

في زمن تتداخل فيه المفاهيم وتختلط فيه الحدود بين الدعوة والسياسة، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح: أي إسلام نريد؟ أهو الإسلام الإلهي الذي جاء به الوحي هداية ورحمة للعالمين، أم الإسلام السياسي الذي يجعل من الدين أداة في معارك السلطة والصراع على النفوذ ؟
إن الإسلام في جوهره رسالة ربانية سامية، جاء بها الوحي ليهدي الإنسان ويزكي النفس ويقيم العدل بين الناس؛ إنه إسلام القرآن والسنة، إسلام الرحمة التي وسعت كل شيء، إسلام السلام الذي يخاطب الضمير الإنساني قبل أن يخاطب مؤسسات الحكم. لقد جاء الإسلام ليحرر الإنسان من عبودية الأهواء والمصالح الضيقة، وليجعل من الإيمان قوة أخلاقية تبني الإنسان وتسمو به نحو معاني العدل والرحمة والإحسان.
هذا هو الإسلام الإلهي؛ إسلام الهداية لا إسلام الهيمنة، إسلام القيم لا إسلام الشعارات، إسلام الإنسان قبل السلطة، وقد عرف المغاربة هذا الإسلام عبر قرون طويلة، إسلاما متجذرا في التاريخ، متوازنا في الفكر، عميقا في الروح.. تشكلت ملامحه عبر منظومة دينية راسخة تقوم على الفقه المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني الجنيدي، وهي منظومة صنعت نموذجا فريدا للتدين المعتدل الذي يجمع بين أصالة المرجعية وانفتاح الروح.
ولم يكن الحفاظ على هذا التوازن وليد الصدفة، بل كان نتيجة حكمة تاريخية تجسدت في مؤسسة جامعة ضمنت وحدة الملة والدين، وهي مؤسسة إمارة المؤمنين التي يجسدها أمير المؤمنين الملك محمد السادس باعتبارها المرجعية العليا التي تحمي الدين من التوظيف السياسي، وتحفظ الأمن الروحي للمغاربة.
غير أن التحولات التي شهدها العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة، أفرزت ظاهرة جديدة عُرفت بالإسلام السياسي، حيث ظهرت جماعات وتنظيمات رفعت شعار الدين، لكنها جعلت منه إطارا إيديولوجيا للعمل السياسي؛ فبدل أن يبقى الدين رسالة هداية، أصبح عند بعض هذه التنظيمات مشروعا للوصول إلى السلطة أو التأثير في موازينها.
وفي السياق المغربي، برزت تنظيمات وحركات تُصنَّف ضمن هذا التيار، من بينها الذراع الدعوي لحزب حزب العدالة والتنمية، أي حركة “التوحيد والإصلاح”، إضافة إلى جماعة “العدل والإحسان”، ورغم اختلاف رؤاها التنظيمية والسياسية، فإنها تلتقي في نقطة مركزية تتمثل في توظيف الخطاب الديني داخل المجال السياسي أو في مشروع التغيير السياسي.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الإسلام الإلهي والإسلام السياسي؛ فالإسلام الإلهي يجعل من الدين مصدر تزكية وإصلاح روحي وأخلاقي، بينما يميل الإسلام السياسي إلى تحويل الدين إلى خطاب تعبئة وتنظيم وتأطير سياسي؛ الأول ينطلق من بناء الإنسان، أما الثاني فينطلق غالبا من مشروع السلطة.
ولعل أخطر ما في تسييس الدين، هو أنه يحول الإيمان من قيمة جامعة إلى أداة للاستقطاب، ومن رسالة سماوية مفتوحة على الإنسانية إلى خطاب حزبي ضيق، وعندما يحدث ذلك، يفقد الدين شيئا من صفائه الروحي، ويصبح عرضة للصراع والتأويلات المتناقضة.
ومن هنا يمكن فهم الحملات التي تستهدف أحيانا المؤسسات المشرفة على تدبير الشأن الديني في المغرب، أو الشخصيات التي اضطلعت بدور محوري في ترسيخ النموذج الديني المغربي، وفي مقدمتهم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، الذي ارتبط اسمه بإصلاحات عميقة همّت تنظيم الحقل الديني وتحصين المساجد من التوظيف الإيديولوجي، وترسيخ خطاب الوسطية والاعتدال.
إن استهداف هذا النموذج الديني في جوهره ليس مجرد خلاف إداري أو سياسي، بل هو تعبير عن صراع فكري بين تصورين للدين: تصور يرى في الدين رسالة روحية جامعة فوق التجاذبات الحزبية، وتصور آخر يسعى إلى إدخاله في معترك الصراع السياسي.
لقد أدركت التجربة المغربية، عبر قرون من التاريخ، أن الدين إذا تحول إلى أداة للصراع السياسي، فقد جزءً كبيرا من رسالته، وأن الحفاظ على صفاء التدين يقتضي صيانة الدين من كل توظيف إيديولوجي أو حزبي، ولهذا فإن الدفاع عن النموذج الديني المغربي ليس دفاعا عن أشخاص أو مواقع، بل هو دفاع عن فلسفة كاملة في تدبير العلاقة بين الدين والسياسة؛ فلسفة تقوم على أن الدين يجب أن يبقى مصدر قيم وهداية لا وسيلة للمزايدة أو الصراع.
إن العالم اليوم يعيش أزمات كبرى سببها في كثير من الأحيان توظيف الدين في الصراعات السياسية والإيديولوجية، وفي خضم هذه التحولات، يظل المغرب متمسكا بخياره التاريخي: دين يجمع ولا يفرق، يهدي ولا يُستعمل، يسمو بالإنسان قبل أن يُستعمل في صراعات السلطة.
وبين الإسلام الإلهي والإسلام السياسي، يبقى الرهان الحقيقي هو الحفاظ على نقاء الرسالة الأولى؛ الرسالة التي جاءت لتبني الإنسان وتزرع في قلبه الرحمة والعدل والسلام؛ فحين يبقى الدين نورا للهداية، يصبح قوة لبناء الحضارة، أما حين يتحول إلى أداة في معارك السلطة، فإنه يفقد شيئا من روحه التي جاءت لتضيء العالم.



