متابعات | إشكالات حقوق الشباب بعيون كتاب شبيبات حزبية ونشطاء مدنيين

تعد حقوق الشباب من الحقوق الغائبة في السياسة العامة للدولة والسياسات العمومية للحكومة، بالرغم من الخطابات والوعود للنهوض بوضعية الشباب وتمكينه من حقوقه الدستورية والمشروعة، سواء المتعلقة بالمساواة في التعليم، أو الحق في الصحة، أو الحق في الشغل أو السكن والزواج والاستقرار الاجتماعي.. إلا أن الواقع يكشف بُعد الخطابات الرسمية عن الواقع الذي يعيشه الشباب المغربي اليوم، والذي دفع بالمئات من شباب “جيل زد” إلى الخروج للشارع للمطالبة بحقوقه، لكن مطالبه قوبلت بالمقاربة القضائية والمحاكمات وتم التعامل معها بمرحلة عابرة.
إعداد: خالد الغازي
اليوم يعود موضوع الشباب إلى الواجهة من الزاوية الحقوقية والسياسية، من باب سنة انتخابية وتشريعية تتطلب إشراك الشباب في النقاش السياسي وفسح المجال له داخل الأحزاب والهيئات والمؤسسات، للتعبير عن آرائه وانتظاراته بأن تأتي مشاركته الانتخابية بصعود شريحة عريضة من الشباب إلى البرلمان لأجل الترافع عن قضاياه ورهاناته، ومطالبة الدولة بالتوقيع على الاتفاقيات الدولية والأممية المتعلقة بحقوق الشباب في الوصول إلى مراكز القرار والمناصب، ورئاسة الأحزاب والمؤسسات والمجالس المنتخبة.
وتبقى قضايا الشباب بعيدة كل البعد عن السياسات الحكومية الحالية، التي لم تقدم أي منظور أو خطة وطنية جديدة للنهوض بواقع الشباب في ظل تضارب الاختصاصات بين القطاعات الحكومية، وفشل المبادرات السابقة التي اقتصرت فقط على برامج محدودة للإدماج في سوق الشغل، والتي كان مصيرها الفشل بسبب مجموعة من الاختلالات وغياب الاستمرارية، أو ارتباطها بظرفية معينة، فالواقع يكشف أن قضايا الشباب لا تقتصر فقط على الشغل، بل تتطلب رؤية شاملة من الدولة تشمل النهوض بالتعليم، وخصوصا التعليم الجامعي، الذي لا يعطي أي آفاق للشباب للاستقرار الاجتماعي بعد التخرج، وصعوبة وصول فئات عريضة من الشباب إلى الانخراط في العمل السياسي والجمعوي، وغياب فضاءات لتكوين وتأطير الشباب في المناطق النائية والقروية والأحياء الهامشية في المدن، إلى جانب التفاعل مع قضايا الشباب فقط خلال الاحتجاجات أو الانتخابات فقط.

في هذا الإطار أكد فادي وكيلي عسراوي، الكاتب العام للشبيبة الاتحادية، خلال لقاء دراسي حول حقوق الشباب، نظمته المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بالرباط، أن التجربة السياسية أظهرت خلال السنوات الأخيرة فجوة واضحة بين المقتضيات الدستورية التي تؤكد على توسيع مشاركة الشباب في الحياة السياسية والمدنية، وبين واقع الممارسة التي لا تزال تفرز حضورا شبابيا محتشما داخل المؤسسات المنتخبة، ومحدودية في تأثير الشباب على القرار العمومي، حيث لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزال هذه الوضعية في خطاب العزوف أو اللامبالاة بقدر ما يمكن اعتبارها تعبيرا صريحا عن أزمة ثقة عميقة بين الشباب والمؤسسات، نتيجة ضعف قنوات الاستماع، وضيق هامش المبادرة، وغياب آليات حقيقية لإدماج الطاقات الشابة.
واعتبر نفس المتحدث، أن الآليات الحالية للمشاركة المواطنة، رغم أهميتها من حيث المبدأ، لا تزال محدودة الأثر بسبب غياب الشروط الكفيلة بتحويلها إلى أدوات فعلية للتأثير في القرار العمومي، إذ غالبا ما يتم التعامل معها بمنطق استشاري شكلي لا يسمح للشباب بتتبع السياسات العمومية أو مساءلة القائمين عليها، وهو ما يفسر لجوء فئات واسعة من الشباب إلى أشكال بديلة للتعبير والمشاركة، عبر المبادرات المدنية المستقلة، أو الفضاء الرقمي، أو أشكال الاحتجاج السلمي، حيث لا يتوجب قراءتها كخروج عن المسار الديمقراطي، بل كرسائل سياسية واضحة تعكس أزمة الوساطة وضعف الثقة في الفاعلين التقليديين، وهو ما يجعل مسؤولية الأحزاب السياسية ثابتة في تجديد خطابها وممارساتها، وفي إدماج مطالب الشباب بشكل جدي داخل برامجها الانتخابية، عبر تحويل حقوق الشباب إلى التزامات سياسية واضحة وقابلة للتنفيذ والتقييم، سواء في مجال التشغيل أو الحماية الاجتماعية أو المشاركة في تدبير الشأن العام، وأضاف أن أدوار التنظيمات الشبابية لا يمكن أن تظل حبيسة منطق التعبئة الموسمية المرتبطة بالاستحقاقات أو محصورة في وظيفة الواجهة التنظيمية داخل الأحزاب، بل ينبغي أن تتطور لتصبح قوة اقتراح حقيقية وفاعلا ترافعيا دائما في صياغة الاختيارات السياسية والبرامجية، فالشبيبة الاتحادية وهي تستحضر امتدادها التاريخي في مسار النضال الديمقراطي والتقدمي، تعتبر نفسها في الآن ذاته مختبرا للأفكار الجديدة، وفضاء لإعادة ربط السياسة بأسئلة المجتمع، خاصة تلك المرتبطة بالشباب، التشغيل، التعليم، العدالة المجالية، الحريات، والكرامة الاجتماعية، ومن هذا المنطلق، نرى أن دورنا هو بمثابة الجسر الحيوي بين نبض الشارع الشبابي والمؤسسات الحزبية، بما يسمح بتجديد الخطاب السياسي، وتجاوز القطيعة المتنامية بين الأجيال الصاعدة والعمل السياسي المنظم.
إن فعلية حقوق الشباب لا يمكن أن تتحقق دون إرادة سياسية حقيقية، ودون ربط المشاركة السياسية بالإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وببناء دولة اجتماعية عادلة ومنصفة، فنحن نراهن على الشباب ليس كموضوع للسياسات العمومية، بل كفاعل مركزي في صياغتها، وعلى أفق 2026 كفرصة لإعادة الاعتبار للسياسة، وللعمل الحزبي، وللأمل في مغرب ديمقراطي يتسع لجميع أبنائه.

بدوره، قال فاروق مهداوي، الكاتب الوطني لشبيبة اليسار الديمقراطي: نحن اليوم في حاجة إلى دستور جديد بتعاقد اجتماعي جديد، لأننا نتحدث عن اتفاقية دولية ومجلس استشاري للشباب وسياسة عمومية موجهة للشباب، لكن الأزمة تكمن في أن الدولة لا تملك إرادة سياسية حقيقية للتفاعل مع قضايا الشباب بالطريقة التي ينبغي التفاعل معها، أي أن “الدولة تتفاعل مع الشباب بمنطق تبقالت ديال الحساب”، حتى في الإجابة عن مطالب وانتظارات “جيل زد” جاء التعامل ماديا: “تمويل الشباب في الانتخابات بمنطق بعيد عن الوضع”، مضيفا أنه قبل الحديث عن حقوق الإنسان، فنحن نحتاج إلى إقرار الديمقراطية واحترام المؤسسات، كل شخص كيف يقرأ الديمقراطية، ولكن لا يمكن أن تكون هناك آراء مختلفة أو مفاهيم مختلفة لمفهوم حقوق الإنسان.
وأبرز المتحدث ذاته، أن من بين الإشكالات المطروحة، محاولة الدولة ضبط المشهد السياسي برمته، وهذا الوضع دفع مجموعة من الشباب إلى الرجوع للوراء في ظل ظاهرة الترحال السياسي، واستعمال المال في الانتخابات، بحيث لا يمكن أن ننتظر من شخص صرف مليارا في الانتخابات أن ينتج سياسة عمومية في أي قطاع أو مجال، لأن غايته التشريعية مختلفة، وهي التي تعطي اليوم هذه الكوارث في التشريع، مشيرا إلى أن العديد من الأسماء والقيادات في الأحزاب اليوم ليس لها مسار نضالي في الشبيبات الحزبية باستثناء فئة قليلة، وحتى الفاعل السياسي غائب عن الحراك الشبابي المغربي وعن الدينامية المتجددة التي يعرفها جيل الشباب، في وقت تتزايد فيه المطالب الشبابية المرتبطة بالمشاركة والكرامة والعدالة الاجتماعية، كما أن الأحزاب السياسية لم تتفاعل مع مطالبها الاجتماعية والسياسية، مما عمّق فجوة الثقة بين الشباب والعمل الحزبي التقليدي.
وأضاف فاروق مهداوي أن الرد الوحيد الذي طبع التعاطي مع مطالب الشباب، تمثل في اعتماد مقاربة أمنية وزجرية بدل فتح قنوات الحوار السياسي والمؤسساتي القادر على استيعاب الانتظارات المتنامية لهذه الفئة، خاصة وأن القاسم المشترك بين مختلف الحركات الاحتجاجية التي ظهرت منذ “حركة 20 فبراير” وصولا إلى تعبيرات جيل الشباب الجديدة، يتمثل في حياد الفاعل السياسي والحزبي مقابل حضور التدخل الملكي في كل مرحلة، وهو واقع موضوعي لا يروم تحميل المسؤولية لطرف بعينه بقدر ما يسعى إلى تشخيص اختلال بنيوي في الوساطة السياسية، إذ أن إعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات تظل رهينة بإحياء الدور التأطيري للأحزاب، والانتقال من المقاربة الأمنية إلى مقاربة سياسية ديمقراطية تضمن المشاركة الفعلية وتؤسس لأفق إصلاحي حقيقي.

من جانبه، كشف مصطفى تاج، الكاتب العام للشبيبة الاستقلالية، أن تأثير الشباب في الدولة والأحزاب محدود جدا، لأن الرهان الحالي لهذه الأخيرة هو تصدر نتائج الانتخابات أكثر من التمثيل الفعلي للشباب والنساء، بحيث تصبح التمثيلية مجرد مجاملة أحيانا، رغم أن بعض الحركات الشبابية مثل “حركة 20 فبراير” و”جيل زد”، كان لها تأثير على الدستور والقوانين الانتخابية، إلا أن الهبّات الشبابية التي برزت، تتجاوز أحيانا الشبيبات الحزبية التقليدية، مثل حركة “جيل زد” التي رفعت شعارات مماثلة، واختارت العمل باستقلالية، مما يؤكد أن الحركات الشبابية لها أثر ملموس كما حصل في تعديل دستور 2011 والقوانين المتعلقة بالأحزاب ومجلس النواب.
وأوضح ذات المتحدث أن الشبيبات الحزبية مظلومة لأنها تجد نفسها أمام مجموعة من الانتقادات والمعاناة، وأن النشطاء فيها مطالبون بالنضال داخل أحزابهم لفرض ذواتهم والدفاع عن شريحتهم، والنضال داخل المجتمع وخارجه ومع المؤسسات، ورفع الرهان والتحدي والعمل على استقطاب الشباب، وليس مفروضا عليها أن تجعل جميع الشباب يمارسون السياسة، لأن الفعل السياسي دائما نخبوي حتى في المجتمعات الديمقراطية والمتقدمة، قائلا أننا نفتقد لرؤية وطريقة في إدماج الشباب، رغم أننا جئنا بالنموذج التنموي لمقاربة الأزمة، لكننا لم نستطع أن نكون مثل الصين، التي تعتبر قوة اقتصادية عالمية رغم أنها دولة الحزب الواحد وتضم 204 أعضاء في البرلمان في غياب الشباب، لكن الشعب الصيني سعيد، ولم نستطع أن نكون مثل الهند التي تضم آلاف الأحزاب وفيها تداول ديمقراطي واستطاعت أن تبني اقتصادا قويا وتصبح من مجموعة العشرين، مؤكدا أن الشباب اليوم لا تهمه مساحات المشاركة بقدر ما توفر له تربية سليمة وتعليما جيدا وصحة وفرصا للعمل تحفظ له كرامته وتعيد له الثقة.
يرى خبراء أن حقوق الشباب اليوم تتطلب إرادة سياسية حقيقية من الدولة، لوضعها ضمن الأولويات مستقبلا في السياسة العامة للبلاد على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، عبر تمكين هاته الفئة من الانتقال من مرحلة التهميش والإقصاء إلى مرحلة النشاط والمشاركة في الحياة العامة، عبر تمكينها من تعليم جيد وتكوين يسمح لها بالوصول لميدان الشغل والاستقلالية الاجتماعية والقدرة على المساهمة داخل المجتمع، عوض أن تظل في الهامش بدون مواطنة حقيقية بعيدة عن الحقوق المدنية والسياسية.

في نفس الصدد، أكد عبد الرزاق الحنوشي، المنسق العام للوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان – خلال ندوة نظمتها المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بالرباط – أن توقيع اتفاقية دولية لحقوق الشباب قد يكون أحد المداخل الأساسية لإعطاء نوع من المقروئية للسياسات العمومية المرتبطة بالشباب، سواء وطنيا أو دوليا، على غرار المسار التاريخي لحقوق الطفل والأشخاص في وضعية إعاقة أو مناهضة التعذيب، والتي مرت بهذه الفترات التي نعيشها الآن فيما يتعلق بحقوق الشباب، بحيث تبدأ بتصريحات غير ملزمة وتنتقل إلى مواثيق ثم ترتقي إلى اتفاقيات، خاصة وأن هناك وثيقة مهمة صادرة عن الأمم المتحدة يوم 20 شتنبر 2020، تسمى “ميثاق المستقبل”، تتضمن جزء كبيرا يتعلق بالشباب، وتعطي مفاتيح لفهم أوضاع الشباب بشكل مهم وتعطي بعض المخرجات للتعاطي مع هذه الحقوق.
وأوضح الحنوشي أن هناك مسودات ودراسات ظلت في الرفوف، وهناك برامج ومبادرات، لكن لا توجد سياسة عمومية للشباب، ولا وثيقة مرجعية معتمدة، خاصة وأن بناء السياسات العمومية للشباب يخضع لمسار وقواعد أساسية في بلورتها، وهذا ما نلمس غيابه في أرض الواقع، إذ ليست هناك سياسة في هذا السياق إلى جانب غياب مقاربة حقوقية لقضايا الشباب، رغم تجريب اللائحة الوطنية للشباب في الانتخابات، إلا أنها لم تعرف أي حوار أو نقاش عمومي حول قوتها ونقاط ضعفها، فقط كانت هناك بعض ردود الفعل حول ريع اللائحة والتي لم تأخذ حقها، ونفس الشيء ينطبق على لائحة النساء، مضيفا أن الجانب الآخر يكمن في الانتظارية المحبطة التي تسود شريحة عريضة من الشباب بسبب تأخر الوعد الدستوري، المتمثل في المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، والمفروض أن يخرج هذا الإطار ليكون فضاء للنقاش ونقاشات أخرى تهم الشباب المغربي، لأن الجانب المؤسساتي – حسب قوله – مهم للتعاطي مع قضايا الشباب، لا سيما في ظل الديمومة واستمرار الحديث وربط مواضيع بالأشياء السلبية، مثل أزمة الشباب، عطالة الشباب، انتحار الشباب وغيرها..
من جهته، اعتبر أحمد رزقي، ناشط جمعوي وعضو جمعية الشباب لأجل الشباب، أن موضوع الشباب مرتبط بحقوق الإنسان لأن النقاش الحقوقي غاب عن الساحة السياسية منذ سنة 2011، حيث سيطرت مقاربتان على المشهد كون النقاش الحقوقي يؤدي إلى الاصطدام مع الدولة، أو اختزاله في مناصب الشغل، وبالتالي، غاب النقاش حول حقوق الشباب في السياسات وفي مجموعة من المداخل، لا سيما اليوم، فرغم البرامج والميزانيات والقوانين والسياسات إلا أننا نلامس غياب آليات معيارية حقوقية كونية، وغياب نقاش وطني، لأن الإشكال يكمن في عدم إلزامية الدولة في قضايا الشباب مثل قضايا الطفولة التي فيها إلزامية نظرا لاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل، والتي تفرض اتخاذ إجراءات وتدابير فيها رقابة دولية، مشددا على أن الشباب يجب أن يكون اليوم في صلب النقاش وعلى الدولة أن تضمن آليات طبيعية جدا للانتقال لكي يكون الشباب نشيطا في المجتمع، لأن السياسات التي تفشل فيها الدولة تكرس الإقصاء والتهميش وتخلق إشكالات حقيقية يعيشها الشباب اليوم، ولا تعطي الفرص للشباب للمشاركة والانخراط في الحياة السياسية.



