تحت الأضواء | تكريم الهمة.. “القوة الصامتة” في عهد الملك محمد السادس
بقلم: سعيد الريحاني
وأخيرا تحدثت الصحافة عن تكريم فؤاد عالي الهمة، في أكثر من موقع(..)، بعد سقوط عزيز أخنوش، وقد كان سقوط رئيس الحكومة متوقعا منذ اليوم الأول، لأن المكلف بمهمة تنتهي فترة انتدابه بمجرد انتهاء مهامه(..)، وهكذا عادت الأضواء لتتركز من جديد نحو أحد أقوى خدام النظام، فؤاد عالي الهمة، وهو الرجل الذي اختار في عز صراع القوة الاصطفاف إلى جانب خدام الملكية، ما مكنه من مجاراة كل كبيرة وصغيرة في عهد الملك محمد السادس حتى الآن.. من كان يجرؤ على الاقتراب في زمن رجال المخابرات الأقوياء ووزير الداخلية الصعب المراس، الراحل إدريس البصري؟ ألم يكن ذلك الزمن زمن الرهانات وقد كان مصير عدة رهانات هو الفشل، والعودة إلى الصف (..) ؟
من “الإنصاف والمصالحة” و”تقرير الخمسينية”، وقبلهما في العمل السياسي الجماعي المحلي، كان الهمة في كل مرة يجرب وصفة خدمة الدولة، وفي كل مرة كان يحيط به الأنصار والأعداء وما بينهما.. ومع ذلك، كانت للأقدار كلمتها؛ فصديق دراسة الملك خرج من قلب المؤسسات بوجه مكشوف حاملا في يده بلاغا صادرا عن الديوان الملكي، يوم 7 غشت 2007، وهو البلاغ الذي أوضح أصحابه أن خروج الهمة للانتخابات كان “تلبية لرغبته في الترشح للانتخابات التشريعية لكي يساهم في النهوض بمنطقته، وقد تحرر من سائر القيود والمسؤوليات الرسمية” حسب البلاغ، ثم تزعم بنفسه تأسيس أكبر حركة سياسية مساندة للملكية في العهد الجديد، وهي “حركة لكل الديمقراطيين”، وقد كانت الحركة مقدمة لاكتساح سياسي صعب جعل المقاعد الثلاثة في الرحامنة تصبح أكبر فريق سياسي بمجلس النواب.. حصل ذلك قبل تأسيس الحزب، وهو الحزب الذي شارك في تأسيسه خصوم “حركة لكل الديمقراطيين”، وخصوم العمل الحزبي، ولكنهم مارسوا تقية تنظيمية لم تظهر أهدافها إلا فيما بعد، عندما شرعوا ينهشون جل أصحاب “النية” (..).
الهمة الذي نادى بمغرب جديد سنة 2008 بعد اكتساح انتخابات 2007، هو نفسه الذي سيخرج من مؤسسات الدولة ليغامر بتجربة حزبية في مواجهة مطبات عاتية، اجتازها بنجاح ولم يغادرها إلا بعد انحراف في المسار، أكده عبر استقالة تاريخية وقعها بخط يده يوم 14 مايو 2011 ووضعها على جدول أعمال المكتب السياسي الذي كان يقوده محمد الشيخ بيد الله.
وقتها كان الهمة قد ضرب عصفورين بحجر؛ أولهما إنتاج آلة حزبية قادرة على “استفزاز” آليات الوساطة الأخرى للقيام بمهامها، فجل الأحزاب كانت قد دخلت في سبات عميق، ولكنها استيقظت إما للالتحاق بالركب، أو لتأكيد أحقيتها في الاستمرار، أما الهدف الثاني، فقد كان هو كسر شوكة التمدد الأصولي التي اجتاحت عدة بلدان مشابهة للتجربة المغربية.
الهمة نفسه عانى داخل الحزب، وقد كانت النيران تصوب نحوه من طرف الخصوم، ولم يسجل التاريخ صدور أي بلاغ من حزب الأصالة والمعاصرة لمساندة الهمة، الذي لم يتولَّ مهمة الأمانة العامة، ولكنه كان يدفع الثمن بدل الجميع(..)، والمهم أن حكاية الحزب طويت بعودته إلى الدائرة المقربة، بتعيينه مستشارا ملكيا يوم 7 دجنبر 2011.
“صديق الملك” هو نفسه رئيس جماعة بن جرير في وقت سابق، خريج المدرسة المولوية، رئيس ديوان ولي العهد سيدي محمد، ورئيس ديوان الملك محمد السادس، والبرلماني، وكاتب الدولة في الداخلية.. كلها صفات جعلته مطلعا على المطبخ من الداخل والخارج، لذلك لا غرابة أن يسبق خروج الرجل للحياة السياسية من جديد تسجيل حضور كبير في تقديم خطة الحكم الذاتي، التي تشكل اليوم حجر الزاوية في اعتراف المنتظم الدولي بمغربية الصحراء(..).
هي إذن، مسيرة حافلة بالمطبات والتعيينات والتكليفات.. وقد دار الزمان دورته لنناقش من جديد “الجوانب الإيجابية” لظاهرة الهمة، ولم لا مكافأة الرجل على اختيارات صمدت في الزمن، ونجحت في إثبات نفسها كجزء من التجاذبات داخل الدولة، فالهمة مهما كان واحدا من خدام الدولة، لكنه كان طيلة 26 سنة من حكم الملك محمد السادس، قوة صامته.. فهل حان الوقت للتحرك من جديد بعد أن فشل الخصوم حكوميا وسياسيا واجتماعيا؟ وماذا لو كان الوضوح والصمت وصفة لتجاوز المرحلة (..) ؟



