المنبر الحر

المنبر الحر | إعادة ترتيب التوازنات داخل الحقل السياسي بالتزامن مع الانتخابات

مراد علوي رئيس المركز المغربي للدراسات القانونية و الإجتماعية و تحليل السياسات
مراد علوي رئيس المركز المغربي للدراسات القانونية و الإجتماعية و تحليل السياسات

 يشهد المغرب مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية 2026، مرحلة سياسية تتسم بإعادة ترتيب التوازنات داخل الحقل السياسي، في سياق يتسم بتسارع التحولات الاجتماعية والاقتصادية، ولا يمكن فهم هذه المرحلة فقط من خلال منطق التنافس الانتخابي، بل ينبغي تحليلها في إطار أوسع، يربط بين تطور الأحزاب السياسية وتحولات النخب، وتغير أنماط المشاركة المجتمعية، إضافة إلى طبيعة العلاقة بين الفاعلين السياسيين والإداريين داخل الحقل العمومي.

تعد الأحزاب في الأنظمة التمثيلية إحدى الآليات الأساسية لتنظيم التنافس على السلطة وتأطير المشاركة السياسية للمواطنين. فهي تضطلع بدور الوسيط بين الدولة والمجتمع، وتسهم في بلورة البرامج السياسية وصياغة البدائل المرتبطة بالسياسات العمومية، غير أن التجربة الحزبية في المغرب تطرح عددا من الإشكالات المرتبطة بمدى قدرة التنظيمات السياسية على القيام بوظائفها التقليدية، خصوصا ما يتعلق بعملية التأطير السياسي والتنشئة السياسية وإنتاج النخب القادرة على قيادة العمل العمومي.

تتمة المقال تحت الإعلان

ففي السنوات الأخيرة، يلاحظ عدد من الباحثين في مجال العلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي، أن العمل الحزبي أصبح في كثير من الأحيان موجها أساسا نحو التدبير الانتخابي والتنافس حول المواقع التمثيلية، وهو ما أدى إلى تراجع النقاش الفكري والبرنامجي داخل العديد من التنظيمات السياسية، وقد انعكس هذا الوضع على طبيعة العلاقة بين المواطنين والأحزاب، حيث برزت مؤشرات تدل على تراجع مستويات الثقة في الوساطة الحزبية التقليدية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ويرتبط هذا النقاش بشكل وثيق بمسألة النخب السياسية، التي تشكل أحد العناصر الأساسية في عملية إنتاج القرار العمومي، فالنخب السياسية هي التي تتولى صياغة الرؤى الاستراتيجية وتحديد التوجهات العامة للسياسات العمومية، غير أن عددا من الدراسات الأكاديمية يشير إلى وجود تحديات مرتبطة بتجديد هذه النخب، سواء من حيث إدماج أجيال جديدة في مواقع المسؤولية، أو من حيث تطوير أنماط التفكير السياسي وأساليب تدبير الشأن العام.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي المقابل، يعرف المجتمع المغربي تحولات عميقة أثرت بشكل مباشر في طبيعة العلاقة بين المجتمع والسياسة؛ فقد ساهم ارتفاع مستويات التعليم، واتساع استخدام وسائل الاتصال الرقمية، وتزايد الوعي بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية، في إعادة تشكيل أنماط المشاركة السياسية، وأصبح المواطن أكثر اهتماما بقضايا الحكامة وجودة الخدمات العمومية والعدالة الاجتماعية، كما أصبح أكثر ميلا إلى التعبير عن مطالبه عبر فضاءات جديدة للنقاش العمومي، بما في ذلك الفضاءات الرقمية.

وقد أدى هذا التحول إلى اتساع دائرة الفاعلين داخل الحقل العمومي، حيث لم يعد المجال السياسي مقتصرا فقط على الفاعلين السياسيين التقليديين، بل أصبح يشمل أيضا فاعلين اجتماعيين ومدنيين واقتصاديين يساهمون بدرجات متفاوتة في التأثير على النقاش العمومي وعلى توجيه السياسات العمومية، وهذا التعدد في الفاعلين يعكس تطور المجتمع واتساع فضاءات المشاركة، لكنه يطرح في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بقدرة المؤسسات على التنسيق بين مختلف المصالح والتوقعات المجتمعية.

في هذا السياق، تبرز أهمية تحليل العلاقة بين الفاعل السياسي والفاعل الإداري داخل الحقل العمومي؛ فالفاعل السياسي يستمد شرعيته أساسا من العملية الانتخابية ومن انتمائه إلى المؤسسات التمثيلية، وتتمثل مهمته الأساسية في تحديد التوجهات الكبرى للسياسات العمومية وصياغة الاختيارات الاستراتيجية التي تعكس البرامج والتصورات السياسية، أما الفاعل الإداري، فيستمد شرعيته من الإطار القانوني والمؤسساتي للإدارة العمومية، ويضطلع بدور مركزي في تنفيذ السياسات العمومية وضمان استمرارية عمل المرافق العمومية.

وتقوم العلاقة بين هذين الفاعلين على نوع من التكامل الوظيفي، إذ يحدد الفاعل السياسي الأهداف والتوجهات العامة، بينما يتولى الفاعل الإداري ترجمة هذه التوجهات إلى برامج وإجراءات عملية، ويُعد هذا التكامل ضروريا لضمان فعالية السياسات العمومية، لأن نجاح أي برنامج سياسي يعتمد في النهاية على قدرة الإدارة على تنفيذه بكفاءة وفعالية.

غير أن هذه العلاقة قد تعرف أحيانا بعض التوترات المرتبطة باختلاف منطق العمل بين المجالين السياسي والإداري؛ فالمجال السياسي يخضع في الغالب لمنطق التنافس والتمثيلية والرهانات الانتخابية، في حين يقوم المجال الإداري على مبادئ الاستمرارية والحياد المؤسسي واحترام المساطر القانونية، لذلك، فإن تحقيق التوازن بين القيادة السياسية والتدبير الإداري يشكل أحد التحديات الأساسية في تدبير الشأن العام، في هذا الإطار، يبرز مفهوم الحكامة العمومية باعتباره أحد المفاهيم الأساسية لفهم كيفية تدبير السياسات العمومية في السياقات المعاصرة، فالحكامة تقوم على مجموعة من المبادئ، مثل الشفافية والمساءلة والفعالية والمشاركة، وهي مبادئ تهدف إلى تحسين أداء المؤسسات وتعزيز ثقة المواطنين في العمل العمومي.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، تتجدد النقاشات حول مستقبل الفعل السياسي في المغرب، وحول قدرة الفاعلين السياسيين على التفاعل مع التحولات المجتمعية المتسارعة، كما تبرز تساؤلات حول مدى قدرة المؤسسات التمثيلية على استعادة ثقة المواطنين وتعزيز دورها في الوساطة بين الدولة والمجتمع.

يمكن القول إن التحولات التي يعرفها الحقل السياسي المغربي تعكس مرحلة من التكيف مع متطلبات مجتمع يشهد تغيرات عميقة في بنيته الاجتماعية وفي أنماط مشاركته في الحياة العامة؛ فنجاح التجربة السياسية في هذه المرحلة سيظل مرتبطا بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على تطوير خطابهم وممارساتهم، وبقدرة الإدارة العمومية على مواكبة هذه التحولات من خلال تعزيز فعالية السياسات العمومية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

وبذلك تشكل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة لحظة فارقة، ليس فقط لإعادة ترتيب التوازنات السياسية، بل أيضا لإعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين السياسة والإدارة داخل الحقل العمومي، بما يسهم في بناء نموذج أكثر توازنا للحكامة العمومية يستجيب لتطلعات المجتمع ويعزز مسار التنمية السياسية والمؤسساتية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى