المنبر الحر | أسئلة الفن المقلق في المجتمع المغربي


في ظل النقاش المتجدد حول حرية التعبير في الفضاء العمومي، عاد موضوع حرية الإبداع الفني إلى الواجهة بعد الجدل الذي رافق فيلم “المطرود من رحمة الله” للمخرج هشام العسري؛ هذا الجدل لا يتعلق بفيلم بعينه بقدر ما يعيد طرح سؤال أعمق: ما حدود الإبداع في مجتمع تتقاطع فيه حرية التعبير مع منظومة قيم اجتماعية وثقافية متجذرة ؟
لطالما كانت السينما فضاءً للتساؤل قبل أن تكون مجرد وسيلة للترفيه؛ فهي لا تكتفي بعكس الواقع كما هو، بل تحاول أحيانا خلخلته وإعادة مساءلته، ومن هنا يميل بعض المخرجين إلى تبني أساليب فنية جريئة تخرج عن النمط السائد، سعيا منهم إلى طرح قضايا قد تبدو حساسة أو غير مألوفة في النقاش العمومي، غير أن هذا النوع من الأعمال غالبا ما يثير ردود فعل متباينة؛ فبين من يرى فيه تعبيرا فنيا مشروعا يندرج ضمن حرية الإبداع، ومن يعتبره تجاوزا لحدود ما يقبله المجتمع، ينفتح باب واسع للنقاش حول العلاقة المعقدة بين الفن والقيم، وفي خضم هذا الاختلاف، يتحول الجدل أحيانا من نقاش فكري حول مضمون العمل إلى دعوات للمنع أو التضييق، وهنا تبرز إشكالية أساسية: هل مواجهة الأعمال الفنية المثيرة للجدل ينبغي أن تتم عبر النقاش والنقد، أم عبر إقصائها من الفضاء الثقافي؟ فالنقد حق مشروع، بل هو جزء من الحيوية الثقافية لأي مجتمع، غير أن تحوّله إلى أداة للمطالبة بإسكات الأصوات المختلفة، قد يفرغ مبدأ حرية التعبير من معناه.
إن المجتمعات التي تسمح بتعدد الرؤى الفنية، حتى تلك التي تُقلق أو تُربك السائد، هي المجتمعات الأكثر قدرة على تطوير ثقافتها، وذلك لأن الفن بطبيعته لا يهدف دائما إلى الطمأنة، بل قد يكون أحيانا وسيلة لطرح أسئلة صعبة ومزعجة، لكنها ضرورية لفهم الذات الجماعية.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحا أمامنا جميعا: هل نريد فنا يكتفي بتأكيد ما نؤمن به مسبقا، أم فنا يجرؤ على مساءلة المسلّمات ويدفعنا إلى التفكير خارج مناطق الراحة ؟
قد لا يكون الجواب سهلا، لكن المؤكد أن حيوية أي مشهد ثقافي، تقاس بقدرته على احتضان الاختلاف لا بإقصائه.



