المنبر الحر

الرأي | قراءة في المشروع الفكري لمحمد أركون..

بنعيسى Benisa
بقلم: بنعيسى يوسفي

  لا يمكن البتة ونحن نتحدث عن كبار المفكرين العرب الذين بصموا تاريخ الفكر العربي بمؤلفاتهم الغزيرة وبأفكارهم ومشاريعهم الفكرية المختلفة، القفز على اسم كبير في هذا الاتجاه، المفكر محمد أركون، الذي يعتبر واحدا من القامات الفكرية التي أخضعت العقل والتراث الإسلاميين إلى معاول وأدوات الحفر والتفكيك، وذلك في سياق تحديثهما ضمن مشروع فكري ضخم، أثار الكثير من الانتقادات ليس في البلدان العربية والإسلامية فحسب، بل حتى في بعض الدول الأوروبية، على سبيل المثال المفكر الهولندي رون هاليبر، الذي تحدث عن فكر أركون في أكثر من كتاب، ولقد استقبلت أفكاره وأطروحاته بشكل نقدي لدى العديد من الدارسين والباحثين الذين وضعوا مؤلفاته وكتاباته تحت مجهر النقاش والمساءلة والتشريح، والحقيقة أن هذا المفكر ما كان ليحظى بكل هذه الأهمية والمتابعة والدراسة لولا الأثر الذي تركه مشروعه البحثي في السيرورة التاريخية والفكرية العربية والإسلامية بشكل عام، والقيمة الفكرية التي ينضح بها، مما جعله يشد انتباه الدارسين والباحثين، خاصة إذا وضعنا نصب أعيننا الكثير من الأمور والأدوات التي وظفها أركون في مشروعه البحثي هذا، من مفاهيم خاصة، ومناهج حديثة، والمتعلقة بالألسنية والسيميائية والتأويل، مع ما صاحبها من أفق واسع للتفكير، ونقد إبستمولوجي وغير ذلك.

فأركون لم يضع حدا يؤطر حقل عمله داخل التراث، من جهة اعتباره أن كل ما أنتجه العقل العربي الإسلامي شفهيا أو كتابيا، فلسفيا أو دينيا، يجب التوقف عنده، والبحث في أسسه وجذوره، مع الالتفات إلى الهامشي والمقصي، وإلى المسكوت عنه، وإلى اللامفكر فيه، وراح يجترح آليات للتأويل، مع تحديد مسافة التمييز ما بين الدائرة التأويلية أو الهيرمنوطيقية، والحالة التأويلية، كما اتخذ أركون من المجاز آلية من آليات التأويل أيضا، انطلاقا من اعتباره الوجه الآخر للمجاز، ورأى بالاستناد إليه أن “الخطاب القرآني خطاب مجازي”، مع تشديده على أن “المجاز ليس مجرد زينة لغوية، بل يمتلك بعدا إبستمولوجيا يفتح آفاق المعنى”، إضافة إلى كشفه الاستخدامات المختلفة للمجاز، وعلاقاتها بالمواقع الاجتماعية وإرادة الفاعلين الاجتماعيين، كما ميز بين المعنى وظلال المعنى، وجعل من هذا التمييز المدخل إلى أشكلة المعنى من طريق التساؤل عن الآليات اللغوية التي تتحكم فيه، لذلك من المهم تبيان مفاصل مشروع محمد أركون البحثي، ونقده والإفادة منه، بل والبناء على ما توصل إليه .

ولعل من أبرز الأفكار والأطروحات التي تناولها محمد أركون وقيض لها حيزا هاما في مشروعه الفكري، هي حول الكيفية التي واجه بها العقل الإسلامي تراث عصر الأنوار الأوروبي، وفي هذا الإطار دعا المثقفين المسلمين إلى تجاوز فكر الأنوار بدمج الأسطورة، بغية إنتاج عقلانيات جديدة، الشيء الذي يقتضي من المثقفين النضال على جبهتين، ضد التطرف الإسلامي، وضد الفكر الغربي المعادي للتقاليد كما يبرزه المستشرقون، لهذا نادى أركون المثقف المسلم إلى بذل جهد روحي وإلى اجتهاد داخلي، لا يمكن الاستهانة به، واستمر في متابعة مفصلة لمراحل هذا الجهاد الروحي، الذي يجب أن يشنه المثقفون على الجهاد الذي يقوده الإسلاميون، والذي يدينه أركون.

تتمة المقال تحت الإعلان

ورغم أن محمد أركون يعد من أشد المدافعين عن العلمانية والحداثة الغربية، بل وأكبر المنبهرين بها، وتحدث في هذا الأمر بشكل مستفيض في معظم كتاباته، إلا أنه في نفس الوقت يؤاخذ عليها إهمالها للبعد الغيبي كمنظومة مرجعية، كما شرح في سياقات أخرى نقص العلمنة في المجتمعات الإسلامية، ويقدم أسبابا اقتصادية واجتماعية لذلك، مثل غياب القوى المنتجة، واعتبر أن أحد المآسي الكبرى التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية، تتمثل في الخلط بين الحقيقة الاجتماعية التي تبينها المطالب الجماهيرية، وبين الحقيقة الخاصة بالرسالة الدينية التي يفسرها كل واحد على طريقته.

تتمة المقال تحت الإعلان

هذا غيض من فيض فكر أركون ومشروعه المتشعب، الذي نذر له كل وقته وجهده، لذلك لا بد من أن يثار حوله الكثير من النقاش، وحتى الكثير من الانتقادات، وهذا طبعا ما حدث مع إنتاجات أركون الفكرية، من طرف جهات متعددة، فبخصوص الفكرة التي تتحدث عن الكيفية التي واجه بها العقل الإسلامي تراث عصر الأنوار مثلا، نجد العديد من النقاد ينتقدون مساهمات ومقاربات محمد أركون لهذا الموضوع بالذات، وقراءاته للتراث الإسلامي، ولفسحات ومساحات التلاقي ما بين المقدس والدنيوي، وذلك بالاستناد إلى أطروحات وأفكار أبرز مفكري وفلاسفة الحداثة، أمثال ألان تورين ويورغن هابرماس وجيل دولوز وليفي شتراوس، وغيرهم، ومن جهة أخرى، يرصد بعض النقاد نقاط ضعف المشروع الفكري الأركوني رغم قوته، وأهمها على الإطلاق هي أنه لم يكن ينطلق من شعور بالانتماء إلى الفكر الإسلامي، بل من دراسته له، وفي مسألة الحداثة وما بعد الحداثة، لم يستخدم أركون مفاهيمها ومقولاتها إلا عندما تبدو له ضرورية في سياق توظيفها في مشروعه الخاص، ولا يشعر أنه ملزم بالنتائج النهائية لتلك المفاهيم والمقولات، ولا يهتم بتوافقها المتبادل، إضافة إلى أنه لم يكترث لكيفية إيصالها لنهاياتها الفلسفية في الحقل التراثي العربي والإسلامي، الذي كرس مشواره البحثي لدراسته ونقده .

فمحمد أركون، شأنه في ذلك شأن الكثير من الفلاسفة والمفكرين، كان يرتكز على أنه “جان جاك روسو” العرب أو “ابن رشد المعاصر في العالم الإسلامي”، لكن المفاجأة هي حين نجد بعض النقاد يستكثرون عليه هذ الاسم، ويصفونه بـ”المستشرق المسلم” كما يذهب إلى ذلك رون هاليبر بالتحديد، رغم أنه معروف لدى جميع الباحثين أن أركون انتقد الاستشراق بشكل عنيف، بل ونجد هذا الناقد يذهب بعيدا ويوثر إسقاط صفة المفكر عن أركون ويطلق عليه وصف “عالم إسلاميات”، مثلما نجد أن المفكر المغربي الكبير محمد عابد الجابري قد قال يوما أن “ما يقوله ويكتبه أركون ما هو إلا ضرب من ضروب علم الكلام، وليس كلاما أو خطابا فلسفيا”، الشيء الذي أثار غضب أركون واشتكى عدم إنصافه من الجابري أولا، ثم من باقي المفكرين والنقاد العرب وغير العرب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى