المنبر الحر

المنبر الحر | بين نكسة “الكان” وحلم “المونديال”

بقلم : عبد العالي عبد ربي

انقضى صخب الملاعب، وبقيت غصة في الحلق.. هكذا يمكن تلخيص مشهدنا الوطني بعد ختام تظاهرة كأس إفريقيا للأمم بالمغرب؛ لحظات تنظيمية باذخة، انتهت بنهاية حزينة في معناها الرياضي، لكنها عميقة في دلالاتها السياسية والاجتماعية، حيث كانت هذه الدورة “بروفة” كبرى وتدريبا عمليا لرهان 2030، لكنها أيضا كانت مرآة عكست لنا عيوبا في “سيكولوجيتنا” الجماعية وفي آلتنا الإعلامية، وجب تقويمها قبل أن نلتقي بالعالم في عرسنا المشترك مع الجارين الإسباني والبرتغالي.

فقد عشنا تحت قصف “سردية” معادية، صيغت بذكاء في مختبرات الجوار، روجت لزعم باطل مفاده أن الكأس قادمة للمغرب على “طبق من ذهب” كهدية سياسية، وللأسف، وقعنا في الفخ مرتين؛ مرة حين ساهمنا بحسن نية في تضخيم سقف التوقعات حتى لامس عنان السماء، مصدقين أن وجود نجوم من طينة بونو وحكيمي ودياز.. يجعل اللقب تحصيل حاصل، ومرة ثانية حين عجز إعلامنا “الخجول” عن صياغة سردية وطنية قوية تواجه هذا التضليل وتخرس ألسنة المزايدين الذين حاولوا تصوير الطموح المشروع لرئيس جامعة كرة القدم، فوزي لقجع، وكأنه “تحكم” في مصائر القارة.

إن “فوبيا” إفشال التظاهرة، دفعتنا أحيانا إلى سلوكيات تفتقر لروح الندّية، كالتودد المبالغ فيه لخصومنا (كما حدث مع لاعبي السنغال)، وهو سلوك لا محل له في أعراف كرة القدم التي لا تعترف إلا بالقانون والنتائج؛ فالإفراط في “الحفاوة” أمام الابتزاز بالانسحاب لا يُفسر ككرم حاتمي، بل يُقرأ في عيون المتربصين كشهادة إثبات على تلك “الهدايا” المزعومة.

تتمة المقال تحت الإعلان

أما الأخطر، فهو ما طفا على السطح بعد الصدمة الرياضية، من نزعات عنصرية مقيتة ضد العمق الإفريقي والعربي، واستدعاء متسرع لأطروحة المفكر عبد الله العروي حول “المغرب الجزيرة”، وذلك لأن الهروب إلى عزلة “الجزيرة” ليس حلا، بل هو نكسة أخلاقية تتعارض مع العقيدة الدبلوماسية للمملكة وبلاغات ديوانها الملكي، التي ما فتئت تؤكد على الانتماء الإفريقي الصادق، فالمغرب ليس جزيرة معزولة، بل هو منارة في قارة نعتز بها، والمصالح العليا للدولة تقتضي التمسك بهذا التوجه الرسمي مهما كانت خيبات المستطيل الأخضر.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن الدرس الأكبر الذي يجب أن نحمله معنا إلى 2030، هو “فصل التنظيم عن التتويج”، علينا أن نبني بنية تحتية عالمية لأننا نستحقها، لا لننتظر شهادات الثناء من أحد، وعلينا أن نؤمن بأن كرة القدم “غدارة” بطبعها؛ فقد نظمت دول عظمى بطولات كبرى وخرجت منها صاغرة رياضيا، لكنها انتصرت تنظيميا.

لنفتح إذن، الأبواب لجيل جديد من الطاقات الإعلامية الشابة، القادرة على إدارة “صراع الصور” بذكاء وحداثة، ولنتذكر دائما أن عظمة الأمم لا تُقاس بالألقاب التي تدخل خزائنها فحسب، بل بقدرتها على استخلاص الدروس من “النكسات” لتحويلها إلى جسور عبور نحو المجد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى