تحت الأضواء | من المسؤول عن تدمير الغابات التي أوصى الراحل الحسن الثاني بالحفاظ عليها ؟
أكبر جريمة بيئية في محيط العاصمة

الرباط – الأسبوع
فوجئ زوار الغابة الصغيرة في محيط العاصمة الرباط، والمتواجدة بالقرب من مركز الأبحاث القضائية “البسيج” التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بالحالة التي أصبحت عليها رغم أنها تعتبر المنتزه والمتنفس الوحيد لساكنة المدينة، والفضاء الرياضي لأبطال ألعاب القوى والرياضيين والمواطنين الذين يمارسون رياضة المشي أو الجري.
فالغابة هي امتداد تاريخي لغابات المعمورة، وهي توجد في محيط جامعة كرة القدم ومركز محمد السادس، ومشاريع ملكية أخرى(…)، وتنتمي للمجال الغابوي الذي أوصى الملك الراحل الحسن الثاني بحمايته، والغريب أن هذه الغابة المحاذية لشارع الحسن الثاني، شهدت منذ سنة عمليات غريبة وغامضة، تتمثل في اقتلاع الجذور القديمة المقطوعة والتي تم تقطيع أشجارها وأغصانها في ظروف غامضة، رغم الادعاءات بأن الرياح والأمطار هي التي كانت السبب في سقوط بعض الأشجار، لكن عمليات تقطيع الأشجار الرقيقة والغليظة إلى أجزاء صغيرة طولها ما بين المتر والنصف، تطرح تساؤلات كثيرة حول مصيرها، خاصة وأن الكثير من الأشجار التي تم تقطيعها تختفي ويتم نقلها، كما أنه في فترة من الفترات، كانت هناك أثار لعمليات حرق بعض الأشجار في الجهة المحاذية لملاعب القرب، مما يؤكد وجود نوايا إجرامية للاستفادة من الأشجار وتحويلها إلى فحم أو إسقاطها.
خلال الأسابيع الأخيرة، كثرت ظاهرة اقتلاع الأشجار الطويلة من جذورها ومن الأسفل، خاصة في المنطقة المكسوة بالنباتات والتي توجد في قلب الغابة ولا يستطيع الزوار أو الرياضيون الوصول إليها، خوفا من الحشائش أو من وجود ربما زواحف، ما يؤكد أن الفاعلين لديهم نوايا سيئة وإجرامية لاقتلاع الأشجار التي أعمارها سنين طويلة بطريقة خطيرة من الأسفل، وتركها ملقاة على الأرض في انتظار تقطيعها هي الأخرى إلى أجزاء، ما يطرح تساؤلات هل هناك جهة ما تسعى إلى القضاء على الغابة الصغيرة عبر التخلص من أشجارها بشكل تدريجي مع مرور السنوات، أم أن هناك جهة ما تسترزق من هذه الأشجار وتقوم ببيعها في السوق السوداء ؟
ما يحصل في الغابة الصغيرة يعتبر جريمة بيئية خطيرة تستوجب فتح تحقيق قضائي، وتدخل من الجهات المختصة، من وكالة المياه والغابات ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، والنيابة العامة ووزارة الداخلية، لأجل البحث وإيفاد لجنة للتحقيق في عملية اقتلاع الأشجار وعملية التقطيع التي تحصل بين الفينة والأخرى، والوقوف على الأثار الواضحة لاقتلاع الأشجار من جذورها وإخفاء الحفر وأماكن الأشجار، بحيث أن التقديرات تشير إلى اختفاء أكثر من 100 شجرة من الغابة، سواء لظروف طبيعية أو بسبب الإنسان، سواء “الفراقشية” الذين يدخلون الغابة ليلا لجمع الحطب منها وتقطيع الأغصان لبيعها.
ويتساءل العديد من زوار الغابة الصغيرة، التي تعتبر ملكا تابعا للجماعة الترابية، عن السبب في عدم توفير حراس أو دورية تابعة لمصالح الجماعة أو لحراس المياه والغابات، لمراقبة هذه الغابة والمحافظة عليها، وحمايتها من تجار الحطب والخشب وأطماع اللوبيات العقارية التي حولت العديد من الأراضي والفضاءات إلى مشاريع سكنية لتحقيق الأرباح.
يقول الخبير البيئي أيوب كرير، الباحث في مجال التنمية المستدامة ورئيس جمعية أكسجين للبيئة والصحة، أن اقتلاع الأشجار غير مسموح به أبدا، لأنه يعتبر من أخطر أشكال التدبير الغابوي، ولا يتم إلا في حالات استثنائية مضبوطة، مثلا في حالة كانت الأشجار مريضة أو مهددة بالسقوط أو يكون هناك تشخيص تقني متخصص، أو بسبب أشغال مهيلكة لها منفعة عامة واضحة، أو بعد دراسات للأثر البيئي، أو هناك برنامج لإعادة التهيئة، أو التخفيف الغابوي الذي يكون عبر مخطط معتمد من طرف إدارة المياه والغابات.
وأكد نفس المصدر، أن عملية الاقتلاع يجب أن تكون مؤطرة قانونيا، عبر ترخيص مكتوب مرفوق بمحاضر تقنية تحت مراقبة مباشرة من وكالة المياه والغابات، إلى جانب السلطات المحلية والجماعات الحضرية، وعدة متدخلين، مع تعويض الأشجار الذي يجب أن يكون فوريا وموازيا مع بعض التهييئات، مشيرا إلى أن هذه الممارسات هي سلوك نشاهده في العديد من الغابات، خاصة في غابة المعمورة ضواحي الرباط والقنيطرة، والمجالات المجاورة، مشيرا إلى أن الغابات الحضرية تساهم في تقليص خطر التلوث في المدن، وتحد من الغبار، وتقليص الضجيج وتحسين جودة الهواء.
وأوضح المصدر ذاته، أن اقتلاع الأشجار من جذورها يثير الريبة في غياب تواصل رسمي لإعطاء معلومات وتفسير العملية للعموم، في الفضاءات التي يرتادها المواطنون والرياضيون، معتبرا أن هذا التكرار يعتبر جرائم بيئية في غياب التواصل على أن يتم تعويضها، مضيفا أن الأمر يطرح احتمالات حول وجود اختلال في المراقبة وتجاوزات، أو هناك تمهيد غير معلن تتعرض له الغابات في بلادنا لتحويل هذه الفضاءات إلى مجالات عمرانية، أو تدخلات مستقبلية، رغم أنها تكون كارثية على المجالات البيئية والتنمية المستدامة وتشكل طامة كبرى تضرب في عمق الغابات.
واعتبر المصدر نفسه، أن الغابة داخل المدينة مسؤولية مشتركة، الأولى تتحملها الوكالة الوطنية للمياه والغابات، فهي الجهة الوصية قانونيا على الملك الغابوي ببلادنا، ومسؤولة عن الترخيص ومراقبة وحماية الأشجار ومحاربة أي اعتداءات، وأيضا مسؤولية الجماعة الترابية التي تقع الغابة في مجالها الترابي، وبالتالي، تتحمل مسؤولية إدماج المجالات الغابوية ضمن المجال الحضري المستدام، وتوفير الحماية للفضاءات الخضراء والمتنفسات الصحية بحسب القانون التنظيمي 13.14، والمحافظة على البيئة وحماية المجالات الطبيعية، مشيرا إلى ضرورة التنسيق بين الجماعات والوكالة الوطنية لبذل جهود مشتركة للتعاون ومنع أي استغلال غير قانوني للفضاء الغابوي، وأي خلل أو تهاون أو صمت، يعد تقصيرا في حماية الغابة التي تعتبر حقا دستوريا للمواطن في البيئة المستدامة.







