المنبر الحر

المنبر الحر | التربية الأخلاقية.. ضرورة إصلاحية في منظومة التعليم

الحسن العبد
بقلم: ذ. الحسن العبد

 أضحى من المسلّم به اليوم أن أزمة التعليم في عالمنا الإسلامي ليست أزمة مناهج أو بنايات فحسب، بل هي في جوهرها أزمة قيم ومعنى؛ فالمؤسسات التعليمية وإن نجحت أحيانا في تخريج أطر متخصصة وكفاءات تقنية، فإنها كثيرا ما أخفقت في أداء رسالتها الأسمى: بناء الإنسان أخلاقيا وروحيا قبل أن يكون معرفيا ومهنيا.

إن التربية في مفهومها الشامل، لا تقتصر على نقل المعارف والمهارات، بل تهدف أساسا إلى تشكيل شخصية متوازنة، واعية بمسؤوليتها تجاه نفسها ومجتمعها وخالقها، ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة إعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية الخاصة بنا، والمستمدة من تعاليم الإسلام السمحة، باعتبارها مرجعية أصيلة قادرة على تحصين الناشئة من التيه القيمي والانفلات السلوكي.

لقد جعل الإسلام من الأخلاق لبّ الرسالة وجوهرها، إذ يقول النبي ﷺ: “إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق”؛ فالصدق، والأمانة، والعدل، والإحسان، واحترام الآخر، وحب العمل.. كلها قيم مركزية لا غنى عنها في بناء مجتمع سليم ومتماسك، وإدماج هذه القيم في المنظومة التربوية لا ينبغي أن يظل حبيس مقررات التربية الإسلامية فقط، بل يجب أن يتجلى في مختلف المواد الدراسية، وفي سلوك المدرس، وفي مناخ المؤسسة التعليمية ككل.

تتمة المقال تحت الإعلان

غير أن المدرسة، مهما عظُم دورها، لا يمكن أن تنهض بمهمة التربية الأخلاقية وحدها، فالأسرة تُعدّ اللبنة الأولى والأساسية في بناء القيم، وهي المحضن الأول الذي يتشكل فيه وعي الطفل وسلوكه؛ ففي كنف الأسرة يتعلم الناشئ معنى القدوة، واحترام الكبير، والرحمة، وتحمل المسؤولية، ومراقبة الله في السر والعلن، وإذا غابت القيم داخل البيت، أو تناقض القول مع الفعل، فإن جهود المدرسة تبقى محدودة الأثر مهما بلغت جودة برامجها.

تتمة المقال تحت الإعلان

وإلى جانب الأسرة، يضطلع المجتمع بدور تكميلي وحاسم في ترسيخ الأخلاق الإسلامية، من خلال ما يسود فيه من أعراف إيجابية، وروابط تضامن، ونماذج صالحة في الفضاء العام؛ فالمسجد، والجمعيات التربوية، ومؤسسات المجتمع المدني، هي فضاءات قادرة على الإسهام في التنشئة السليمة متى ما قامت بدورها في التوجيه والتأطير، وربط القيم بالسلوك اليومي والممارسة الواقعية.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال التأثير المتعاظم لوسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، التي أصبحت فاعلا تربويا غير مباشر، بل وأحيانا أكثر تأثيرا من المدرسة والأسرة، فإما أن تكون هذه الوسائل أداة لبث القيم النبيلة، وتعزيز الأخلاق الإسلامية، وتقديم نماذج إيجابية ملهمة، وإما أن تتحول إلى مصدر لتطبيع العنف، والاستهلاك المفرط، والانحلال القيمي، وتشويه المرجعيات، ومن ثم تبرز ضرورة تحمّل الإعلام لمسؤوليته الأخلاقية، ووعي الأسر والمربين بخطورة المحتوى الموجّه للأطفال والناشئة، مع ترسيخ ثقافة الانتقاء والنقد والضبط.

غير أن الدعوة إلى ترسيخ القيم الإسلامية لا تعني بحال من الأحوال الانغلاق أو رفض الآخر، بل إن الإسلام ذاته دعا إلى الحكمة والانفتاح، وإلى الاستفادة من كل ما هو نافع للإنسان أيا كان مصدره ما دام لا يتعارض مع ثوابتنا وهويتنا. فالتفاعل الإيجابي مع الثقافات المختلفة، والاقتباس من تجارب الأمم الناجحة في مجالات التربية وحقوق الإنسان وتنمية التفكير النقدي، يمثل إثراءً لا تهديدا، وقوة لا ضعفا، فالتحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة: تربية متجذرة في قيمنا الإسلامية، تتكامل فيها أدوار المدرسة والأسرة والمجتمع والإعلام، ومنفتحة بعقل واعٍ ونقدي على العالم، قادرة على تخريج أجيال تعتز بهويتها، وتتقن أدوات العصر، وتسهم في الحضارة الإنسانية بدل أن تذوب فيها أو تنعزل عنها.

إن إصلاح التعليم يبدأ بإصلاح منظومته القيمية، فبغير الأخلاق يتحول العلم إلى أداة بلا روح، وقد يصبح خطرا بدل أن يكون نافعا، أما حين تتأسس التربية على القيم الإسلامية، وتتقاسم مسؤوليتها مختلف مؤسسات التنشئة، وتنفتح في الآن ذاته على الإيجابي من الثقافات الأخرى، فإننا نكون قد وضعنا لبنة أساسية في بناء إنسان متوازن، ومجتمع راشد، وأمة قادرة على النهوض بثقة ووعي.

في الختام، يظلّ التمسك بالهوية والخصوصية الإسلامية صمّام أمان في مسار إصلاح منظومتنا التربوية، ليس بوصفه انغلاقا أو تعصبا، بل باعتباره مرجعية قيمية تمنحنا القدرة على التعامل بحكمة ورشد مع باقي الأديان السماوية والثقافات الإنسانية، فالإسلام، في جوهره، دين توازن ووسطية، يحثّ على التعارف والتعايش، وفي الوقت ذاته يضع حدودا واضحة تحفظ العقيدة وتصون القيم وتمنع الذوبان، كما أن هويتنا المرتكزة على الدين المحمدي، بما يحمله من أخلاق سامية وتشريع حكيم، قادرة على مواجهة كل التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة إذا ما أُحسن ترسيخها في نفوس الناشئة تربية وسلوكا وقدوة، وليس لنا في هذا المسار أسوة أسمى من الرسول الكريم محمد ﷺ، الذي جمع بين الثبات على المبدأ والانفتاح على الآخر، وبين قوة الإيمان ورحابة الخلق، فكان نموذجا إنسانيا خالدا للتربية على القيم، ومرشدا عمليا لبناء الإنسان الصالح والمجتمع المتوازن، في كل زمان ومكان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى