الرباط – الأسبوع
بعد سنوات من الغياب، وبعد ردم الصراع بين المستقبل والمشروعية داخل حزب الأصالة والمعاصرة، خرج حكيم بنشماس، الأمين العام السابق للحزب، والذي يرتبط مجده بمجد أيام إلياس العماري(..)، خرج من عزلته السياسية ليطلق نداء بعنوان: “مغرب السرعة الواحدة” للدعوة إلى إنقاذ التعددية الحزبية، في بيان نشره موقع إلكتروني وطني، تحدث فيه عن مجموعة من الأمور المجتمعية والسياسية، داعيا إلى إعادة النظر في الأولويات الوطنية، وموجها مدفعيته صوب الأحزاب.
وقال بنشماس، الذي خرج من مؤتمر الجديدة ولم يعد(..): ((المغرب الذي يشد أنظار العالم إلى مساحات الاستثناء – في الصناعات الناشئة والطاقات المتجددة والتدبير الاستباقي للأزمات والكوارث الطبيعية والنجاح الباهر في تنظيم “الكان”، والإنجاز السريع للمشاريع الكبرى المرتبطة باستضافة المونديال – برهن على أنه يمتلك “جينات سرعة” مذهلة، لكن هذا “المغرب الأول” يصطدم يوميا بـ”مغرب ثان” يرزح تحت وطأة سحق ممنهج للآمال وامتهان يومي للكرامة. إن معاناة ساكنة هذا “المغرب الثاني” لا تختزلها عطالة الإدارة أو تدني مؤشرات التنمية البشرية، بل يجسدها جحيم الانتظار أمام أبواب موصدة، وعنف التهميش الذي يحول الحقوق الدستورية إلى عطايا مهينة مشروطة بالولاء أو الزبونية؛ فما يعيشه المواطن في مداشر العمق وأحزمة البؤس، هو قهر مركب: قهر الحاجة، وقهر تكرسه نخب وسيطة استقالت من أدوارها الأخلاقية لتمارس الاستعلاء على أوجاع المواطنين، وتحول حرمانهم إلى رأسمال انتخابي رخيص تقتات عليه بذهنية “الغنيمة” بالمفهوم الخلدوني)).
وأضاف بنشماس أن ((“مغرب السرعتين”، الذي حذر منه الملك محمد السادس في خطبه، ليس قدرا محتوما، بل هو نتاج لـ”انفصام في الإيقاع الوطني”.. انفصام عمّر طويلا لأسباب مفهومة، ولكن استمراره اليوم في عالم أصبح قرية كوكبية، أمر لم يعد مقبولا”، موضحا أنه “لم يعد ممكنا ولا مقبولا استمرار التعايش مع هذه المفارقة: أن تتحرك الإرادة السيادية في أفق الريادة؛ أفق 2030 وما بعده، بينما تغرق الوسائط، السياسية منها على وجه الخصوص، في “ضجيج اللحظة”، وفي الحسابات الصغيرة المرتبطة بهرولة الانتخابات. إن هذا التباين يمثل ثقبا أسود يمتص طاقة المنعطف، ويجعل من صور “السرعات الكبرى” غريبة عن واقع مواطن لا يجد كرامة في المستشفى أو إنصافا في المصلحة الإدارية”))، معتبرا أن الأحزاب أصبحت “وكالات انتخابية” تفتقر لأي مشروع مجتمعي، ومن المحال أن يكون بمقدورها أن تنتج أرقى مما تضعه الدولة من خطط وبرامج، والحقيقة التي يجب أن نصدح بها، بدون مواربة، أن معظمها يمارس “وساطة احتوائية” تجفف منابع الإبداع خوفا على مواقعها الهشة.. فالهرولة نحو صناديق الاقتراع بذهنية “الغنيمة” أفرغت السياسة من معناها النبيل ومن محتواها الأخلاقي، وولدت لدى المجتمع شعورا بـ”القرف” من بؤس الممارسة والخطاب السياسي المنتج على حد سواء، ويتعاظم هذا الشعور مع ما عشناه في السنوات القليلة الماضية، ومع ما زلنا نعيشه من تداعيات مدمرة لزواج المال بالسلطة، الذي حوّل بعض الأحزاب من “مختبر للأفكار” إلى ما يشبه كارتيلات لاقتناص الفرص. وهنا، يجب التأكيد على أن العيب في هذا الزواج لا يرتبط بقواعد المشروعية الدستورية في حد ذاتها، بل بتحويل هذه المشروعية إلى أداة للاغتناء غير المشروع وتضارب المصالح الفج، مما أفرغ السياسة من محتواها الأخلاقي وجعل إصلاحها أمرا ميؤوسا منه لدى فئات واسعة من الشعب.
وحسب حكيم بنشماس، فإن خطورة هذا الانسداد لا تتوقف عند حدود العجز الحزبي، بل تتعداه إلى ما نلمسه اليوم من تنامي الحركات الاحتجاجية العفوية كما حصل مع “جيل زد”، وما تؤشر عليه هذه الديناميات من شرخ مقلق بين المؤسسات التمثيلية وبين التعبيرات الاجتماعية الجديدة؛ فهذا الجيل، الذي يبدو أنه كفر بالوسائط التقليدية، بات يبحث عن كرامته خارج الأطر الرسمية، مما يضع استقرار “الزمن الوطني” أمام تحدي الانفلات من قنوات التأطير، ويجعل من استمرار الهشاشة المؤسسية للمشهد الحزبي والنقابي مغامرة غير مأمونة العواقب بمستقبل السلم الاجتماعي..
فأمام هذا المشهد، يقول بنشماس، تبرز ضرورة حماية “الزمن السيادي” للدولة من ضياع وهدر الفرص، وذلك لأن الشعب، الذي لم يعد يثق في الوعود الحزبية وبرامجها الانتخابية، بات يرى في إيقاع الدولة السيادي ملاذه الوحيد، وهو ما يضع العقل المدبر للدولة أمام مسؤولية استثمار الهوامش الدستورية لمعالجة هذا الترهل، ومن هنا، يصبح التدخل السيادي لتصحيح أعطاب المشهد السياسي والحزبي وأمراضه المزمنة، ضرورة تاريخية؛ فإذا أصبحت الأحزاب عبئا يعجز عن إنتاج أي قيمة مضافة، وهو واقع حالها اليوم، فإن سؤال الجدوى من وجودها بصيغتها الحالية يصبح مشروعا، وأضاف: يجب أيضا أن نضيف بأن التدخل السيادي المطلوب يجد مسوغه، من جهة، في أن الشعب يتمنى ألا نهدر سنوات أخرى جريا وراء سراب قدرة الأحزاب على الإصلاح الذاتي لأعطابها وأمراضها المزمنة، ومن جهة ثانية، في أن المنعطف التاريخي الوشيك، بما يحمله ويتيحه من فرص واعدة للارتقاء، لا يمكن أن يرتهن للإيقاع الرتيب، ولا يمكن أن يعبث به من يختزل هواجسه، في الأول والأخير، في اقتسام الغنيمة. فعندما تعجز “الشرعية الإجرائية” المنبثقة من صناديق الاقتراع عن إنتاج “شرعية الإنجاز” التي ينتظرها الشعب، ويصبح “قانون الأوليغارشية الحديدي” سياجا يحمي النخب الحارسة للريع من أي إصلاح ذاتي، عندها يتوجب أن يتدخل “العقل السيادي” كفعل إنقاذي للسياسة ذاتها وللشرعية أيضا لا تقويضا لهما، ومن هنا تبرز الحاجة إلى ضرورة تفعيل دور “الجرّاح السيادي” لمعالجة أعطاب المشهد السياسي والحزبي ولاستئصال أورام الفساد الممنهج، ليس بهدف إلغاء التعددية، مرة أخرى، بل بهدف إلغاء “العبث بالتعددية” وتطهيرها من الشوائب التي تكبل حركة الجسد السياسي، فالدولة، بهذا المعنى، لا تصادر الحق في الاختلاف، أو تتطاول على الاختيار الديمقراطي المكرس دستوريا كاختيار لا رجعة فيه، بل تسترد الحق في النجاعة، لضمان تحرك المجتمع بكل مكوناته بسرعة المونديال نحو أفق الارتقاء.
إن الدولة مطالبة اليوم بفرض “منطق النجاعة” كقانون أسمى يعلو ولا يعلى عليه، ومطالبة أيضا بجعل “المعقول” عنوانا تسري روحه في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها، لإلغاء المسافة بين “الاستثناء السيادي” والحياة اليومية للمواطن، يؤكد بنشماس، مشيرا إلى أن الملك في خطاب عيد العرش لسنة 2018، أكد أن “المعقول” ليس مجرد شعار، بل هو مذهب في العمل ومنظومة قيمية متكاملة ترهن المسؤولية بالصدق والجدية ونبذ التماطل والتسويف، إذ لا يستقيم الحديث عن منعطف تاريخي بينما تفتقر الوسائط السياسية إلى “الالتزام الصادق” الذي يلمس المواطن أثره في معيشه اليومي. إنها الفلسفة التي تحول “صدق الإنجاز” إلى المعيار الوحيد للشرعية، والجسر الذي تعبر فوقه الثقة بين الدولة والمجتمع لضمان تحرك الجميع، وبلا استثناء، بسرعة المونديال نحو أفق الارتقاء المنشود.



