رمضانيات | رمضان فرصة لتقوية علاقة العبد بخالقه

إعداد: خالد الغازي
يبقى لشهر رمضان مذاق خاص يميزه عن بقية الشهور، اعتبارا للخصائص والمميزات التي تجعله رائدا في الروحانية واتصال الروح بالسماء، وكأنه حبل ممدود يَعسُر قطعه ما دام متصلا بالسماء، ولهذا نجد النفوس في رمضان أقرب إلى اللين والهدوء والسكينة، ونجد الطمأنينة كلما اقتربنا من النصف الأخير منه، وله أسباب كثيرة لعل أبرزها نزول القرآن الكريم فيه، حيث هو جوهر السعادة والطمأنينة المنشودة، وكذلك ارتباط هذا الشهر بالصيام، وهو ما يُميزه عن غيره كونه لا رمضان إلا بصيام بخلاف غيره من الشهور، ولذلك فإن القرآن والصيام متلازمان لا ينفكان في هذا الشهر الكريم.
الصيام المأمور به شرعا، وهو قسمان:
أ) الصيام الواجب، وهو على نوعين: واجب بأصل الشرع، أي بغير سبب من المكلف، كصوم شهر رمضان؛ وواجب بسبب من المكلف، كصوم النذر، والكفارات، والقضاء.
ب) وأما الصيام المستحب وهو صوم التطوع، فينقسم قسمين: 1) صيام التطوع المطلق، وهو ما جاء في النصوص بأنه غير مقيَّد بزمن معين، كصيام أي يوم من أيام العام غير أيام الحرمة والكراهة. 2) صيام التطوع المقيد، وهو ما جاء في النصوص مقيدا بزمن معين، كصوم يومي تاسوعاء وعاشوراء، ويوم عرفة، والإثنين والخميس، والست من شوال..
والحكمة من تشريع الصيام يمكن أن نجملها في: أولا: تحقيق التقوى، وهذه معلومة مشهورة منصوصة ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))، وهي أُس الحكم وأساسها ومصدرها وأقواها، وعليها العمل والمعول. ثانيا: سماوية صرفة، أي إنها تقوم على تقوية الصلة بعلاقة العبد بخالقه صلة الأرض بالسماء، ففي رمضان، الصيام، والتراويح، وقراءة القرآن…
رمضان هو شَهْرُ التَّوْبَةِ قَد ءابَ، شَهْرُ الزُّهْدِ وكَسْرِ النَّفْسِ، شَهْرُ صَفاءِ الرُّوحِ، شَهْرُ قِراءَةِ القُرْءانِ وقِيامِ اللَّيْلِ والإِكْثارِ مِنَ الخَيْرِ، فَبادِرْ يا عَبْدَ اللهِ لِشَغْلِ أَيّامِكَ وأَنْفاسِكَ بِطاعَةِ اللهِ، لأَنَّ مَنْ لَمْ يَشْغَلِ الفَراغَ بِما يَعْنِيهِ، شَغَلَهُ الفَراغُ بِما لا يَعْنِيه.
فضل الصلاة على النبي محمد
الصلاة على النبي تكفِّر الذّنوب وتورث عزّا وتكريمًا، ومعناها: اللهم زده شرفًا وتعظيمًا ورفعة وقدرًا، وأما التسليم فمعناه: سلّمه مما يخاف على أمّته؛ فأكثروا من الصلاة على النبي وافعلوا ما ندبكم مولاكم إليه تلقون جنة ونعيما.. فقد قال صلّى الله عليه وسلّم: “أكثروا عليّ من الصلاة في يوم الجمعة فإن صلاة أمتي تعرض علي في يوم الجمعة، فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة”.
وقال عليه الصلاة والسلام: “صلوا علي فإن صلاتكم عليّ زكاة لكم واسألوا الله تعالى لي الوسيلة. قالوا يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال: أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأنا أرجو أن أكون ذلك الرجل”. وقال صلّى الله عليه وسلّم: “من صلّى عليّ عشر مرات صلّى الله عليه بها مائة مرة”.
فقد قيل في بعض الروايات: “إنّ للمصلّين على سيّد المرسلين عشر كرامات: إحداهنّ: صلاة الملك الغفّار، والثانية: شفاعة النبيّ المختار، والثالثة: الاقتداء بالملائكة الأبرار، والرابعة: مخالفة المنافقين والكفّار، والخامسة: محو الخطايا والأوزار، السادسة: قضاء الحوائج والأوطار، السابعة: تنوير الظواهر والأسرار، الثامنة: النجاة من النار، التاسعة: دخول دار القرار، العاشرة: سلام العزيز الجبّار”.
قصة الغني الشاكر عبد الرحمن بن عوف أغنى رجال الصحابة
نشأ عبد الرحمن بن عوف نشأة صافية، وعُرِف بين قومه بسداد رأيه، ورجاحة عقله، وكان لا يأبه بأعمال الجاهلية وعاداتها، وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشورى فيهم، وأخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو عنهم راض.
أسلم عبد الرحمن بن عوف قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وكان إسلامه على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه رجلا محبّبا في قومه، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر. كان رضي الله عنه من طليعة المهاجرين الذين هاجروا إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وترك خلفه كل ما معه، ووصل إلى المدينة فقيرا لا يملك شيئا، وتنازل عن ماله وداره، ليفِرَّ بدينه وقلبه، لأن حياة القلوب أولى، والعيش تحت ظلال العقيدة أروع، والسكن في رحاب الإيمان أرغد.
كان رضي الله عنه من المسارعين إلى الخيرات السابقين للمكرمات، لم يترك بابا من أبواب الخير إلا وأسهم فيه؛ فقد تصدق ليوم العسرة بأربعة آلاف دينار، وكانت نصف ماله، وكان كلما زاد ماله، رضي الله عنه، زاد إنفاقه. قال معمر عن الزُّهْري: تصَدَّق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشطر ماله، ثم تصدّق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله وخمسمائة راحلة، وكان أكثر ماله من التجارة، وقيل: إنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا.
وصلت قافلة لعبد الرحمن بن عوف إلى المدينة وأهلها في عناء شديد، وكرب ومجاعة، وإذا بقافلته رافدة وافدة، تصل المدينة، سبعمائة جمل محملة بالزبيب والحبوب، والطعام والثياب، فاجتمع إليه التجار، وأرادوا شراءها، فقال: كم تعطوني في الدرهم الواحد؟ قالوا: نعطيك في الدرهم درهما، قال: وجدت من زادني، قال: لا والذي نفسي بيده، قد زادني رب العالمين إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وقرر التبرع بها لفقراء المدينة والمساكين،، فقُسمت في غداة واحدة، وانصرف الناس وهم يدعون له بقولهم: “سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة”. قال الذهبي رحمه الله: “هذا هو الغني الشاكر، وأويس فقير صابر، وأبو ذر أو أبو عبيدة زاهد عفيف”.
كان عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، مع كثرة ماله، يخشى على نفسه من أن يكون انفتاح الدنيا عليه استدراجا من الله له، وهذا من تواضعه وتقواه؛ لقد سهَّل الإنفاق في سبيل الله على عبد الرحمن بن عوف ليقينه بأن ما عند الله خير وأبقى، فصدق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: “نِعْمَ المالُ الصَّالحُ للرَّجلِ الصَّالحِ” (صحَّحه الألباني).
هكذا كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه مثالا للغني الشاكر، كريمًا في عطائه، رحيما في بذله، شاكرا لربه، وفيًّا لفضل صحابة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فرضي الله عنه وأرضاه.
التراويح في الجماعة أفضل من صلاتها منفردا
التراويح المقصود بها قيام شهر رمضان، ولها فضل عظيم، حيث إنها سبب لغفران ما تقدَّم من الذنوب، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمُرهم فيه بعزيمة، فيقول: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدَّم من ذنبه”.
وصلاة التراويح سنة مؤكدة لحديث أبي هريرة السابق، وكذا حديث عائشة رضي الله عنها قالت: “إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تُفرض عليكم”، فامتناعه صلى الله عليه وسلم عن الخروج للمسجد تباعا، وكذا قوله: إلا أني خشيتُ أن تُفرض عليكم، دلَّت على أنها سنة؛ هذا من حيث أداؤها، وقد نقل الإجماع على ذلك أئمة كثيرون منهم الإمامان النووي والصنعاني.
وحديث عبد الرحمن بن عبد القارئ، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم إلى أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله، وقد نقل الإجماع جمع من أهل العلم منهم ابن قدامة وغيره.
وأما وقتها، فالسنة أن تصلى بعد العشاء الآخرة لاتفاق العلماء سلفا وخلفا، فقد ورد من فعله صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة في رمضان وغيره، كما في الصحيحين، وقد قال ابن تيمية: والتراويح إن صلاها كمذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد عشرين ركعة، أو كمذهب مالك ستا وثلاثين، أو ثلاثة عشر، أو إحدى عشر، فقد أحسن، كما نص عليه الإمام أحمد لعدم التوقيف، فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقِصره.



