تقرير | مشروع قانون مهنة المحاماة الجديد ضربة قاضية ضد السماسرة
قراءة في قانون مثير للجدل


أقر مشروع القانون رقم 66.23 الجديد لتنظيم مهنة المحاماة (2026)، تغييرات جذرية، أبرزها:
– شروط ولوج المحاماة: اشترط القانون شهادة الماجستير في الحقوق لاجتياز مباراة ولوج المهنة بدلا من الإجازة المعمول بها سابقا، مع تحديد سن المرشحين في 40 سنة، نظرا لتدني مستوى التعليم العالي في المغرب، حيث أن الشهادات الجامعية بما فيها الدكتوراه، أصبحت موضوع شك وتساؤلات عن مصداقيتها العلمية.
– التكوين والتمرين: فرض المشروع تكوينا نظريا لمدة سنة في معهد التكوين، تليها فترة تمرين لمدة سنتين تحت إشراف هيئة المحامين، يختتمان بامتحان للحصول على شهادة الكفاءة لممارسة المهنة.
– العلاقة المالية (الأتعاب): وهذا أهم تعديل جاء به المشروع لقطع الطريق على السماسرة والوافدين على هذه المهنة الشريفة من أجل جمع المال عن طريق السمسرة والتحايل وسرقة ملفات الزملاء عمدا، ولهذا أقر المشروع قواعد جديدة للشفافية بغرض عقد نموذجي مكتوب وموحد بين المحامي وموكله، لضبط الأتعاب والودائع، مما يهدف إلى إنهاء غموض التدبير المالي للملفات والتلاعبات بحقوق ومصالح المواطنين في غياب التفتيش من طرف المجلس الأعلى للحسابات.
وفي هذا الصدد، فإن المحامين الشرفاء المدافعين عن حقوق وحريات المواطنين، يتعرضون في عدد من الحالات لمضايقات وسرقة ملفاتهم عمدا من طرف البلطجيين الذين لا أخلاق لهم، يقتحمون ملفات زملائهم دون إذن مسبق من المحامي الذي ينوب بالأصالة، وما يرافق ذلك من تكوين شبكة خطيرة للسمسرة عن طريق أشخاص محترفين في جلب الزبناء مقابل مبالغ مالية، رغم أن أعراف وتقاليد مهنة المحاماة تفرض على المحامي الامتناع عن الدفاع ضد زميله المحامي، وفي حالة قبول الدفاع ضده يجب إشعار النقيب بذلك من أجل إيجاد حل تفاديا لنشر غسيل المحامين أمام عموم الناس، بل إن الأمر الخطير الذي يدل على تدني مستوى مهنة المحاماة وخطورة انحدارها إلى أدنى المستويات، أن محاميا ينتصب في ملف جنحي ضد زميله معروض أمام محكمة تبعد عن مدينة وجدة بـ 60 كلم، ويضع نيابته ضد زميله المطالب بالحق المدني ويطلب تأخير القضية بوضع نيابته مع طلب التأخير 4 جلسات ولا يحضر، وبذلك يتسبب لزميله محامي الطرف المدني في أضرار، ومن أجل التعسف ضد زميله، يتقدم إلى المحكمة بشهادة طبية ولا يُشعر زميله بذلك من أجل الإضرار به. هذه المخالفات الخطيرة تبقى دون مساءلة ولا متابعة تأديبية.
– الاستقلالية والتبعية: يعترض المحامون على منح القانون الجديد صلاحيات تأديبية وإدارية لوزارة العدل على حساب مجلس الهيئة، وتقليص اختصاصات النقيب، واعتبار الهيئات تابعة للحكومة، لكن الممارسات المهنية أثبتت أن مجالس هيئات المحامين أصبحت عاجزة عن القيام بدورها التأديبي المتعلق بالمخالفات التي تمس بسمعة المهنة.
– المحامون الأجانب: فتح المشروع الباب للمحامين الأجانب لممارسة المهنة وفتح مكاتب بالمغرب، وهو ما يثير تخوفات من غياب شروط المنافسة العادلة؛ هذه التخوفات من طرف المحامين الذين يتكلمون لغة واحدة وليست لهم ثقافة واسعة للمنافسة مع المحامين الأجانب، خاصة الفرنسيين، هم الذين يعارضون هذا التعديل.
– سياق القانون: يأتي هذا المشروع، ضمن مساعي وزير العدل لتحديث المهنة.
ومن أبرز التعديلات في قانون مهنة المحاماة، مسألة الوكالة التي ستحد من ظاهرة سرقة ملفات الزملاء التي انتشرت بشكل مخيف، وكذلك إحداث المجلس الوطني لهيئات المحامين وسيكون مقره بالرباط، على غرار قانون مهنة المحاماة في فرنسا conseil national des barreaux، الذي يتولى شؤون المهنة، خاصة الجانب المالي الذي لا يخضع في بلادنا للمراقبة من طرف المجلس الأعلى للحسابات، حيث أن أموال هيئات المحامين بالمغرب غير مراقبة بشكل صارم، تصرف دون مراقبة ولا محاسبة؛ ففي الرباط قامت “محامية” بسرقة ملف إداري محكوم بـ 100000 درهم ينوب فيه زميل من هيئة وجدة بالأصالة وتم استئنافه من طرف الإدارة المحكوم عليها، وظل الزميل من هيئة وجدة ينتظر توصله بالاستدعاء، إلى أن اكتشف هذه السرقة، وعندما علم الورثة المحكوم لهم بالتعويض بهذه السرقة، تقدموا بشكاية إلى نقيب هيئة المحامين بالرباط، الذي لم يكلف نفسه حتى عناء الإجابة عنها وظل ساكتا عن هذه الفضيحة، رغم أنه توصل بالشكاية من الورثة الذين يسكنون بإقليم وجدة، معززة بإشهاد مصحح التوقيع يؤكدون فيه أنه لم يسبق لهم أن كلفوا هذه المحامية للدفاع عنهم، ولم يسبق لهم أن اتصلوا بها، بل الخطير في الأمر، أن النقيب حدد للمحامية المعتدية الأتعاب في مبلغ 68000 درهم، فقامت بحجز المبلغ المحكوم به وقدره 100000 درهم أمام المجلس البلدي بالعيون سيدي ملوك، ولم يبق للورثة، وعددهم 5 أفراد، سوى 32000 درهم، أما المحامي الذي ينوب في هذه القضية منذ 10 سنوات، وكذلك هيئة المحامين بوجدة، فلم يبق لهم لا 1 ولا 5 %، بعدما جمعت المحامية المعنية المبلغ كله بطريقتها الخاصة، فهذه بلطجة خطيرة تقوض مفهوم المحاماة، وأعتقد أن التعديل الجديد هو لمصلحة مهنة المحاماة ومصلحة المحامين الشرفاء.
في مفهومها الاجتماعي والنضالي، يمكن تعريف مهنة المحاماة بأنها أداة الحرية وتحسين العدالة، فوظيفة المحامي لا تقتصر على المشورة والمرافعة والعمل داخل المكتب، بل إن واجباته ومسؤولياته تسمو كثيرا عن مجرد هذه الجهود التي تبذل لكسب العيش، فهو ليس مطالبا فقط بالمساهمة في إصلاح القضاء وتحقيق العدالة بين الناس وتطوير القانون والدفاع عن كرامة مهنة المحاماة، بل لا بد للمحامي أن يفي بالتزاماته التاريخية في الدفاع عن الحرية والمساواة ومواجهة مخاطر الظلم والاستبداد والفساد في المجتمع، لكن مع الأسف أصبحت مهنة المحاماة ميدانا لاستعراض القوة البدنية داخل قاعات المحاكم واستعمال الحيل لكسب المال بجميع الطرق غير الشرعية عبر شبكة السمسرة، مقابل ذلك، يوجد محامون نزهاء يعيشون بعزة وكرامة لا يمدون أيديهم للفساد، ولكن هناك مجموعة من المحامين المفسدين الذين يعيشون على الوساطة، وكم من مواطن يبحث عن محامي له علاقة بالقاضي ولا تهمه ثقافة ونزاهة المحامي وكفاءته القانونية والحقوقية بقدر ما تهمه علاقته بالقاضي الذي بيده ملف القضية، فالمحامي النزيه يقضي الليل ساهرا باحثا منقبا حتى إذا ما أتم عمله وأرضى ضميره فوجئ بصدور حكم مخالف للقانون بسبب الفساد القضائي.
إنه لأمر يدعو للقلق الشديد على واقع مهنة المحاماة والقضاء، نظرا لاهتزاز ثقة المواطنين في قضاء بلادنا بشكل مخيف، بل وتكون هذه الثقة منعدمة حين يجد المواطن نفسه طرفا في النزاع أمام القضاء فيصبح المواطن المظلوم والمحامي النزيه ضحيتان معا، وهنا يتجلى مظهر إذلال وهدم مهنة المحاماة وجعلها تفقد
هيبتها ودورها الرائد في الدفاع عن الحقوق والحريات؛ فقد كان المحامون على مر العصور في طليعة الدفاع عن حقوق وحريات شعوبهم واستطاعوا عن طريق النضال تغيير أنظمة سياسية طاغية مستبدة وتحقيق مطالب شعوبهم والأمثلة كثيرة على ذلك نذكر منها نضال وكفاح الزعيم الجنوب إفريقي، المحامي نيلسون مانديلا، الذي قضي ما يقارب 26 سنة في سجون النظام العنصري (الأبارتايد) واستطاع تحرير شعب بلاده من القمع والاضطهاد، وكذلك المحامي ماهاتما غاندي، الزعيم الهندي الذي استطاع تحرير بلاده من الاستعمار الإنجليزي، والمحامي المصري المشهور سعد زغلول، الذي دخل ذات يوم إلى قصر حاكم مصر، الخديوي إسماعيل باشا، ليس من أجل منفعة شخصية أو الحصول على المال، بل طلب منه بكل شجاعة الابتعاد عن التدخل في شؤون القضاء والتشويش على مهنة المحاماة، والتاريخ مليء بأمثال هؤلاء المحامين الشجعان الأقوياء بثقافتهم ونضالهم من أجل نصرة الحق، وفي هذا الصدد قال المفكر الفرنسي فولتير عن مهنة المحاماة: “كنت أتمنى أن أكون محاميا لأن المحاماة أجمل مهنة في العالم، فالمحامي يلجأ إليه الأغنياء والفقراء على السواء، والأمراء والعظماء”، ولهذا فإن المحامي يتميز عن غيره بالصدق والقوة والدفاع عن حقوق الإنسان وعن المضطهدين والمظلومين في العالم كله دون خوف من أي جهة كانت، ولهذا السبب كان أهل اليونان القدماء يمنعون مهنة المحاماة على العبيد لأن العبيد كانوا في ذلك الزمان ضعفاء الشخصية لا يستطيعون محاجة القاضي الند للند، ولأن مصدر المحاماة هو الحماية والمحامي الضعيف لا يستطيع بطبيعة الحال حماية الإنسان الضعيف.
إن القضاء هو ملاذنا جميعا، حكاما ومحكومين، وهذا ما يدعونا إلى المطالبة بتحصين هذه المؤسسة ورفعها إلى مستوى ينأى بها عن كل الشبهات ويجعلها موضع ثقة المواطنين ويجعل القضاة بمنزلة رفيعة بعلمهم وسلوكهم ونزاهتهم، وهو ما يستوجب وضع ضوابط وآليات صارمة لمراقبة عملهم وسلوكهم من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورفع الحصانة عن القاضي الذي ثبت في حقه التلاعب بحقوق ومصالح المواطنين ومحاكمته طبقا للقانون، وذلك لأن سلطة القاضي وحصانته يجب أن تكون دافعا للتعامل مع المواطنين الذين يقفون أمامه بالأسلوب الذي يحفظ كرامتهم وإنسانيتهم بعيدا عن عقدة التعالي والفوقية وأن يفرق القاضي بين المتهم والمدعي الذي يطالب بحق له، والمدعى عليه الذي له الحق أن ينفي وجود هذا الحق أما المحامي، وهو الجناح الآخر للعدالة، فيجب أن يتحلى بأعلى درجات الالتزام بقيم وأخلاق وأدبيات مهنة المحاماة التي يسميها البعض مهنة الفرسان، وكثيرا ما نسمع عن معاناة بعض المواطنين في التعامل مع بعض المحامين الذين يشتكون من التصرفات الضارة بحقوقهم ما يؤدي إلى المماطلة وضياع الحقوق، وبالتالي إعاقة البت في الدعوى و تعطيل تنفيذ الأحكام، وهنا يأتي دور نقابة المحامين، التي وجدت من أجل تنظيم عمل هذه المهنة بكل أبعادها المتعلقة بالوطن والمواطن وممارسة المهنة ومعالجة الشكاوى التي تمس حقوق ومصالح المواطنين.
إن موضوع المحامي والرشوة التي يسميها البعض “إكراميات” أو “قهوة”، أصبح ظاهرة سلبية في بلادنا، فتحولت الرشوة والفساد المهني إلى سلوك مزمن لدى بعص المحامين رغم أن كل مهنة فيها الخائن والأمين، والرفيع والوضيع، والجاهل والعالم.. ثم إن بعض المحامين قد يسيئون إلى قواعد المهنة ولا تدان المهنة كلها بذلك، لأن طريق النجاح في المحاماة هو البحث عن العلم والمهارة في استنباط الأدلة وسردها والمقدرة الخطابية والصدق والالتزام بأخلاقيات وأدبيات المهنة والابتعاد عن تحريف الحقيقة لأن المحاماة مهنة شريفة تؤدي خدمة عامة وتعيش في ظل الحرية وتسعى إلى تحقيق العدل وتطبيق القانون، وهي رسالة إنسانية نبيلة، ولا شك في أن انتشار الرشوة يؤدي حتما إلى الإخلال بالمساواة القانونية بين المواطنين فتهضم حقوق الضعيف بسبب تقديم الرشوة، وهذا يؤدي إلى إثارة الأحقاد والضغائن بين المتقاضين ورواج الكيد والغش وكثرة السماسرة المتاجرين بحقوق المواطنين حتى أن المجتمع أصبح غابة يكون البقاء فيها للقوي، والخطير في هذه الحالة أن الرشوة لها أثر سلبي على عمل المحامين الشرفاء المهنيين الذين يرفضون هذه الممارسة الخبيثة، حيث ينقلب المحامي على مهنته بالتواطؤ ضد موكله عن طريق عرقلة الإجراءات، وهذا يعني أن المحامي تملص من مسؤوليته، فضلا عن ابتزاز موكله مثل حالة الوعد بالحصول على سراح مؤقت لمتهم معتقل مقابل مبالغ مالية إلى غير ذلك من الأساليب التي لا تليق بمهنة المحاماة، وقد يربح المحامي قضية بهذه الطريقة الدنيئة، لكن سيأتي يوم ينقلب فيه السحر على الساحر فيصبح المحامي المرتشي هو نفسه ضحية رشوة واحتيال، وهكذا لا ننتهي من هذه الدوامة التي تقتل مهنة المحاماة، ومن جهة ثانية، فمن المؤكد أن الرشوة حاضنة رئيسية للإرهاب وهي ناتجة عن ضعف المواطنة إذ يتحول محامون إلى مرتزقة غايتهم الأساسية هي الحصول على المال بطرق ووسائل مختلفة، وهذه الظاهرة تهدد كيان الدولة وتضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية والمهنية التي ستصبح ضعيفة ومخترقة وغير قادرة على تقديم خدماتها بالشكل الصحيح، فالمحاماة مهنة قضائية تهدف إلى إحقاق الحق، فهي تنير الطريق أمام القاضي لتطبيق القانون وتساهم بشكل كبير في سير العدالة، أما إذا انقلبت العدالة إلى تجارة والمحاماة إلى بيع وشراء دون ضمير وأصبح المال هو صاحب السيادة، فهذا يؤدي إلى انهيار المؤسسة القضائية وإفساد مهنة المحاماة، فالدولة عبارة عن خيمة عمودها العدالة، فإذا انكسر العمود فلا فائدة من الأوتاد، وفي هذا الصدد قال العلامة ابن خلدون: “لا تولوا أبناء السفلة قيادة الجنود ومناصب القضاء وشؤون العامة، لأنهم إذا أصبحوا من ذوي المناصب اجتهدوا في ظلم الناس”.




