطلاقا من تجربته الخاصة التي قد تختلف من أستاذ دامج إلى آخر، وهذه الآليات يجب أن تسير بشكل متناغم والمقومات النفسية التي سبق ذكرها، وعدم الفصل بينهما، ولعل أولى هذه المقومات في هذا الصدد، هي أهمية وضرورة إشراك طفل طيف التوحد في بناء التعلمات حسب قدراته العقلية والذهنية، والحرص الشديد على مدى فهمها وتمثلها تمثلا صحيحا، وهنا لا بد من استغلال بعض لحظات اندفاع هذا الطفل للتعلم، لأن كل طفل له دافعية لطلب ذلك والانخراط فيه، حيث يظهر بين الفينة والأخرى رغبة جامحة في التعلم وتحذوه إرادة كبيرة في المشاركة وإثبات الذات أمام أقرانه، والأستاذ الدامج هنا لا مناص من ترصد واقتناص هذه اللحظات واستغلالها للتركيز على تعليم هذا الطفل وتتبعه، ثم أيضا لا بد من التبسيط والاختزال والتكييف، لأن الإيقاع الزمني الذي يتعلم فيه الأطفال العاديون ليس نفسه الذي يحتاجه أطفال طيف التوحد، فالانتباه إلى هذه المسألة أمر ضروري، وحينما يظهر هذا الطفل عناده وتمرده على التعلم، لا يجب الإلحاح عليه، بل يجب ترك فرصة له للاستراحة أو إشغاله بأمر آخر يحبه، لأن هذا النوع من الأطفال يجدون ضالتهم في التغيير ويشعرون بالملل بسرعة شديدة، وهكذا حتى يستعيد قوته ورغبته ثانية في التعلم، ومن زاوية أخرى، يبدو أيضا من الضروري إعطاء طفل طيف التوحد كل الحقوق التي تعطى للآخرين في الفصل، من منطلق تكافؤ الفرص ودمقرطة التعلمات، خاصة فيما يتعلق بحرية التعبير وإبداء الرأي وإعطائه فرصه كاملة للتفاعل مع زملائه وأقرانه حتى لا يشعر بالإقصاء أو التهميش الذي قد تتولد عنه تأثيرات غير محمودة العواقب، ومطالبة هؤلاء الأقران بتشجيعه وتحفيزه وعدم الاستنقاص من كل ما يعبِّر عنه من أفكار أو أجوبة أو أي شيء، وإذا لم يُبد هذا الطفل أي رغبة في الكلام أو التحدث، فلا بد من حثه على أخذ المبادرة وعدم الانزواء والتقوقع على الذات، ودفعه وتعويده على النظام والتنظيم، ومحاولة إثارة تحفيز قدراته الاستجابية، لأن هذا النوع من الأطفال ميالون إلى البعثرة وعدم ترتيب حاجياتهم وأغراضهم، ولهم ميول فطري إلى الفوضى، لكن هذه الأمور لا يمكن أن تشكل عائقا كبيرا أمام انسيابية التعلمات إذا كان الأستاذ الدامج يمتلك أسلوبا هادئا وثقافة الضبط والتحكم في الفصل الذي يدرسه، وقريب جدا من متعلميه.

ختاما، يمكن القول أن تجربة دمج أطفال طيف التوحد في الأقسام العادية مسؤولية ليست بالهينة، خاصة في غياب العديد من الإجراءات العملية المساعدة على إنجاح هذه التجربة، فكل ما يتم القيام به اليوم وكل الاجتهادات التي يبصم عليها الدكاترة النفسانيون المصاحبون لهذه الفئة، وكذا المربون في قاعة الموارد أو الأساتذة في فصولهم، إلا أن المسألة لا زالت تحتاج للكثير من العمل بشكل متكامل مع كل هذه الأطراف كمنظومة متكاملة بالإضافة إلى الأسرة، ناهيك عن إرادة الدولة والمجتمع، كل هذا من أجل إخراج هذه التجربة من دائرة الارتجال والاجتهاد، والتخبط في بعض الأحيان، إلى دائرة التنظيم العلمي والعقلاني والبيداغوجي الذي يمكن أن يعطي نتائج جيدة في المستقبل، فالاحتفاظ بالمنهجية الحالية للاشتغال، يعني أننا لن نكون في مستوى التطلعات والتوقعات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى