المنبر الحر

المنبر الحر | تعديل قانون مهنة المحاماة تحت مطرقة الرأسمالية العالمية

حسوني قدور بن موسى
بقلم: حسوني قدور بن موسى
محامي بهيئة وجدة

 المواطن العادي الذي ليست له معرفة بالسياسة ولا بالقانون، يجهل أهداف تعديل قانون مهنة المحاماة في المغرب معتقدا أن المسألة هي مجرد مراجعة قانونية، لكن في الحقيقة أن الدولة الليبرالية تتبنى في برامجها العامة ومخططاتها الاقتصادية، التوجهات التي ترتكز على حرية السوق وعلى الملكية الخاصة وتقليص دور الدولة، حيث يترك المجال للقطاع الخاص والمنافسة الحرة لتحديد الإنتاج والأسعار (آلية اليد الخفية)، وتهدف هذه السياسات إلى تحقيق النمو من خلال مبدأ “دعه يعمل دعه يمر”، والتركيز على التبادل الحر والمبادرة الفردية.

وعندما تسعى دولة نامية (تابعة) إلى توفيق قوانينها مع النظام الرأسمالي العالمي، فإنها تنخرط في عملية نيوليبرالية شاملة تهدف إلى دمج اقتصادها في السوق العالمية، حيث تتضمن هذه الإجراءات خصخصة القطاعات العامة، تحرير التجارة، تفكيك القيود التنظيمية، وحماية الملكية الفردية، ثم تعديل القوانين بما ينسجم مع النظام الليبرالي، ومن ضمن القطاعات المستهدفة اليوم، مهنة المحاماة، التي تعد مهنة حرة ومستقلة تساهم في تحقيق العدالة، وتشهد تحولا هيكليا لتواكب اقتصاد السوق والعولمة، حيث يتم الانتقال نحو شركات مهنية، وتزايد التنافسية، والاحترافية، مما يفرض ضرورة التوفيق بين أدبيات المهنة (القضاء الواقف) ومتطلبات العرض والطلب، والتحول الرقمي، وضبط الأتعاب.. فهذه التوجهات هي التي أدخلت على قانون مهنة المحاماة الجديد ومنها على الخصوص مسألة التوكيل عقدا قانونيا (وكالة) يفوض بموجبه طرف (الموكل) طرفا آخر (الوكيل) للقيام بتصرفات قانونية، إدارية، أو تجارية، باسمه ولحسابه، بهدف إدارة الأملاك، أو التوسع في السوق، أو تسهيل المعاملات، وتشمل عدة أنواع، كالوكالة التجارية، الوكالة العامة، أو الوكالة الخاصة لإدارة الاستثمارات.

أدخل مشروع القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة في المغرب رقم 66.23، تعديلات جوهرية تهدف إلى تحديث المهنة وتعزيز شفافيتها، أبرزها: رفع شرط الولوج إلى الماستر والحد الأقصى للسن هو 40 سنة؛ إقرار تعاقد نموذجي للشفافية المالية؛ إلزامية التأمين، بالإضافة إلى فتح الباب للمحامين الأجانب؛ الممارسة المهنية ضمن شركات؛ الشفافية المالية والتعاقدية، أي وضع عقد نموذج موحد للأتعاب بين المحامي والموكل، مما يضبط العلاقة بين الطرفين، لوضع حد للنزاعات حول أتعاب المحامي؛ وفرض إعطاء فواتير إجبارية التأمين عن المسؤولية المدنية المهنية، ثم تأكيد إلزامية التوفر على رقم وطني مهني.

تتمة المقال تحت الإعلان

هذه الخطوات غالبا ما تؤدي إلى زيادة الاندماج في الاقتصاد العالمي، لكنها قد تزيد أيضا من حدة الفجوة الطبقية، وتركز الثروة في يد قلة من المحامين، مما يجعل الدولة “طرفا” هامشيا يخدم “مركز” النظام الرأسمالي العالمي.

تتمة المقال تحت الإعلان

تمر مراحل سن القوانين في المغرب عبر المبادرة التشريعية (الحكومة أو البرلمان)، ثم المناقشة والتصويت في البرلمان (مجلس النواب والمستشارين)، ومن الناحية المسطرية، مر تعديل قانون مهنة المحاماة والمسطرة المدنية عبر عدة مراحل، إذ كان يجب على هيئات المحامين أن تبادر إلى طرح تعديل مشروع هذا القانون وعرضه على وزارة العدل مقابل وصل قبل التصويت عليه، مع ممارسة الضغط المهني ضد هذه التعديلات المرفوضة منذ البداية، واستخدام الإعلام والدعوة إلى تضامن المحامين في جميع الهيئات قبل فوات الأوان، عبر حملات لشرح مخاطر هذا التعديل الجديد غير المرغوب فيه، حسب رأي جمعية هيئات المحامين، لكن السكوت عن هذا التعديل الذي كان محتفظا به في خزانة وزارة العدل بعيدا عن أنظار المحامين، وتمريره من خلال أيادي خفية وأصحاب الأطماع والمصالح الخاصة التي تسعى إلى وضع قوانين تخدم مصالحها وتحافظ على امتيازاتها والسكوت عن معارضته في الوقت المناسب، كل هذا يعتبر خطئا فادحا يصعب تجاوزه اليوم، بحكم أن مهنة المحاماة ليست كباقي المهن، لا تتحمل الضغوطات والأعباء لارتباطها بقطاع حيوي في الحياة الاجتماعية.

يقال عن المحاماة أنها إحدى أجنحة القضاء الذي لا يتحمل تأخير مصالح المواطنين من جهة، ومن جهة أخرى، أن معظم المحامين الشباب ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، ومن واجب هيئات المحامين أن تدعمهم ماديا لضمان استمرارهم في مهامهم وعدم وقوعهم في مشاكل مهنية واجتماعية.

تسعى الدول عبر تعديل قوانينها الوطنية إلى خدمة مصالحها الدولية، حيث تتبنى القوى التعديلية (مثل روسيا والصين)، استراتيجيات خطابية ومادية لإعادة تشكيل النظام الدولي الجديد وتغيير الوضع القائم. هذا السلوك يعكس التكيف مع التحولات الدولية، واستخدام القوة (المادية والناعمة) للتأثير في القوى الأخرى.

في إطار مراجعة النظام الدولي، تسعى الدول “التعديلية” أو “المراجعة” إلى تعديل القوانين لإبراز دورها في المشهد الدولي، وفي سياق القوة والسياسة الخارجية، توظف الدول عناصر قوتها لتعديل سلوك الفاعلين الآخرين، وتعتبر القوانين الوطنية أداة ضمن السياسة الخارجية لتكريس مصالحها الاقتصادية وكذا الدبلوماسية والأمنية، وتلعب المنظمات الدولية والإقليمية دورا في توجيه التعديلات القانونية في الدول المتخلفة، خاصة لخدمة مصالح القوى العظمى في مجالات الأمن والتنمية، وتتبنى بعض الدول التعديلات الدستورية كأداة لتعزيز سلطتها وتوجيه سياساتها الوطنية لتتماشى مع استراتيجياتها الدولية.

تستند هذه الإجراءات إلى منظور واقعي يرى الدولة فاعلا رئيسيا في العلاقات الدولية، يسعى إلى ضمان مصالحها حسب ما توضحه الدراسات في دور القوى التعديلية في إعادة تشكيل النظام الدولي العالمي الجديد، ولهذا فإن هذه التعديلات لا يمكن أن تتم بمعزل عن السياسة العامة للدولة، التي يرى مهندسوها أن تكون منسجمة مع النظام الرأسمالي العالمي الجديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى