تقرير | الشراهة التي تسبق رمضان في البرلمان


تنوعت آيات الطعام في القرآن الكريم بين الحث على تناول الطيبات، وتفصيل المحرمات، والتركيز على شكر الله، وإطعام المساكين، حيث ذكرت لفظة “طعام” 48 مرة و”أكل” 72 مرة، مما يبرز أهمية التغذية في الإسلام، ومبادئ حلالها وحرامها، وآدابها (آل عمران، الآية: 93)، (البقرة الآيات: 168، 172 و173)، فيما ذُكر شهر رمضان المبارك بشكل صريح في القرآن الكريم في موضع واحد، وتحديداً في سورة البقرة (الآية 185)، بينما وردت أحكام الصيام وفضائله في سورة البقرة الآيات 183-187، والتي تشمل فرض الصيام، الرخص للمريض والمسافر، ليلة القدر، وآداب الصيام.
وعلى العكس تماما مما فصَّله القرآن الكريم بشأن صيام رمضان، تُحاصِرنا الأنباء والتصريحات من كل فاه، بشأن تموين الأسواق وكفاية المنتجات الغذائية خلال هذا الشهر الفضيل كلما هلَّ شهر شعبان حتى إن حالة من الطوارئ الغذائية تشعُر بها وتحسُّها وتلمسُها قبل وخلال هذا الشهر المخصوص بالنص القرآني الصريح للصوم، ويتحول إلى كرنفال للأكل وما لذ وطاب من الشهيوات، بلُغة المغاربة، ويستفحل السلوك الشَّرِه إلى الطعام وعلى الطعام طيلة أيام شهر رمضان، يُختَتم بحفلة يوم عيد الفطر.
وقد أثارني الموضوع وأنا أستمع سهوا إلى جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب ليوم 2 فبراير 2026، حيث كان مبرمجا توجيه أسئلة من طرف ثلاثة فرق برلمانية إلى وزير الصناعة والتجارة حول الموضوع كالتالي: “الاستعدادات الجارية لمحاربة أي تلاعب بأسعار وتموين الأسواق خلال شهر رمضان المبارك”؛ “انتظام التموين واستقرار السوق قبيل وخلال شهر رمضان”؛ “ضمان التموين ووفرة المواد واستقرار الأسعار خلال شهر رمضان المبارك”..
وخلال لعبة السؤال العام والجواب الأعم، والتعقيب الماكر والرد الأمكر.. تَكشَّفت لي جوانب أخرى من الموضوع وكأني بممثلي الأمة والحكومة يناقشون مشكل الشراهة التي يُكشِّر عنها السواد الأعظم من المغاربة خلال هذا الشهر. وبالفعل لم يكن النقاش مُنصبًّا على الصيام وأحكامه وفضائله ورُخصِه، بل كان مُنصباًّ على كيفية مواجهة/ الاستجابة لسلوك الشراهة الذي يستفحل خلال هذا الشهر.
وبالمناسبة، يوضح قاموس المعاني فعل شَرِهَ ومشتقاته كما يلي: شرِه إلى الطَّعام/ شرِه على الطَّعام وغيرِه: اشتدَّ طلبُه له وحرصه عليه. أكل بشراهة: بنهَم. رَجُلٌ شَرِهٌ: مَنْ يَأْكُلُ بِنَهَمٍ وَجَشَعٍ/ شديد الشّهوة للطّعام والحرص عليه. الشراهةٌ: الرَّغْبَةُ الْمُلِحَّةُ في الطَّعَامِ، اِشْتِدَادُ الحِرْصِ عَلَيْهِ، الاشْتِهَاءُ.
وفي مجال الطب، يقصد بالشراهة: الجوع الشديد الذي يرافق بعض الأمراض، وداء السكري أحيانا.
ورغم أن تعريف الصوم عند الفقهاء يرتبط أساسا بالامتناع عن الشهوة، شهوة البطن هنا، ورغم أن القاموس يربط بين الشراهة والشهوة/الاشتهاء، إلا أن سلوك الاشتهاء والتلهف على الطعام هو الشائع بين الناس خلال هذا الشهر.
تُرى، لماذا هذه الشراهة للطعام وعلى الطعام خلال هذا الشهر بالذات؟ لماذا نصوم رمضان بالإقبال الشديد على شهوة البطن وليس بالامتناع عنها ؟
لا يهمني في هذا الموقع التفسير الفقهي بقدر ما يهمني التفسير النفسي/الاجتماعي/ المادي للحالة.. ولعلها تجد جذورها في عمق تاريخ الغذاء/الفاقة والفقر التي عانى منها المغرب في عقود غابرة، أنتجت “المطمورة” كرد فعل على الخوف من الحاجة في المستقبل، وتتجلي بعض مظاهرها اليوم في “الرْبَل” الذي يُعَمِّر أركان كل بيت.. تلك الأشياء المهملة التي نخاف من الحاجة إليها يوما ما رغم أننا تَخلَّينا عن استعمالها/استغلالها عمليا، وتَضخَّم هذا الإحساس بالخوف من المستقبل، بالرياء الاجتماعي وقلة الوعي وضعف الإيمان وهشاشة أسسه.
اليوم لعل للرأسمالية يد في تجذر هذا “الانقلاب” على الأمر الإلهي المتضمن في الآيات البينات المفصلة في موضوع الصيام، استغلَّت فيه نقطة الضعف لدى الإنسان ذات العلاقة بالحاجة الطبيعية للغذاء/ للبقاء، وتكالبَت عليه الدعوات إلى الاستهلاك من كل جهاز، بالصوت والصورة.. تَتلاعبُ بعقله اللاواعي في ظل خمول عقله الواعي، وربما تَعطُّلِه.
الرأسمالية لا تهمها التقوى والزهد في ملذات الحياة “متاع الغرور”، وإنما هذه الملذات هو موضوعها وهدفها ومبتغاها، التجارة وكسب الأموال هو الرهان الوحيد، شعارها “أينما يوجد الدرهم نحن أصحابه” ولا تهم الوسيلة، وبالموازاة تغيب مؤسسات الوساطة والتأطير والتوعية والتحسيس، مدنية كانت أو دينية، أو ما عادَ خطابُها مُقنِعا أمام خطاب الرأسمالية وتَعدُّدِ قنواته وأساليبه وتقنياته.. وكل رمضان وصيامكم مقبول.



