تحقيقات أسبوعية

تحت الأضواء | هل هو تحرك جزائري لمحاصرة امتداد إمارة المؤمنين في فرنسا ؟

مشروع تحويل الإمام إلى "كاهن مدني"

الرباط – الأسبوع

لم ينتبه كثيرون إلى خبايا اللقاء الصحفي الذي عقده عميد مسجد باريس يوم 10 فبراير الجاري، وهو اللقاء الذي خصص لتقديم كتاب: “مسلمو الغرب”، ونفس اللقاء خصص لتقديم عرض “ميثاق باريس”، و”قاموس لغوي” مرفقين بالكتاب المذكور، ولكن العارفين بخبايا الأمور، نبهوا إلى أبعاد مثل هذه التحركات ذات الطابع الديني، طالما أن أصحابها قاموا بإقصاء الصوت المغربي في منهجية الإعداد، كما تم إقصاء الاستشارة مع المؤسسات الدينية المغربية العريقة، رغم أن عدد المسلمين في فرنسا يقدر بالملايين، فضلا عن الانتشار الكبير للمذهب المالكي، وهو الذي تعرض للإقصاء أيضا في هذا التصور المعروض مؤخرا.

يقول عبد الله بوصوف، المؤرخ والباحث، ورجل الميدان في مثل هذه الأمور بحكم تجربته الكبيرة في المؤسسات الدينية بأوروبا(..)، أن “المشكل الجوهري” يكمن في “أن الدليل لا يعامل الإسلام بوصفه منظومة معرفية قادرة على إنتاج الحلول من داخل أصولها، بل كمادة قابلة لإعادة الصياغة حتى تنسجم مع الإطار الجمهوري، وبهذا المنطق يتحول الدين من فاعل في إنتاج الحلول إلى موضوع لإعادة الضبط والتنميط.. ينتقل مركز الفعل من الداخل، أي من الاجتهاد والتعدد والمدارس والتاريخ الفقهي، إلى الخارج حيث التوجيه المركزي والتوحيد المرجعي. هنا يفقد الدين حيويته، لأن الحيوية تاريخيا كانت ثمرة التعدد والاختلاف المشروع داخل أصول منهجية تضبط الاختلاف ولا تلغيه”، كما يقول: “القاعدة الأساسية التي بُني عليها الدليل هي التكييف والضرورة، وهاتان القاعدتان في أصلهما الفقهي صُمِّمتا لمعالجة الحالات الاستثنائية والظروف الضاغطة، لا لتأسيس تصور دائم ومستقر للممارسة الدينية؛ فحين تتحول الضرورة إلى قاعدة، يصبح الحل بطبيعته مؤقتا، مرتبطا بظرف مخصوص لا بقناعة معرفية متماسكة، ومع مرور الوقت قد يتولد لدى المسلم شعور بأن ما يعيشه ليس تعبيرا أصيلا عن قناعته الدينية، بل تدبيرا ظرفيا يفرضه السياق، بما قد يخلق نوعا من التذبذب الداخلي أو الإحساس بأن الالتزام الديني يتطلب نوعا من المواربة. إعلان العميد في الندوة الصحفية أن هذا العمل ليس إصلاحا أو تجديدا للإسلام، بل مجرد تكييف له، يعزز هذا الإحساس، لأنه يوحي بأن الحلول المقدمة لا تنبع من قدرة الإسلام المعرفية على إنتاج أجوبة من داخله، بل من إعادة تشكيله ليتلاءم مع قالب خارجي مؤقت.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأضاف بوصوف، الذي اشتهر بكونه واحدا من أطر نخبة الصف الأول في الدفاع عن إمارة المؤمنين داخل وخارج والمغرب، أن أخطر ما يستبطنه هذا الدليل، ولو دون تصريح، هو نموذج كَنَسي في إدارة الدين؛ فالإمام وفق هذا التصور يغدو أقرب إلى “كاهن مدني” داخل هرمية واضحة، بدل أن يظل فقيها أو عالما يتحرك في فضاء معرفي مفتوح، فالإسلام تاريخيا تميز بكونه دينا بلا كنيسة تحتكر التأويل، وتشكل الفقه عبر قرون من مدارس متعددة وقراءات متعايشة، يحكمها ما يمكن تسميته بأصول الاختلاف لا منطق الإقصاء.. حين تُقدَّم وثيقة تأطيرية ضخمة لتنظيم ممارسة الإسلام بشكل مركزي، فإنها تقترب من منطق مؤسسي غريب عن البنية التاريخية للمعرفة الإسلامية.

تتمة المقال تحت الإعلان

هذا النمط من الضبط من الأعلى، يعيد إلى الأذهان تجربة تدبير الإسلام في الجزائر خلال المرحلة الاستعمارية الفرنسية، حيث كان الدين موضوع تنظيم وإدارة مركزية، والامتداد التاريخي لهذا النموذج يجعل الدليل أكثر من مجرد وثيقة تنظيمية، إذ يندرج موضوعيا ضمن استمرارية نمط فرنسي في إدارة الإسلام يقوم على الضبط من الأعلى بدل البناء من الداخل، حسب قوله.

نفس المؤرخ، الذي يقف وراء إبداع مصطلح “السردية المغربية” و”الإسلام المغربي” يقول: ((من الناحية المرجعية، أعلن العميد خلال الندوة استشارة مؤسسات كالأزهر والزيتونة ودار الفتوى في الجزائر، ورابطة العالم الإسلامي، مع غياب لافت لجامعة القرويين، رغم وزنها التاريخي والعلمي، ورغم أن فرنسا تضم أكثر من مليوني مغربي يعتمدون نموذج التدين المغربي المعروف بالوسطية والاستقرار؛ هذا الاختيار المرجعي يطرح سؤالا حول المعايير المعتمدة، خاصة وأن القرويين تمثل تقليدا فقهيا حافظ على الاستقرار الديني عبر قرون، بينما عرفت البلدان المرتبطة بالمؤسسات المذكورة أزمات حادة مع التطرف والعنف، كما أن استعمال مصطلح “مسلمو الغرب” نفسه يحمل شحنة جيوسياسية توحي بثنائية “نحن/هم”، وهي ثنائية طالما استثمرها خطاب الإسلام السياسي، فالمسلمون في فرنسا مواطنون ينتمون إلى هذا المجتمع، وليسوا نقيضا لما يسمى “الغرب”. هذا التصنيف، حتى لو كان لغويا بريئا، فإنه يعيد إنتاج مسافة رمزية غير ضرورية.

إضافة إلى ذلك، فإن تهميش الفقه المالكي، الذي ينتسب إليه تاريخيا معظم مسلمي فرنسا، يفتح الباب أمام اللامذهبية التي تتغذى عليها التيارات السلفية، فالمذهب المالكي، بأصوله المرنة مثل العرف، وما جرى به العمل، والاستحسان، وشريعة من قبلنا، يملك أدوات داخلية كافية لإنتاج حلول ملائمة للسياق الأوروبي دون حاجة إلى التلفيق الانتقائي، كما أن استلهام التجربة الأندلسية في التعدد والتعايش كان يمكن أن يشكل سندا معرفيا أغنى من الحلول المقترحة)) (نفس المصدر).

وأخيرا يقول بوصوف: ((قد ينجح هذا الدليل في تقديم أجوبة تقنية سريعة وضبط اللحظة الراهنة، لكنه لا يفتح أفقا معرفيا جديدا للإسلام في فرنسا؛ الانتقال من دين تعددي بلا كنيسة إلى دين مؤطر إداريا قد يحقق انضباطا آنيا، لكنه لا يضمن استقرارا مجتمعيا طويل الأمد. الإسلام في فرنسا لا يحتاج إلى كتاب توجيه مركزي بقدر ما يحتاج إلى فضاء اجتهاد مفتوح يعترف بالتعدد ويعتبره شرط حياة، ويستثمر ثراء تراثه الفقهي، خاصة المالكي، لإنتاج حلول نابعة من الداخل، منسجمة مع المواطنة، دون شعور بالتكييف المؤقت أو التماهي القسري، فحيوية الدين لم تكن يوما في توحيد المرجعية، بل في تعددها المنضبط، وفي هذا التعدد تكمن القدرة على العيش المشترك لا في إدارته من أعلى”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى