مع الحدث | هل حان وقت التخلي نهائيا عن الساعة الإضافية ؟

عاد الجدل من جديد حول الساعة الإضافية بعد العودة للعمل بالساعة القانونية “غرينتش” خلال شهر رمضان، ما جعل العديد من الناس يشعرون بالفرق الكبير والاستقرار النفسي والاجتماعي مع الساعة البيولوجية في غياب الضغوطات وضيق الوقت، والاضطرابات التي يعاني منها الأطفال والكبار خلال بقية الأشهر، خاصة بسبب النقص في ساعات النوم وقصر النهار، ما يجعل العديد من الناس يشتكون من التوقيت الصيفي.
إعداد: خالد الغازي
مرت ثماني سنوات على اعتماد الساعة الإضافية، منذ سنة 2018، دون أن تكشف الحكومة عن تقييم رسمي وواضح يكشف مزايا وسلبيات التوقيت الصيفي وتداعياته الجانبية على حياة المغاربة، سواء الأطفال والتلاميذ أو المسنين والعمال، وعلى الأنشطة الاقتصادية المحلية، خاصة وأن عقرب الساعة ليس رقما يقدم أو يؤخر، بل هو أسلوب عيش له ارتباط بالحياة اليومية للأسرة، وذهاب الطفل الصغير للمدرسة وخروج العاملات والعمال في الظلام، وتأثير هذا النمط على الصحة والنوم والدراسة والعمل.
بالرغم من المعارضة الشعبية من أغلبية المغاربة للساعة الإضافية، وظهور استطلاعات ودراسات تؤكد مساوئ هذه الساعة على حياة العامة، إلا أن الغريب والإشكال هو غياب أي تقرير وطني رسمي يسلط الضوء على الأثر الحقيقي لهذه الساعة التي يصفها المغاربة بـ”المشؤومة”، لأنها أثرت كثيرا على حياتهم العادية، بحيث أن العديد من النشطاء يحملون الحكومة المسؤولية بسبب الجحيم والمعاناة التي يعيشها أطفال المدارس وكبار السن، بسبب الساعة الإضافية التي تخدم مصالح الشركات الأجنبية ومراكز النداء الفرنسية، بينما قطاعات اجتماعية واقتصادية أخرى تعاني من تأثيرها على المجتمع، الشيء الذي دفع نشطاء إلى توقيع عريضة وطنية للمطالبة بمراجعة هذا التوقيت العجيب.
الملاحظ أن العديد من الدول الأوروبية والآسيوية قررت إزالة الساعة الإضافية والعودة إلى التوقيت الطبيعي مراعاة للظروف الصحية والاجتماعية لمواطنيها وللتأقلم مع الظروف المناخية الباردة والمتقلبة، لكن في المقابل، تستمر حكومة أخنوش في تجاهل الموضوع بالرغم من وجود دراسات ومعطيات تؤكد تضرر شريحة كبيرة من المغاربة نفسيا وصحيا منها إلى درجة لجوئهم إلى الأطباء النفسانيين، واستعمال الأدوية من أجل النوم وتخفيف التوتر، بينما الحكومة تبحث فقط عن مصلحة الشركات الأجنبية ومراكز النداء الفرنسية، ولا تهتم للمواطنين الذين يشتغلون في عدة مجالات تساهم في الإنتاج الوطني.

في هذا الإطار، يقول علي لطفي، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل، أن مطلب العودة إلى الساعة القانونية (GMT) ليس مجرد رغبة عاطفية، بل هو ضرورة صحية واجتماعية ملحة. نحن أمام صراع بين “الزمن الاقتصادي” الذي يخدم فئات محدودة ولوبيات التصدير والخدمات، وبين “الزمن الطبيعي” الذي يحكم وظائف الجسم البشري، موضحا أن الحفاظ على الساعة البيولوجية يعني احترام إيقاع النوم والاستيقاظ المرتبط بضوء الشمس؛ ففرض ساعة إضافية قسرا يؤدي إلى ما يعرف بـ”التأخر الاجتماعي”، حيث يضطر الجسم للعمل في وقت لا تزال فيه وظائفه الحيوية في طور الراحة، مما يسبب إرهاقا مزمنا يقلل من جودة الحياة والإنتاجية على المدى الطويل.
وأضاف لطفي أن العودة لتوقيت غرينتش في رمضان هي اعتراف ضمني من الحكومة بأن الساعة الإضافية تشكل عبئا حقيقيا ولا تتوافق مع الإيقاع الوجداني والبيولوجي للمغاربة، وهذا التذبذب يخلق نوعا من الارتباك، فالمواطن يعيش تجربة الراحة النفسية والانسجام مع الزمن في رمضان، ثم يُصدم بالعودة لنمط مفروض في بقية الأشهر، وهو ما يكرس القناعة بأن الساعة الإضافية هي “جسم غريب” عن بنية المجتمع المغربي، ولا يتم التمسك بها إلا لغايات مادية بحتة تتجاهل التوازن النفسي للمواطن، موضحا أن هناك تأثيرات بالنسبة للساعة الإضافية على حياة المغاربة، يمكن رصدها في عدة مستويات، منها مثلا المستوى الصحي؛ بحيث أن دراسات علمية جديدة تؤكد اضطرابات النوم، وضعف التركيز لدى التلاميذ، وزيادة مخاطر أمراض القلب والسكري نتيجة الحرمان المزمن من دقائق ثمينة من النوم، كما أظهرت الدراسات أن تغيير الساعة يعطل الإيقاع البيولوجي، مما يزيد التوتر إذ تؤكد دراسات أن حالات القلق الشديد والاضطرابات النفسية قد تؤدي إلى الانتحار والحوادث، كما أنه على مستوى التدبير الطاقي، لا يوفر أي طاقة تذكر (0.1 % فقط)، لذلك يدعم العلماء والخبراء والأطباء النفسانيون العودة إلى التوقيت الطبيعي، لتحسين الصحة النفسية والنوم، أما على المستوى الأمني والاجتماعي؛ فالاستيقاظ في الظلام يرفع من منسوب القلق والتوتر، ويعرض الفئات الهشة (تلاميذ، نساء، عمال) لمخاطر الاعتداءات والسرقات في الصباح الباكر، خاصة في المناطق النائية والقروية وهوامش المدن والأماكن المظلمة، فضلا عن ارتفاع حوادث السير بنسبة 10 % عند تغيير الساعة.
وحسب نفس المتحدث، فإن الحركية الاجتماعية المطالبة بالإلغاء، والتي تتجسد في العرائض الإلكترونية ومواقف النقابات (مثل المنظمة الديمقراطية للشغل)، تستند إلى واقع ملموس يفند المكاسب الطاقية المحدودة مقابل كلفة بشرية باهظة، وبالتالي، فإصلاح هذا الوضع يتطلب شجاعة سياسية للعودة إلى “توقيت الأرض” بدلا من “توقيت الأسواق”، علما أن البرلمان الأوروبي سبق أن صوت على إلغاء الساعة الإضافية بعدما تقدمت إسبانيا إلى الاتحاد الأوروبي بمقترح رسمي في أكتوبر 2025 لإنهاء تغيير الساعة الموسمي (التوقيت الصيفي والشتوي) ابتداءً من سنة 2026، مبررة ذلك بفقدان مبرراته العلمية والاقتصادية مثل توفير الطاقة، مشيرا إلى أن أحد الأحزاب ضمن مكونات الحكومة كان يتزعم المطالبين بإلغاء الساعة الإضافية حينما كان في المعارضة، ولم نسمع صوته اليوم وهو في الحكومة حول الموضوع.

بدوره، يرى أسامة لحلو، أخصائي ومعالج نفساني، أن الساعة الإضافية ليست قرارا إداريا أو اقتصاديا فقط، بل هي قرار يمس التوازن النفسي للإنسان لأن الجسم يشتغل بساعة بيولوجية مرتبطة بضوء النهار وظلام الليل، ولأن أي تغيير مفاجئ في التوقيت يمكن أن يخلق نوعا من الارتباك في النوم وفي المزاج والتركيز، وعند تبديل التوقيت، يكون على الجسم والعقل التأقلم من جديد، مما يؤثر على التوازن النفسي عند الجميع، خصوصا الأطفال والمراهقين، لأنهم الفئة التي تتأثر كثيرا بسبب الاستيقاظ مبكرا في الظلام ونقص عدد ساعات النوم، وعند ذهابهم إلى المدرسة صباحا في الساعة الإضافية يشعرون بالخوف وعدم التركيز والجودة في النوم وضعف في العطاء الدراسي، مشيرا إلى أن هناك حالات كثيرة للأطفال زاروا عيادته يعانون من هذه المشاكل والاضطرابات، بسبب الاستيقاظ صباحا على الساعة السادسة أو قبل والذهاب في حافلة النقل المدرسي التي تتجول في الظلام، مما يؤثر على جودة نوم الأطفال ومردودهم الدراسي.
ويؤكد نفس المتحدث، أن الساعة الإضافية تؤثر بشكل كبير على المردودية الدراسية للأطفال وعلى الأعصاب، وتسبب القلق والإرهاق والمشاكل في النوم لدى الناس الذين يشعرون بتوتر كبير، سواء في المنزل أو في العمل، إذ بعد العودة للساعة العادية أغلبية الناس يؤكدون استقرارهم النفسي مع التوقيت الأصلي غرينتش، لأنه ينعكس بشكل إيجابي على حياتهم اليومية، وهناك من يرى أن الساعة الأصلية والرمضانية فيها بركة، لأن الإنسان يستيقظ بشكل مريح ويقضي جميع أموره وأغراضه طيلة اليوم ويجد الوقت الكافي، بينما مع الساعة الإضافية نلاحظ أن الوقت يمر بسرعة وجودة النوم تقل والحياة تتسارع والضغوط النفسية تزداد، معتبرا أن أي قرار حكومي يهم ملايين الناس يجب أن يأخذ بعين الاعتبار جودة النوم، ومستوى التوتر داخل الأسر، والتوازن اليومي للمواطنين، وأن يراعي الصحة النفسية وجودة الحياة.
واستطرد المتحدث ذاته، أن المواطنين يعانون منذ سنوات من الأثار السلبية للساعة الإضافية، وحان الوقت بالنسبة للحكومة أن تبحث عن سياسات جديدة للحفاظ على عجلة الاقتصاد والأخذ بعين الاعتبار الصحة النفسية للمواطنين، خاصة الأطفال المتضررين الأوائل من الساعة الإضافية، التي تفرض عليهم الاستيقاظ في الظلام، مما يسبب لهم أضرارا صحية ونقصا في فيتامين “دي”، وفقدان التركيز والتوتر، مشددا على ضرورة العودة إلى الساعة الأصلية الحقيقية وفق غرينتش بعد الجدل الذي استمر لسنوات، وأن تقوم الحكومة بتقديم توضيحات ومبررات ودراسة موضوعية واقعية تعطي المزايا ومساوئ الساعة الإضافية وتأخذ بعين الاعتبار الجانب النفسي والصحي، ولا تقتصر فقط على الجانب الاقتصادي، للخروج بقرار يناسب الجميع.
فقد قررت الحكومة الإسبانية إلى جانب دول أوروبية أخرى، مراجعة التوقيت الصيفي والعودة إلى التوقيت الأصلي، أي نقصان ساعة، كما أن ساعة الحكومة الفرنسية في نفس الاتجاه، وذلك تجاوبا مع المقترح الإسباني، الذي استند إلى أسباب واقعية وإلى استطلاعات للرأي لدى الإسبان، والتي كشفت أن 65 في المائة من الناس يؤيدون إلغاء الساعة الإضافية والعودة للتوقيت الأصلي، بينما أظهر استطلاع للرأي أجرته المفوضية الأوروبية، أن 84 في المائة من المشاركين يفضلون إنهاء تغيير الساعة.
وأبرزت دراسة للمركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، أن الساعة الإضافية تفرض تكاليف استراتيجية موثقة على الصحة العامة والسلامة الطرقية والعدالة المجالية دون تقديم دليل قاطع على تحقيق وفورات في الطاقة أو تعزيز الإنتاجية الإجمالية، رغم مساهمتها في تعزيز التزامن الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أن هذا القرار الذي تم تثبيته منذ شهر أكتوبر 2018، يحتاج إلى مراجعة مستقلة ومبنية على الأدلة لتقييم كلفته ومنفعته في ظل الجدل العام المتزايد حول أثاره السلبية على المجتمع، لا سيما وأن هذا التوقيت يرتبط علميا بفقدان ما متوسطه تسعة عشر دقيقة من النوم كل ليلة وزيادة مخاطر الإصابة بالسمنة والسكري وأمراض القلب.
وسجلت الدراسة وجود مخاطر حقيقية مرتبطة بالأمن المجالي، خاصة بالنسبة للنساء والفتيات والطلبة في المناطق الهامشية والقروية، حيث يرفع الخروج قبل بزوغ الفجر من الشعور بانعدام الأمن ويضاعف مخاطر التعرض للاعتداءات، مما يشكل عائقا أمام تكافؤ الفرص في الوصول الآمن إلى مرافق التعليم والعمل، مؤكدة أن التوقيت المعتمد يؤثر على الاقتصاد غير المهيكل والأنشطة المرتبطة بالأسواق الأسبوعية والفلاحة وتجارة القرب المبكرة، والتي تعتمد طبيعيا على الدورة الشمسية، ويؤدي ذلك إلى كلفة غير مباشرة تتمثل في تعطل سلاسل التوريد المحلية وزيادة الضغط على اليد العاملة التي تجد صعوبة بالغة في مواءمة نشاطها المهني مع الإيقاع الإداري والتعليمي للدولة، حيث أن التوقيت لم يعد مجرد أداة تنظيمية، بل أصبح يعكس مفهوم السيادة الزمنية وقدرة الدولة على الموازنة بين المتطلبات الخارجية والرفاه الداخلي للمواطنين.
وشدد المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة على ضرورة إجراء مراجعة مستقلة ومبنية على الأدلة، لتقييم الكلفة والمنفعة لهذه السياسة العمومية، حيث يتزايد الجدل العام حول التكاليف الصحية والاجتماعية للساعة الإضافية، مما يفرض على المغرب تقييم خياراته الاستراتيجية بوضوح.
في نفس الموضوع، طالب المستشار البرلماني خالد السطي، الحكومة بإجراء تقييم شامل لقرار الإبقاء على التوقيت الصيفي (GMT+1) طيلة السنة، والكشف عن أثاره الفعلية على المواطنين، بعد تفاعل المواطنين وارتياحهم للتوقيت غرينتش في رمضان، وشعورهم بالراحة وتحسن الإيقاع اليومي مقارنة مع الأثار السلبية للتوقيت الصيفي المعتمد طيلة السنة، مشيرا إلى عودة عرائض رقمية ومبادرات مدنية تطالب بالعودة إلى التوقيت الطبيعي وإلغاء العمل بالتوقيت الصيفي الدائم، لأن استمرار هذا القرار لا ينسجم مع مطالب فئات واسعة من المجتمع، ولا يراعي الانعكاسات الاجتماعية والنفسية والصحية.
واعتبر نفس البرلماني – في سؤال إلى الحكومة – أن هذا التفاعل المتكرر سنويا يعيد إلى الواجهة النقاش العمومي حول قرار الحكومة الصادر سنة 2018، والمتعلق بالإبقاء على التوقيت الصيفي، الذي أثار منذ اعتماده جدلا واسعا بسبب ما يعتبره المواطنون تأثيرا مباشرا على التوازن الأسري والاجتماعي والصحي، خاصة لدى الأطفال المتمدرسين والطلبة والموظفين، إضافة إلى تأثيره على الساعة البيولوجية وجودة النوم والإنتاجية، متسائلا: هل تفكر الحكومة في مراجعة هذا القرار وإعادة العمل بتوقيت غرينتش بشكل دائم، أو على الأقل فتح نقاش وطني موسع يضم الخبراء والقطاعات المعنية والمجتمع المدني؟



