تقرير | منهجية 360 درجة.. أي دور في تحديث الإدارة القضائية ؟


عضو الودادية الحسنية للقضاة
وأستاذ زائر بكلية الحقوق
يعد النظام القضائي أحد الركائز الأساسية للدولة الحديثة، كما أنه يشكل مؤشرا مركزيا على مستوى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية داخل أي مجتمع، ولا يمكن الحديث عن عدالة فعالة دون موارد بشرية مؤهلة، إذ يظل الرأسمال البشري غير المادي، حجر الزاوية في كل مسار تنموي ناجح.
في هذا السياق، نستحضر ما جاء في خطاب الملك محمد السادس، بمناسبة عيد العرش لسنة 2014، حيث أكد جلالته أن الرأسمال البشري غير المادي أصبح من بين أحدث المعايير المعتمدة دوليا لقياس القيمة الشاملة للدول.
لقد رسم هذا الخطاب خارطة طريق واضحة لإصلاح وتثمين الموارد البشرية، باعتبارها رافعة للتنمية ومصدرا لقيمة الدولة، وتحقيقا لهذه الغاية، بات لزاما على الدولة اعتماد تقنيات وبرامج حديثة تنسجم مع روح هذا التوجيه الملكي.
وفيما يتعلق بالمؤسسة القضائية، فإن مفهوم الموارد البشرية يشمل أساسا قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة، إلى جانب باقي الأطر العاملة داخل الجهاز القضائي. وتُعد ترقية هذه الموارد وتطويرها، من بين الركائز الأساسية لتحسين أداء مرفق العدالة والرفع من جودة الخدمة العمومية القضائية، غير أن بلوغ هذه الأهداف يظل رهينا باعتماد أنظمة وأساليب حديثة تتلاءم مع التحولات الراهنة وآفاق القرن الحادي والعشرين.. وفي هذا الإطار، تبرز منهجية التقييم بزاوية 360 درجة كأحد النماذج المعتمدة في عدد من الدول المتقدمة، حيث تحولت إلى خيار استراتيجي داخل الإدارات العمومية لتقييم كبار المسؤولين..
وقبل الخوض في تفاصيل هذه المنهجية، تجدر الإشارة إلى أن طريقة 360 درجة نشأت في القطاع الخاص، وتم اعتمادها لأول مرة من طرف Center for Créative Leadership بالولايات المتحدة الأمريكية.
وترتكز هذه التقنية على تقييم كفاءات المسؤول بدل الاكتفاء بمعارفه أو مؤهلاته الأكاديمية، إذ تهدف إلى قياس الإمكانات البشرية للفرد ورسم صورة شاملة ودقيقة لأدائه المهني من خلال محيطه الوظيفي.. ويتم ذلك عبر إشراك الرؤساء، والزملاء، والمرؤوسين، إلى جانب اعتماد التقييم الذاتي.
وتكمن أهمية هذه المنهجية في تجاوز النظرة الأحادية التي قد يشوبها طابع ذاتي أو شخصي، وذلك من خلال تجميع عدة تصورات حول أداء المسؤول القضائي.. كما تُسهم هذه المقاربة في تعزيز مهارات savoir-être وsavoir-faire، وإعداد الكفاءات لتحمل مسؤوليات أعلى.
ولا يقتصر هذا التقييم على المردودية المهنية فحسب، بل يمتد ليشمل قدرة المسؤول على تحقيق الأمن القضائي، والتفاعل الإيجابي مع محيطه، والمساهمة في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للإدارة القضائية.
وفي هذا السياق، تُعد تجربة وزارة الداخلية المغربية مثالا دالّا، حيث اعتمدت بشكل تدريجي ممارسات مستوحاة من منهجية 360 درجة في إطار تحديث الإدارة الترابية، ولم تعد عملية تقييم رجال السلطة قائمة فقط على رأي الرؤساء المباشرين أو معيار الأقدمية، بل شملت أيضا الأداء الميداني، والقدرة على التدبير والقيادة، وجودة العلاقة مع المواطنين، والالتزام بالقيم الأخلاقية والمهنية.
وقد مكنت هذه المقاربة الوزارة من تعزيز مبادئ الحكامة الجيدة وتحسين جودة الخدمات العمومية، فضلا عن تحديث منظومة تدبير الموارد البشرية برمتها.
وانطلاقا من هذه التجارب، يبرز اليوم توجه متزايد نحو الحاجة إلى أطر عليا قادرة على العمل التشاركي مع مختلف الفاعلين داخل الدولة، حيث لم تعد الكفاءات التقنية (Hard Skills) وحدها كافية، بل أضحت المهارات السلوكية (Soft Skills) عاملا حاسما في تحقيق النجاعة والأداء.
وفي هذا الإطار، فإن اعتماد منهجية 360 درجة من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية يُعد خيارا استراتيجيا واعدا، من شأنه الإسهام في تحديث منظومة تدبير الموارد البشرية داخل المؤسسة القضائية، وتعزيز نجاعتها، بما ينعكس إيجابا على أداء العدالة وخدمة المتقاضين.



