تحقيقات أسبوعية

للنقاش | أي علاقة بين إصلاح العدالة والديمقراطية في دستور 2011 ؟

يرى العديد من الخبراء والمحللين أن هناك ارتباطا وثيقا بين العدالة والديمقراطية، ولا يمكن الفصل بينهما رغم مفهوم استقلالية القضاء عن السياسة، لكن الديمقراطية تحمل معاني كثيرة، منها: حرية التعبير، حرية التصويت، حرية الصحافة، حقوق الإنسان، كرامة المواطن، وحماية الممتلكات.. لكن دور العدالة كبير لأجل صيانة هذه الحقوق على أرض الواقع.

الرباط – الأسبوع

رغم أن المغرب قام بالعديد من الإصلاحات على مستوى العدالة، منها: استقلالية رئاسة النيابة العامة، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتعديل القوانين المرتبطة بالقضاء، إلا أن الإصلاحات التي حصلت لم تكن وفق تطلعات الحقوقيين والأكاديميين، الذين يرون أن القضاء ما زال يحتاج إلى استقلالية أكثر عن سلطة الدولة، بينما الإشكالية الديمقراطية لا زالت مستمرة في ظل وصاية الإدارة على الانتخابات والعملية الديمقراطية.

تتمة المقال تحت الإعلان

حسب عدد من المحللين، فإن هناك علاقة مهمة بين تكريس الديمقراطية داخل المشهد السياسي وإصلاح العدالة، بما يضمن وضع سياسة جنائية واضحة تحمي حقوق المواطنين والمكتسبات، وتعمل على استقلالية القضاء بشكل تام عن بقية السلطات الأخرى، مؤكدين على ضرورة التدقيق في توزيع الاختصاصات بين الفاعلين داخل المنظومة القضائية، في ظل غياب تحديد واضح للحدود بين وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، إلى جانب ضرورة توضيح الإطار المؤسساتي للسياسة الجنائية.

تتمة المقال تحت الإعلان
أحمد بوز
أحمد بوز

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي وأستاذ القانون الدستوري، أحمد بوز، أن علاقة الدستور بالعدالة تقوم على ثلاثة أسس أساسية: الأساس الأول؛ العلاقة  تتأتى من منطلق أن الدستور هو الذي يحدد موقع القضاء ضمن توازن السلط، بمعنى أنه هو الذي يحدد طبيعة القضاء كسلطة مستقلة، وهو الذي ينظم العلاقة بينه وبين باقي السلطات الأخرى، وأساسا السلطة التنفيذية والتشريعية؛ فالدستور أيضا هو الذي يفترض فيه أن يعالج اختلالات العدالة باعتبارها إشكاليات بنيوية مرتبطة ببنية وهندسة السلطة، وليست مسألة إجرائية أو تقنية، وبالنسبة للأساس الثاني؛ فهو أن الدستور يضمن استقلالية القضاء واستمرارية الإصلاح، بحيث أن الاستقلال القضائي يحتاج إلى حماية دستورية وليس فقط إلى تنظيم قانوني، ويمكن أن يحصن القضاة من التدخلات والضغوطات القائمة والمفترضة، ويضمن استقرار الإصلاح وعدم خضوعه للتقلبات السياسية ولنزوات الفاعلين وإيديولوجيات ومرجعيات وهواجس الفاعلين؛ أما الأساس الثالث؛ أن القضاء هو الآلية الفعلية لتفعيل الحقوق الدستورية، وحتى الدستور يجعل القاضي هو حامي الحقوق، ويكرس مقومات المحاكمة العادلة والأمن القضائي والمساواة أمام القانون، وأيضا يعزز الثقة في العدالة باعتبارها أساس الشرعية المؤسساتية، ولذلك من خلال ثلاثة عناصر، تكون العلاقة قائمة جدا بين المدخل الدستوري وإصلاح العدالة.

وبخصوص حدود استقلال السلطة القضائية وتوازن السلط، كشف الخبير الإعلامي أحمد بوز، أن دستور 2011 لم يحسم بشكل كامل في إمكانية فصل السلط، ويمكن القول أنه ترك الموضوع ملتبسا، ويقدمه على أنه أساس يقوم عليه النظام الدستوري والسياسي بالمغرب، فعندما نقرأ الفصل 2 على ضوء المعمار الدستوري، نجد بأن هناك تمويها والتباسا حقيقيا فيما يتعلق بفصل السلط، بدليل أن الدستور يتكلم عن أن الحكومة تمارس السلطة التنفيذية، والحال أن من يمارس السلطة التنفيذية هو من يرأس المجلس الوزاري وليس رئيس الحكومة، لذلك هناك نوع من التمويه بالشكل الذي يجعل فصل السلط موضوعا معلقا، ويجعل الحياة السياسية والدستورية تدور حول مقولة مشهورة كثيرا ما يتم تداولها في الأوساط الأكاديمية  وسبق أن عبّر عنها الملك الحسن الثاني، مفادها أن “فصل السلط لا يمكن تصوره على مستوى الملك”، وهي مقولة ما تزال مؤطرة للبناء الدستوري حتى يومنا هذا، سواء في الدساتير السابقة أو في الدستور الحالي، مشيرا إلى استمرار بعض أشكال التداخل والتأثير غير المباشر بين السلط، إلى جانب تعدد الفاعلين المتدخلين في تدبير قطاع العدالة، وهو ما يضيف تعقيدا إضافيا إلى هندسته المؤسساتية، مؤكدا أنه لا يمكن تصور عدالة مستقلة في غياب مناخ سياسي ديمقراطي، حيث هناك زواج كاثولويكي صريح وواضح بين استقلال العدالة وإصلاحها وبين مناخ سياسي ديمقراطي، إذ لا يمكن أن تكون هناك سلطة قضائية مستقلة في مناخ سياسي غير ديمقراطي، لأن استقلالية القضاء وإصلاح العدالة يرتبط بحرية الصحافة واستقلالية الأحزاب السياسية وفعالية البرلمان، لأن هذه العناصر داعمة بشكل أساسي لاستقلاله ولإصلاح العدالة، ثم إن الإشكال يتعلق بالتحدي الثقافي، لأن إصلاح العدالة ليس قضية قوانين ومؤسسات، بل يتطلب أيضا ثقافة قضائية جديدة، تقوم على الجرأة في الاجتهاد وحماية الحقوق وتكريس مبدأ المساواة أمام القانون، مبرزا أن جعل الدستور أداة فعلية لخدمة إصلاح العدالة في المستقبل يقتضي أولا تعزيز وضوح وفعالية الهندسة الدستورية المتعلقة بالسلطة القضائية، عبر تقوية مبدأ فصل السلط وتقليص مجالات التداخل لقضاء مستقل عن السلطة التنفيذية، أي عند الحكومة فقط، وهناك إشكال كبير بين الفرق بين السطلة التنفيذية بالمعنى الفعلي، والحكومة.

كما تحدث نفس المحلل السياسي عن أهمية حماية الحقوق في الدستور بين الملك والقضاء في الفصلين 42 و117، بحيث هناك الحاجة إلى التدقيق في توزيع الاختصاصات بين الفاعلين داخل المنظومة القضائية، في ظل غياب تحديد واضح للحدود بين وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، إلى جانب ضرورة توضيح الإطار المؤسساتي للسياسة الجنائية، وتحديد الجهة التي تضعها، وكيف يمكن إخضاعها للمساءلة الديمقراطية إذا كانت النيابة العامة هي من سيتولى تنفيذها، وعلاقتها بالمنتخبين، لأن هذا الإشكال جوهري والأمر يتعلق بسياسة عمومية موضوع التفكير حول علاقة الدستور وإصلاح العدالة، معتبرا أن الاستقلال المؤسساتي يجب أن يقابله نظام مساءلة واضح وشفاف وتعزيز الاستقلال المالي للسلطة القضائية، وتمكين المجلس الأعلى من أدوات تقييم موضوعية للأداء، ثم إرساء توازن بين استقلال القاضي وحق المجتمع في مراقبة جودة العدالة، والنجاعة والأمن القضائي، وتقوية الدور الحقوقي للقضاء والدفع بعدم دستورية القوانين.

محمد الساسي
محمد الساسي

من جانبه، تحدث محمد الساسي، أحد رموز اليسار النبيل(..)، عن استقلالية السلطة القضائية من خلال تسليط الضوء على عمل القاضي والرقابة الذاتية وحدود حريته في إصدار الأحكام، ومدى رغبته في استقلاله بدون تبعات عن المحيط والمنظومة القضائية والسياسية، التي تجعله بمنأى عن أي مكروه متى غامر بوضع استقلالية القضاء موضع اختبار، بمعنى أنه يجب أن يقبل بفكرة الاستقلالية ولا يمكن أن يمارسها إلا إذا شعر بقدر كاف من الأمان، والاستقلالية غير مطروحة لأغلبية القضايا، لكن هناك أحيانا قضايا حساسة يشعر فيها بأنها تحتاج إلى تعامل حذر وليس ضروريا أن تكون التعليمات مكتوبة، لأنها تظهر في ملامح الحالة العامة السياسية القائمة، بحيث يتعين على القاضي الانتباه إلى ارتباطها بنوع من الحالة القائمة بين القاضي والقضاة، وبين أول المجتمع وباقي الأطياف، ومؤسسة الحكم والمؤسسة الأمنية، وأن المجتمع قد يمارس ضغطا في الأحكام القضائية، مضيفا أن مبدأ استقلالية القاضي في حاجة إلى ضمانات لإمكان تفعيله، والدستور المغربي الحديث في الفصل 107 يعتبر أن الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية، لكنه لا يعرض لنا كيف يضمن الملك فعليا هذه الاستقلالية، وفي فيدرالية اليسار الديمقراطي، نعتبر أن إصلاح العدالة الذي نريد، يجب أن يذهب أبعد مما ذهب إليه دستور 2011.

وأوضح الساسي، أنه خلال محاولات إصلاح منظومة العدالة في عهد الوزير السابق مصطفى الرميد سنتي 2012 و2013، طرحت قضية الاستقلالية على أنها مجرد إبعاد للقضاء من تأثير الأحكام السياسية، وذلك عن طريق إبعاد وزير العدل عن الإشراف على النيابة العامة وفق ميثاق العدالة، لكن السؤال المطروح: ماذا عن علاقة القضاء بالملكية؟ وفي مرحلة سابقة، شرح باحنيني علاقة القضاء بالملك وقال: “إن القاضي ينوب عن الملك ويمارس وظيفته بالتفويض وليس بالأصالة، لأن القاضي الحقيقي هو الملك، أما القاضي فهو قاض مفوض له أن يشخص إرادة الملك من خلال أحكامه”، ولهذا لا يحق للقاضي أن يبت في مقرر إداري صادر عن الملك، مضيفا أن فصل السلطات في مستوى أدنى هو فصل تقني وليس فصلا للسلطات بالمعنى السياسي، والنتيجة المستخلصة أنه لا عيب في الجمع بين الحكم والتحكيم، غير أن الأمور تغيرت الآن بعض الشيء؛ فبعد صدور النص المتعلق بالمحاكم الإدارية، وبعد صدور الدستور الجديد، أصبحت القرارات المتخذة في المجال الإداري، سواء كانت تنظيمية أو فردية، قابلة للطعن أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة.

وأبرز نفس المتحدث، أن إصلاح العدالة يجب أن يذهب أبعد مما وصل إليه دستور 2011، وأن يكون للقضاة حق تأسيس النقابات، لأن هذه الصيغة تمنحهم إمكانية خلق حركة تضامن تحمي استقلالهم بشكل جماعي، وأن الصعوبات التي واجهها القضاة عندما قرروا تأسيس جمعية نادي القضاة، واضطرارهم إلى عقد أول اجتماع لانتخاب هيئتها في الشارع العام، تبين أن الطريق نحو هجر التقاليد العتيقة في نظرة السلطة للقضاة، لا تزال طويلة، كما أن الصورة التي يقدمها النظام الأساسي للقضاة لشخص القاضي، تظل بدورها مشدودة إلى تلك التقاليد، مضيفا أن الأصل هو أن يراقب القضاء المؤسسة الأمنية، غير أنه في البلدان التي تتمتع فيها هذه المؤسسة بنفوذ وسطوة كبيرين، تصبح هي من يراقب القضاة، بحيث يضطر القاضي لأن يضرب لها ألف حساب، فيساير منطقها ويزكي نشاطها ويصوب أفعالها ويتغاضى عن أخطائها.

يمكن القول أن العلاقة بين العدالة والديمقراطية علاقة وطيدة، لها تكامل وتناسق، خاصة وأن المناخ السياسي أو الفاعل السياسي الذي يصعد عبر صناديق الاقتراع، يكون وراء وضع سياسة جنائية جديدة تمس بشكل مباشر العدالة واستقلالية القضاء، الذي يبقى الضامن الأساسي لصيانة حقوق المواطنين من جهة، والدولة من جهة أخرى، لذلك فالقوانين الجديدة التي جاءت بها الحكومة، خلقت الكثير من الجدل وطرحت عدة تساؤلات بعد تقييد دور النيابة العامة وحقوق المواطنين في التقاضي وسلطة القضاء، مما يطرح التساؤل: هل العدالة في حاجة إلى إصلاح جديد ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى