متابعات | لماذا تراجعت مشاريع السدود بعد رحيل الحسن الثاني ؟
في ظل تدبير مخاطر الفيضانات التي تحيط بالمدن وتخزين الموارد المائية، يعود إلى الواجهة موضوع السدود التي تعتبر صمام أمان الأمن المائي في المغرب، والتي كانت بفضل سياسة الملك الراحل الحسن الثاني، الذي كانت لديه قراءة مستقبلية لأهمية هذه المنشآت الكبرى في تأمين المدن والقرى من مخاطر الفيضانات وتحقيق التنمية الاقتصادية والصناعية..
إعداد: خالد الغازي
شكلت سياسة السدود التي نهجها الملك الراحل الحسن الثاني، محطة تاريخية وطنية، حققت الأمن المائي وحمت البلاد من ظواهر الجفاف المتوالية والتغييرات المناخية، كما كانت الدرع الحصين الذي يحمي المغاربة من خطر الكوارث الطبيعية والفيضانات، خاصة وأن السدود الكبرى المنتشرة في العديد من الجهات، لم تكن مجرد منشآت للتخزين فقط، بل إنها كان تلعب دور الفرامل وقلاعا تقوم بتحمل ثقل وضغط الحمولات المائية القادمة من السيول ومن الجبال، وتمنعها من الوصول إلى القرى والمدن الواقعة في المناطق السفلى.
اليوم، يرى العديد من المغاربة أن سياسة السدود التي نهجها الحسن الثاني في الثمانينات والتسعينات، تراجعت بشكل كبير أو أصبحت بطيئة؛ فرغم بعض المشاريع هنا وهناك، إلا أن مشاريع السدود الكبرى لم تعد قائمة كما كانت من قبل رغم بناء منشآت رياضية كبرى، مما يطرح تساؤلات كثيرة لدى المغاربة حول الأولويات الضرورية مثل بناء سدود كبرى جديدة عوض الاعتماد على السدود القديمة التي أصبحت في حاجة إلى الصيانة والمواكبة والإصلاح.

في هذا الصدد، يقول عمر ودادي، المنسق الوطني لقطب الماء في الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة، أن المغرب كان سباقا في عهد الحسن الثاني لنهج سياسة السدود من أجل تدبير الموارد المائية السطحية، وهي سياسة أعطت أكلها، والمتمثلة في بناء السدود باعتبارها خزانات سطحية، مكنت المغرب من قدرة تخزين تناهز 19 مليار متر مكعب، من خلال 149 سدا على المستوى الوطني، وطبعا بالاستمرار في سياسة بناء السدود وعيا من الدولة بإكراه التغيرات المناخية وضرورة تدبير مواردها المائية والأمن المائي، خصوصا وأن موارد الماء الجوفية تشكل فقط 25 في المائة، بمعنى أنه لا بد من تعزيز الخزانات السطحية.
وأضاف نفس المتحدث، أنه عند اتباع مسار إنجازات السدود، سنجد أن السرعة تغيرت، بحيث أن أكبر سد في عهد الحسن الثاني كان سد الوحدة، لكن واكبته تغييرات في الاستراتيجية مع الاستمرار في بناء السدود، باختلاف الإيقاع والوتيرة، وقد يناقش صيانة المنشآت المائية المهمة التي تأثرت بسبب توالي سنوات الجفاف، وحصل تراخي في مسألة الصيانة، خاصة ظاهرة التوحل التي تعرفها السدود وتؤثر على خزينتها، بالإضافة إلى التغيرات المناخية واستحضار سنوات الجفاف، لهذا فإن ما تعرفه بلادنا اليوم من أمطار غزيرة سيؤدي إلى هذه الوضعية، وما نتمناه أن تكون الخسائر ضئيلة، مذكرا بأن الاستراتيجية الوطنية للماء استمرت بوتيرتها العادية، حيث أن كل الجهات يجب أن تتوفر على عدد كافي من السدود كخزانات مائية، ولكن الأساسي ما يتم إنجازه بين الأحواض المائية في إطار التضامن بين الجهات وتدبير فائض المياه، والذي ستكون له نتائج ممتازة وسيمكن المغرب من تخزين كميات كبيرة في جهات تتضمن نسبة ملء ضعيفة.
وأوضح المتحدث ذاته، أن عدم إنجاز سدود أخرى مثل سد الوحدة في بقية الجهات، يرجع إلى أن المنشآت المائية الضخمة مكلفة ماديا، إذ أنه قبل الشروع في إحداث هذه السدود، لا بد من دراسة الأثر والجدوى، وعند الحديث عن جهة درعة تافيلالت مثلا، فالظروف في هاته المناطق لا تسمح ببناء سد مثل الوحدة، ولكن هذا لا يمنع من بناء السدود المتوسطة والصغيرة فهي الأخرى لها أهمية كبيرة في مختلف الجهات، والأهم من ذلك، أن يكون الربط بين هذه المرافق عوض أن تضيع كميات مائية مهمة إلى المصب أو البحر تستفيد منها جهات أخرى.
وحسب نفس المتحدث، فإن المغرب يبقى من الدول التي حاولت تدبير مواردها المائية بشكل جيد، رغم أنه تأخر في تنزيل استراتيجية الماء، ولو واكبها بالجدية والسرعة اللازمتين، لربحنا الشيء الكثير ولتفادينا عددا من الأزمات المرتبطة أساسا بتوالي سنوات الجفاف قبل أن تحصل كارثة الفيضانات، مشيرا إلى أن ما نعيشه اليوم من مخاطر محدقة، مرتبط بتغييب الصيانة وتنقية وصيانة قنوات تصريف المياه بشكل مستمر، خاصة في ظل التحولات المناخية التي تعرفها البلاد.
وقد التزمت الدولة بإنشاء السدود خلال المرحلة الانتقالية ما بين سنة 1956 و1967، حيث تم تشييد ثلاثة سدود بهدف تزويد السكان بالماء الصالح للشرب وتوليد الطاقة الكهربائية، ويتعلق الأمر بكل من سد النخلة في الشمال سنة 1961، لتزويد مدينة تطوان بالماء الشروب، وسد أسفي سنة 1965، وسد محمد الخامس على وادي ملوية سنة 1967، لتوليد الطاقة الكهربائية، مبرزا أن الانطلاقة الفعلية لسياسة السدود في المغرب جاءت مع خطاب الملك الحسن الثاني بمناسبة الذكرى السادسة لعيد العرش سنة 1967، حيث كشف عن المخطط الخماسي 1968-1972، والدوافع الرسمية وراء قرار الشروع في سياسة السدود التي خصصت لها 15 في المائة من الميزانية، منها: الاستثمار في المساحات الصالحة للزراعة وتنمية الزراعات الكثيفة؛ الاستجابة لحاجيات السكان من الماء الصالح للشرب، خاصة مع الانفجار الديمغرافي؛ توسيع المساحة المسقية بالوصول إلى سقي مليون هكتار؛ الرفع من مداخيل سكان القرى وزيادة مناصب الشغل؛ الزيادة في كمية الصادرات؛ تحقيق العدالة المائية بين المجالات؛ ضبط جريان مياه الأنهار واحتواء أثار الفيضانات، وبالتالي حماية الأراضي وإحيائها؛ وتقليص التبعية للخارج في مجال الطاقة.
لقد كان من الأهداف الرئيسية لسياسة السدود هو تحقيق الأمن الغذائي، حيث تم تشييد أكبر عدد من السدود التلية في المناطق التي تعرف شحا في التساقطات المطرية في الشمال الشرقي للبلاد والجنوب، لكونها أقل تكلفة ولها أثار إيجابية على المجال القروي، إذ كانت سنة 1985 البداية الفعلية لهذه السدود بعدما أنجزت ثمانية سدود، وفي السنة الموالية بلغ العدد عشرين سدا، ومع نهاية عقد الثمانينات، تم إنجاز حوالي 200 سد تلي، ليتواصل نفس التوجه مع مخطط مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية ما بين سنة 1988 و1992، عبر توسيع رصيد المنشآت المائية بإنجاز سد كل سنة ومواصلة الجهود لإنجاز السدود التلية، وتدعيم أعمال الإصلاح والصيانة، وتوسيع ميدان دراسات التخطيط المائي، كما تم إصدار قانون الماء لتلافي القصور الحاصل في التشريع، ومعه تم وضع قوانين تنظيمية تحدد قواعد استغلال مياه السدود، حيث كانت سياسة السدود ذات فعالية كبيرة في نهاية القرن العشرين ولعبت دورا مهما في تطوير القطاع الفلاحي والتنمية القروية.

من جهته، يقول محمد بنعبو، خبير في المناخ والتنمية المستدامة، أن سياسة السدود في المغرب كان لها دور مهم في تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية، عندما كانت البلاد تمر بفترة الجفاف، وكما يعلم الجميع، فهي تلعب دورا مهما في حماية القرى والمدن من الفيضانات، ومن التقلبات المناخية التي تكون أضرارها كبيرة جدا على البنية التحتية والأرواح والممتلكات، كما يبقى الدور الرئيسي لها هو إنتاج الماء الصالح للشرب ومياه السقي بالنسبة لبعض السدود وإنتاج الطاقة الكهربائية، بالإضافة إلى تدبير المياه واستعمالها على المدى الطويل، لا سيما وأن المغرب مر من سبع سنوات من الجفاف، والسياسة المائية تشتغل على محورين رئيسيين: تدبير الماء عند الوفرة، وفي حالة الندرة.
وأضاف نفس المتحدث، أن المغرب نهج مخطط بناء السدود منذ عهد الحسن الثاني واستمر في عهد الملك محمد السادس مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية للماء سنة 2009، التي لم تر النور في وقتها الحقيقي، لكن مع إطلاق البرنامج الوطني لتدبير الماء الصالح للشرب ومياه السقي في سنة 2020، تم إطلاق مشاريع بناء عشرة سدود، التي في طور الإنجاز والتنفيذ، بحيث أن هناك مناطق فيضية تعرف فيضانات تم إنشاء سدود فيها من أجل حمايتها، مثل صفرو وكلميم ومجموعة من المناطق التي كانت عبارة عن نقاط سوداء، وعرفت فيضانات، مؤكدا على أهمية دور السدود الكبرى في مواجهة مختلف الظواهر مثل الجفاف والإجهاد المائي والحماية من الفيضانات بالدرجة الأولى.
وشدد المتحدث ذاته على ضرورة إعادة النظر في الأدوار التي تلعبها وكالات الأحواض المائية بالمغرب، خاصة عندما نتحدث عن تدبير الأحواض المائية في ندرتها وتفعيل آليات الحكامة، في ظل ضياع الموارد المائية وتفريغها مباشرة في البحر، ثم بعد ذلك نتحدث عن الخصاص ونقص المياه، وهو مشكل يطرح سؤال الراهنية وسؤال المستقبل، وتبقى هذه من بين الاستراتيجيات التي يجب على القطاع الوصي أن يشتغل عليها، عبر إعادة النظر في طرق اشتغال الوكالات ومراقبة الموارد في حالة الندرة والإجهاد المائي، مشيرا إلى أن الأحواض المائية الكبرى مثل سبو وأم الربيع واللوكوس، تحتضن سدودا كبيرة مثل الوحدة والمسيرة وبين الويدان، ووادي المخازن الذي يعتبر من أكبر السدود من حيث حقينته التي تصل لـ 670 مليون متر مكعب، وهو المصدر الرئيسي لتزويد المنطقة الشمالية.
وتحدث نفس المصدر عن مسألة الربط بين الأحواض المائية، وأهميتها من أجل حماية المناطق المحيطة بها من خطر الفيضانات وعدم ضياع المياه وتحقيق التوازن المائي بين الجهات، إلى جانب ضرورة القيام بدراسات تقنية وعلمية قبل إقامة أي مشروع، لمعرفة الجدوى من بناء السد في منطقة معينة.
ويرى العديد من المراقبين، أن هناك تقصيرا من قبل الدولة في بناء السدود الكبرى ضمن الأوراش الكبرى، التي عرفت إنجاز منشآت أخرى في عدة قطاعات وكلفت ميزانيات ضخمة، لكن سياسة السدود تراجعت بشكل كبير، حيث كان من الممكن بناء سدود كبرى جديدة مثل ملاعب كرة القدم، يكون دورها أمني للحد من خطر الفيضانات التي تكتسح بعض الأقاليم والجهات، مما يتطلب إحداث مؤسسة وطنية للإشراف على مشاريع السدود وإنجاز دراسات في هذا الشأن، خصوصا وأن الإشكالية الحالية التي يعاني منها القطاع، تكمن في غياب دراسات دقيقة مواكبة للمشاريع، والبطء في إنجاز السدود المتوسطة، لأن إطلاق مشروع سد يتطلب دراسة مهمة تنظر لجميع الحيثيات والأمور المحيطة بالمشروع، سواء التربة أو التضاريس أو التصاميم، ثم مسألة تصريف المياه والمناطق المجاورة للسد.



