تحقيقات أسبوعية

خاص | الحسن الثاني و”الوزير المغبون” وخط التماس بين الصحافة والصداقة مع الملك

رمضان بدون مصطفى العلوي  

هذا رمضان آخر بدون القيدوم الراحل مصطفى العلوي(..)، ولكن الغياب لا يبرر النسيان، وكيف يمكن نسيان الصحافي الذي عايش وتفاعل مع ثلاثة ملوك، طيلة عقود، كانت تتراوح بين “سوء الفهم” و”التقدير الكبير للمجهود الإعلامي”، بحيث أن الصحافة تصطدم في بعض الأحيان مع الصداقة، لأن مواضيعها قابلة للتأويل، وما أكثر المؤولين(..).

إعداد: سعيد الريحاني

في رمضان 2004، كتب القيدوم الراحل مصطفى العلوي: ((عادة ما يكون رمضان شهر الثوبة والغفران، فرصة لأصحاب القلوب المتحجرة لكي تلين.. ولبعضهم أن يرجع إلى الله.. إن لم يكن خوفا منه جلا وعلا.. فخوفا من المجتمع الذي يراقب ويرى ويعرف مسلمين رمضان.. وعددهم كثير.. ولكن الفاجعة أن نبدأ رمضان هذا بالاطلاع على محاولة لرجلنا القوي السابق، إدريس البصري.. وقد أصبح هذه الأيام يدرح السياسة بالقرآن، وربما بمناسبة شهر رمضان، حين كان يتحدث إلى أحد الصحفيين سأله عن قصة جواز سفره.. حين أصبح جواز سفر شخص عادي شغلا شاغلا للرأي العام.. فاختار السي إدريس أن يظهر بمظهر الفقيه.. فقال لسائله: إني أكتفي بتلاوة الآية الكريمة: “وعباد الرحمان إذا مشوا على الأرض مشوا هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالو سلاما”، هكذا خلط وزير الداخلية السابق بين فلسفته في الماضي، حين كان يأمر الناس بأن يمشوا هونا.. واللي ما مشاشي هونا نخليو دار بوه، وبين القرآن الكريم المقدس، الذي يعتبر تحريفه جريمة في حقه، خصوصا إذا اتخذه الجاهلون(..) مطية للظهور أمام الناس بمظهر متقي الله.. الذي يستشهد بالقرآن)) (المصدر: الحقيقة الضائعة /عدد 22 أكتوبر 2004).

تتمة المقال تحت الإعلان

هكذا تحدث الراحل مصطفى العلوي عن الوزير إدريس البصري في رمضان، ولكن أكبر ما يحسب للراحل هو إطلاقه لقب “الوزير المغبون” على وزير الداخلية في وقت لم يجرؤ فيه أحد على الوقوف في وجه إدريس البصري، عندما كانت الأقلام تكسر بـ”جرة” إلى الكوميسارية أو السجن، وكان العلوي قد نبه البصري إلى دورة الزمان، قبل هذا التاريخ في رسالته الشهيرة: “رسالة إلى الوزير المغبون”، حيث قال: ((لا تبك أيها الوزير المغبون.. ولا تحزن.. فإن ما خفي كان أعظم.. إنك تعرف أن لكل شيء نهاية.. وأن كل من صعد لا بد أن ينزل.. وأن الصعود العالي إنما يجعل عورات الصاعد تنكشف للذين لا زالوا تحت، وانظر إلى القردة.. ورأينا إمبراطوريتك العالية تتهاوى كقصور الورق، لأنها لم تبن على أسس سليمة، ولا قواعد مدروسة “يا باني حيط الرمل”.. ومن قبل رأينا الوزير المقري، وكان يسمى الصدر الأعظم، صحيحا.. حتى قالت الأساطير إن عائلته كانت تعصر له كل يوم جثة غزال، يشرب مرقها كل يوم إلى أن بقي قويا متينا صدرا أعظما.. اجتاز من المراحل والأزمات العالمية والداخلية ما جعله يعايش أكثر من أربعة سلاطين، وهذا هو المجد.. ولكن المقري عندما جاءت ساعة الاختيار، اختار الجانب الآخر، ولكن خيبته وهزيمة أطروحته، لم تصدمه عندما رجعت مواكب نصر الأسرة الملكية التي أغمض عينيه على نفيها.. فانحنى وقبل الأيادي، واستمر يتوجه إلى مكتبه إلى أن جاءت الحكومة الجديدة، “الاستقلال والتناوب”، وأصدر رئيسها أمرا بتغيير قفل مكتبه لأنه هو أيضا(..) رفض قرار توقيفه، فجاء وأدخل المفتاح، وفهم الرجل العجوز.. وذهب إلى بيته.. ومات لأن روحه كانت مرتبطة بمنصبه.. وكثير منهم كذلك..

تتمة المقال تحت الإعلان

إننا أيها الوزير المغبون.. كنا ونحن كتاب قلم، وحملة رأي.. وألسنة الرأي العام، فأذيتنا، وكذبت علينا، وتسببت في توقيفنا، وارتحت لمنعنا، وقلت لبعضهم لقد انتهى أمر أخينا.. وسيأتي لباب البيت ينتظر، كما فعل كثير من الوزراء والسياسيين المخلوضين، وكنت مخطئا.. في انتظار استجدائنا.. لأننا لا نستجدي إلا الله، وكيف يحصل هذا من طرف إنسان مؤمن بالله، الذي يعز ويذل، ونحن الذين نعرفك عندما كنت صغيرا، ورأيناك عندما كبرت وتجبرت.. وعتيت.. ولم تستفد من حكمة السوسي الصغير، في مصنع أبيه السوسي الكبير، حينما قال الولد لأبيه: يا أبي عندنا المال والجاه فلماذا لا نسمي أنفسنا بالشرفاء.. كما فعل “داحمو” و”الدامزين”، فأجابه أبوه: “انتظر يا بني حتى يموت الذين يعرفوننا”)) (المصدر: الأسبوع الصحفي/ 31 يوليوز 1998).

الراحل مصطفى العلوي خلال تغطيته لحرب الجولان
الراحل مصطفى العلوي خلال تغطيته لحرب الجولان

ولو كان الأمر بيد البصري، لما كانت هناك علاقة بين الملك الراحل الحسن الثاني والقيدوم مصطفى العلوي، ولكن القيدوم كان نموذجا للصحافي صديق رئيس الدولة، وقد حكى الراحل مصطفى العلوي عن هذا التعاون: ((أثناء إحدى القمم العربية، وكان الحسن الثاني قد صرف عليها من ماله الخاص دون أن يحصل على أي مساهمة من أي دولة عربية في التمويل، وأثناء عقده للندوة الصحفية الختامية، بحضور مئات الصحفيين العرب الذين رافقوا رؤساء دولهم، كنت جالسا بين الصحفيين بجانب المرحوم عيسى بن شقرون، وكان وقتها نائبا لمدير وكالة المغرب العربي للأنباء، وأثناء إلقاء الصحفيين لأسئلتهم، فوجئت بأحد المخازنية بزي مدني، يأتي عند عيسى بن شقرون وينحني عليه قبل أن يقدم له بعيدا عن الأعين ورقة.. سرعان ما سلمها لي عيسى بعد أن فتحها، لأنها كانت موجهة لي ومكتوب بها “ضع سؤالا حول المساهمة العربية في التحضير لهذا المؤتمر”، وفعلا وضعت السؤال، ليجيب عنه الملك الحسن بسرعة قائلا: “انظر إلى سحنة وزيري في المالية لترى علامات الأزمة التي خلقها التحضير لهذا المؤتمر”))..

هكذا تحدث مصطفى العلوي عن إحدى الحالات التي يظهر فيها الصحفي صديقا للملك ومساعدا له، و((الصديق الحقيقي لرئيس الدولة هو الذي يرتبط معه بتكامل حميمي بعيدا عن كل تأثير مصلحي أو مادي، فالصحفي ورئيس الدولة هما معا في خدمة المصلحة العليا للبلد الذي يجمعهما.. أما السؤال الذي يؤرق الصحفيين في كل العهود الماضية والحاضرة فهو: هل يقرأ الملك الصحف؟ فقد أجاب عنه الملك الحسن الثاني في حواره مع صاحب كتاب “ذاكرة ملك”، الذي اعتبر أن الصمت المطبق يؤثر سلبا على استقرار الأنظمة، فقد قال له الملك: إن هناك وسيلة ناجعة لإسقاط جدار الصمت.. وهي قراءة الصحف، لأن الصحف فيما يتعلق بها ليست خرساء، وحتى عندما تكون الأمور على أحسن ما يرام، ترى الصحف غير متفقة..))، حسب ما حكاه القيدوم الراحل في كتابه “مذكرات صحافي وثلاثة ملوك”)) (المصدر: أرشيف الأسبوع).

قصص الصحافي الراحل مصطفى العلوي مع الملك الحسن الثاني كثيرة، وقد حكى القيدوم كيف أن الوزير الأول السابق عبد الرحمان اليوسفي وقف على رأس الملك الراحل الحسن الثاني بينما كان هذا الأخير يراجع لائحة مرافقيه إلى الصين، ليعثر بين الأسماء على اسم مصطفى العلوي، فقال الملك لعبد الرحمان اليوسفي: لماذا تأخذ معك العلوي؟ فقال له: هذا مصطفى العلوي الصحفي المعروف، لماذا تأخذه معك؟ فقال له: إنه ليس الصحفي الوحيد، فوافق الملك على حضوره في هذا الوفد.. وقد كان الملك الحسن الثاني يتتبع عمل الصحافي مصطفى العلوي عن قرب.. ((ففي جلسة عمل بينه وبين وزيره القوي في الداخلية والإعلام إدريس البصري، وحين كان يدرس معه تفاصيل تنظيم المناظرة الوطنية للإعلام سنة 1993، وبعدما أطلعه البصري على كل التفاصيل، وعلى لائحة الذين أنعم عليهم بالأوسمة من رجالات الإعلام، فاجأه الملك الحسن الثاني بقوله: وبالمناسبة، وشح صدر الصحافي مصطفى العلوي بوسام العرش من درجة فارس، ليبتلع الوزير البصري ريقه، وينادي كاتبه العام، الصديق معنينو، ليقول البصري قلد المقري، فأصبح وزيرا مغبونا(..)، ولكن المقري أصبح فيما بعد مجرد دار للتعذيب، تجري سيرتها على كل لسان؛ ففي سنة 1963 شاءت الظروف أن يتم اختطاف مصطفى العلوي بعد نشره لرسم كاريكاتوري في ذلك الزمن المطبوع بحرب “الرمال”(..)، حيث تزامن وجود قيدوم الصحافيين في “دار المقري” مع زيارة خاصة للجنرال أوفقير لعين المكان.

وحكى الراحل القيدوم عن هذا الحادث الذي مكنه من كشف سر اعتقال الجندي حسني مبارك: ((عندما رآني أوفقير قال لهم: إن مصطفى صحفي، فأبعدوه عن باقي المعتقلين، ليضعوني في غرفة عرفت من ملامسة جدرانها أنها مزلجة بطريقة تقليدية، وفي اليوم الموالي، اهتزت بي الغرفة في منتصف الليل، ليتم رمي مجموعة من كبار الضباط المصريين، الذين تم اعتقالهم خلال اندلاع حرب “الرمال” (أكتوبر 1963)، وكان من بينهم الضابط الذي كان يقود الطائرة المحجوزة، حسني مبارك، الذي سيصبح فيما بعد رئيسا لمصر، وهي جزئية رغم المراعاة التي كانت تمنع الصحف من ذكرها، إلا أن الضابط الذي اعتقلهم، الضابط المغربي كرزازي العمري، حكى كيف أن طائرة هيليكوبتر نزلت جنبه في عين الشواطر، ونزل الضابط حسني مبارك ليكلمني بلهجة فرنسية رديئة: هذي العبادلة؟ قلت له: لا هذي عين الشواطر. لتصدر الأوامر من طرف الضابط يوسف الجباري، وحجزنا أسلحتهم وجوازات سفرهم ومن بينهم ربان الطائرة الذي يدعى حسني مبارك، وغطينا الهيليكوبتر بالتبن حتى لا تراها طائرات الاستكشاف الجزائرية قبل أن نسلمهم لعامل المنطقة، حمو الزياني)) (كتاب “الحسن الثاني الملك المظلوم” للراحل مصطفى العلوي).

وكان الراحل مصطفى العلوي قد كذب تصريحات الاتحاديين الفقيه البصري والحبيب الفرقاني في جريدة “المشعل” (عدد 10 فبراير 2011)، التي قالا فيها أنهما التقيا مع حسني مبارك في “دار المقري”، لماذا؟ الجواب على لسان مصطفى العلوي، يتمثل في كونها ((الدار التي لا يلتقي فيها أحد مع أحد، ولو لم أكن مسجونا في غرفة معزولة بالدور الأول، سجن فيها معي حسني مبارك ومن معه، وتكلموا فيما بينهم بالمصرية، لما عرفت أن الأمر يتعلق بالرئيس المقبل لمصر)) (نفس المصدر).

ولكن الراحل العلوي أكد الرواية الشائعة حول كون الضابط المصري حسني مبارك كان واحدا من الضباط الذين أهداهم الحسن الثاني للرئيس المصري جمال عبد الناصر بعد اعتقالهم في المغرب.. ((الضباط المصريون تم نقلهم أياما من بعد، لأبقى أنا في غرفة اعتقالي، بعد أن قرر الحسن الثاني أن يأخذهم معه إلى القاهرة، عندما توجه لمقابلة جمال عبد الناصر، ليقنعه بخطئه في دعم الجزائريين على عدوانهم ضد المغرب، ويقدم له ضباطه الذين أرسلهم لدعم الجيش الجزائري، كهدية منه للرئيس المصري)).. هكذا تحدث العلوي في كتابه “الحسن الثاني الملك المظلوم”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى