المنبر الحر

المنبر الحر | رمضان ضيف الرحمة وموسم الغفران

الحسن العبد
بقلم: ذ. الحسن العبد

 شهر رمضان ما أعظمه من ضيف، وما أكرمه من زائر، وما أبركه من موسم تتنزل فيه الرحمات وتُضاعف فيه الحسنات.. إنه شهر تتشوق له القلوب قبل الأجساد، وتتهيأ له الأرواح قبل البيوت، فإذا أقبل أقبلت معه الطمأنينة، وسرت في النفوس نسائم الإيمان، وامتلأت الحياة بمعاني الصفاء والنور.

رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة، يُربّي الفرد ويُصلح المجتمع، ويعيد للروح صفاءها، وللقلب حياته، وللسلوك استقامته؛ في هذا الشهر تتجدد العلاقة مع الله، ويشعر الإنسان بقربه من خالقه، فيكثر الدعاء، ويصدق الرجاء، وتدمع العيون خشوعا وخشية.

ومن أعظم فضائل هذا الشهر تلاوة القرآن الكريم، فهو شهر القرآن الذي أنزل فيه هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وتتعالى أصوات التلاوة في البيوت والمساجد، وتُقام حلقات التدبر، فيعيش المسلم مع آيات الرحمة والوعد، ومع آيات الوعيد والعبرة، فيتغيّر قلبه وتتهذب أخلاقه، ويجد في كتاب الله زادا لحياته كلها.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي ليالي رمضان، يتجلى نور القيام، حيث تصطف الأقدام في صلاة التراويح والتهجد خاشعة متضرعة، تناجي ربها في سكون الليل، فالقيام يحيي القلوب، ويغسل الذنوب، ويُشعر العبد بلذة القرب من الله، خاصة في العشر الأواخر التي تزداد فيها الهمم، وتشتد فيها العزائم طلبا لليلة القدر، تلك الليلة المباركة التي هي خير من ألف شهر، ليلة تتنزل فيها الملائكة بالسلام والرحمة، ويُكتب فيها للعبد خير عظيم إن أخلص النية وأحسن العمل.

تتمة المقال تحت الإعلان

أما الصيام نفسه، فهو مدرسة للصبر والتقوى، يكفّ فيه المسلم جوارحه عن المعاصي كما يكفّ بطنه عن الطعام، فيتعلم ضبط النفس، ويشعر بحال الفقراء والمحتاجين، فيرقّ قلبه ويعظم إحساسه بالمسؤولية تجاه غيره، ومن هنا تتجلى فضائل الصدقة والإحسان في رمضان، فتكثر موائد الإفطار، وتتعالى صور التكافل، ويتسابق الناس إلى أعمال الخير، من إطعام، وكسوة، وزكاة، وبرّ وصلة رحم.

وعلى مستوى الجماعة، يوحّد رمضان القلوب ويجمع الصفوف، تجتمع الأسرة على مائدة واحدة، ويتلاقى الجيران، وتمتلئ المساجد بالمصلين، فيشعر المجتمع بروح الأخوة والتراحم.. إنه شهر يُقوّي الروابط، ويُصلح ذات البين، ويُذكّر الجميع بأنهم أمة واحدة يجمعها الإيمان والقبلة والكتاب.

وفي رمضان تتنزل المغفرة والرحمة والعتق من النار، تُفتح أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، وتُصفّد الشياطين، ويُنادى كل ليلة: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.. فما أعظمها من فرصة لمحو الذنوب، وبدء صفحة جديدة مع الله، صفحة عنوانها التوبة الصادقة والعزم على الاستقامة بعد انقضاء الشهر.

فطوبى لمن عرف قدر رمضان، فاغتنم أيامه بالصيام الحق، ولياليه بالقيام، وساعاته بالذكر وتلاوة القرآن، وأيامه بالبذل والإحسان، وطوبى لمن خرج منه وقد تبدّل حاله إلى الأفضل، فصار أقرب إلى الله، وألين قلبا، وأحسن خلقا.

نسأل الله أن يجعل رمضان علينا شهر خير وبركة، وأن يرزقنا فيه الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وأن يبلغنا ليلة القدر ويجعلنا من الفائزين فيها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى