رمضانيات | الصيام مدرسة لصون اللسان

إعداد: خالد الغازي
يأتي شهر رمضان كل عام ليكون فرصة عظيمة للمسلمين لنيل الأجر والتقرب إلى الله، ويعد فضل صيام رمضان من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده، حيث يجمع بين الفوائد الروحية والجسدية في آن واحد، إلى جانب الأثر الروحاني العميق.
“اللهم إني صائم”، كلمة يذكر الصائم بها نفسه وغيره فيحفظ صيامه، فلا يجهل على أحد ولا يعتدي ولا يظلم، فإن سابّه أحد فليقل إني صائم، فهذه العبارة تعلمنا كيف نصون ألسنتنا أثناء الصيام وكيف يعف الصّائم عن أعراض المسلمين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” رواه مسلم، وفي الصيام ومدرسة رمضان ينبغي الوصول لتطبيق عملي وحقيقي لدروس هذا الحديث المميز في الأخلاق.
فسبحان الله أن جعل لعباده شهرا يهربون فيه من ذنوبهم ليكفّر الله به عنهم، وهو شهر رمضان المبارك الذي تتسارع فيه القلوب إلى الله، وتتلاصق الأكتاف والأقدام بالصلاة والقيام، وتتباهى النفوس بالطاعة، وفي ذلك نسرد لكم باقة من كلام جميل ومؤثر عن شهر رمضان:
من مواعظ السلف الصالح: “يا ولدي إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك، وإذا نمت فاتقي الله وابتغي التقوّي على طاعاته”، وقد قيل أيضا في شهر رمضان: جاهد نفسك قدر استطاعتك واغسل قلبك قبل جسدك ولسانك قبل يديك وأفسد كل محاولاتهم لإفساد صيامك واحذر أن تكون من أولئك الذين لا ينالهم من صيامهم سوى العطش والجوع”.
مراتب الإحسان في الإسلام ودرجته
لفظ الإحسان في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، سواء في مجال الخلاص الفردي للإنسان وعلاقته بربه، الكادح إليه كدحا فملاقيه، أو في مجال واجب عمل المؤمن لتحقيق مشروع خلاص أمة الإسلام وتحقيق موعودها التاريخي، جاء دالا على ثلاثة معان، هي
– أولا: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك؛
– ثانيا: الإحسان إلى الناس كالوالدين والأقربين واليتامى والمساكين والمسلمين وسائر الخلق أجمعين؛
– ثالثا: إحسان العمل وإتقانه، سواء العمل العبادي أو العادي أو المعاملاتي.
يحكي سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا المشهد المهيب فيقول: “بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، قال فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: “فأخبرني عن الإيمان”، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: ثم انطلق مليا، ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم ، قال: إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”.
مجموع هذه الدلالات الثلاث الواردة في القرآن وفي السنة، تعطينا مواصفات المومن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، كما تعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس وبالأشياء.
أبو بكر الصديق السباق إلى فعل الخير
يعد أبو بكر الصديق من خيرة الخلفاء الراشدين والصحابة خلال دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان دائما سباقا إلى عمل الخير والتطوع، وكان رجل المواقف والقرارات في الظروف الصعبة؛ فقد روي عن زيد بن أسلم، أن “عمر بن الخطاب كان يقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقَيْتَ لأهلِكَ؟ فقلتُ: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقَيْتَ لأهلِكَ؟ قال: أبقيتُ لهم الله ورسوله، قُلت: لا أُسابِقُكَ إلى شيءٍ أبدًا” (أخرجه أبو داود).
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: “مرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه وأبو بكر، على عبد الله بن مسعود وهو يقرأ، فقام فتسمَّع قراءته، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: مَنْ سرَّهُ أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزِل فليقرأه من ابن عبد، فأدلجت إلى ابن مسعود لأبشِّره بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع صوتي، قال: ما جاء بك الساعة؟ قلت: جئت لأبشرك بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قد سبقك أبو بكر، قلتُ: إن يفعل فإنه سبَّاق بالخيرات، ما استبقنا خيرا قَطّ إلا سبقنا إليه أبو بكر” (أخرجه أحمد).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أصبح منكم صائما؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن اتَّبَع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئٍ إلَّا دخل الجنة” (أخرجه مسلم).
قصة غزوة بدر الكبرى أو معركة بين الحق والباطل
في السنة الثانية من الهجرة وخلال شهر رمضان المبارك، حقق المسلمون نصرا تاريخيا في غزوة بدر الكبرى، على أعدائهم من مشركي قريش، وسمي ذلك يوم الفرقان، لأنه سبحانه فرق بين الحق والباطل بنصر رسوله والمؤمنين.
وقعت غزوة بدر في 17 رمضان 2هـ الموافق لـ 13 آذار (مارس) 624م، في منطقة بدر، وهي بئر مشهورة تقع على الطريق بين مكة المكرمة والمدينة المنورة.
خرج مجموعة من الصحابة والمسلمين لاعتراض قافلة أبي سفيان القادمة من الشام، لاسترجاع أموالهم وممتلكاتهم التي استولى عليها رفقة كفار قريش بعد هجرتهم للمدينة، حيث إن دور المهاجرين بمكة تركت مغلقة ليس فيها ساكن، كدار بني مظعون من بني جمح، ودار بني جحش بن رئاب، ودار بني البكير، وقد وجد طغاة مكة في ذلك فرصة لهم في الاستيلاء عليها، وكان المسلمون بقيادة رسول الله ﷺ، 313 رجلا معهم فارسان: الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود، بينما كان مشركو قريش بقيادة أبي جهل عمرو بن هشام، 950 رجلا و100 فارس.
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لما علم بخروج قريش، جمع من معه من الصحابة فاستشارهم وقال: “إن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، إما العير أو الجيش”، فقام المقداد بن الأسود وكان من المهاجرين وقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله عز وجل فوالله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام “فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ”، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك.
بدأت المعركة بمحاولة الأسود بن عبد الأسد المخزومي، أن يشرب من حوض الماء الذي بناه المسلمون، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب وقتله قبل أن يشرب، ثم خرج ثلاثة من فرسان قريش للمبارزة هم: عتبة بن ربيعة، وولده الوليد، وأخوه شيبة، فخرج ثلاثة من الأنصار فرفضوهم، وطلبوا مبارزة ثلاثة من المهاجرين، فأمر النبي ﷺ عبيدة بن الحارث، وحمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، فخرجوا لهم وتمكنوا منهم فقتلوهم.
وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفّا من تراب أو حصى فرمى بها القوم فأصابت أعينهم فما منهم واحد إلا ملأت عينه وشغلوا بالتراب في أعينهم آية من آيات الله عز وجل، فهزم جمع المشركين وولوا الأدبار وأتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، قتلوا سبعين رجلا وأسروا سبعين.
فهذه غزوة بدر انتصرت فيها فئة قليلة على فئة كثيرة قال تعالى: ((فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ)) انتصرت الفئة القليلة لأنها فائمة بدين الله، تقاتل لإعلاء كلمته والدفاع عن دينه فنصرها الله عز وجل
الإفطار نسيانا أو غلطا
مَنْ أَفْطَرَ نِسْيَاناً أَوْ غَلَطاً فِي التَّقْدِيرِ، كَأَنْ يَعْتَقِدَ غُرُوبَ الشَّمْسِ أَوْ عَدَمَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، أَوْ يُخْطِئَ فِي الْحِسَابِ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ آخِرَهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَقَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ، لِأَنَّهُ هَدَمَ رُكْناً مِنْ أَرْكَانِ الصِّيَامِ، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ، وَذَلِكَ كَمَنْ صَلَّى بِغَير وُضُوءٍ نَاسِياً، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ صَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَتَلْزَمُهُ إِعَادَةُ تِلْكَ الصَّلَاةِ التِي صَلَّاهَا، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ: لِأَنَّ صُورَةَ الصَّوْمِ قَدْ عُدِمَتْ، وَحَقِيقَتُهُ بِالْأَكْلِ قَدْ ذَهَبَتْ، وَالشَّيْءُ لَا بَقَاءَ لَهُ مَعَ ذَهَابِ حَقِيقَتِهِ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، لِلْحَدِيثِ الذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: “مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِم فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ”.



