تحقيقات أسبوعية

مع الحدث | حتمية إعادة ترتيب الأوراق الحزبية بعد هزة الأحرار

باحثون يقرؤون التغيير السياسي الأخير

طرح رحيل أخنوش عن حزب التجمع الوطني للأحرار العديد من التساؤلات والنقاش لدى المهتمين بالمشهد السياسي، خاصة وأن خرجته تؤكد وجود العديد من الفرضيات التي كانت وراء رغبته في الرحيل أو دعوته إلى مغادرة سفينة الحزب، لا سيما بعد حراك شباب “جيل زد” الذي كان من أبرز الأسباب التي دفعت أخنوش لمراجعة بقائه في المجال السياسي.

رحيل أخنوش عن حزب التجمع الوطني للأحرار يطرح العديد من السيناريوهات والتكهنات حول خلط الأوراق بين الأحزاب ومختلف التيارات السياسية، خاصة فيما يتعلق بالتحالفات، وحدوث تقارب بين الحزب وبعض أحزاب المعارضة، لا سيما وأن أخنوش كان يعتبر بمثابة العقبة أمام حصول تقارب سياسي، أو تواصل بين حزب التجمع الوطني للأحرار وبقية الفرقاء السياسيين، لا سيما الإسلاميين واليساريين، والذين لهم موقف من أخنوش عكس السنوات الماضية حيث كان يجمعهم تقارب في فترة مزوار والمنصوري.

إعداد: خالد الغازي

تتمة المقال تحت الإعلان

المعروف أن رحيل أخنوش شكل مفاجأة في الساحة السياسية، لكنه طرح العديد من الفرضيات والاحتمالات حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الرحيل، خاصة وأن حزب التجمع الوطني معروف لدى الرأي العام ولدى المحللين بالحزب الإداري أو “حزب المخزن” كما يعتبره اليساريون، لكونه ولد من رحم المخزن في عهد أحمد عصمان وظل قلعة مغلقة لها خطوط حمراء، لا يمسح لأتباعه بمناقشة مواضيع حساسة أو قضايا سياسية، مثل المؤسسة الملكية، أو مناقشة قضية الصحراء والحكم الذاتي في المؤتمرات، أو التحدث في الاحتجاجات (حراك الريف أو جيل زد)، وحرية الصحافة، وقضايا حقوق الإنسان بحرية دون قيود.

تتمة المقال تحت الإعلان

يبدو أن الخريطة السياسية قد تتغير مع قدوم الرئيس المقبل للحزب والذي سيحل مكان أخنوش، وربما قد يأتي بتعليمات فوقية، خاصة وأن الحزب لا يمكن أن يخرج عن الدائرة المخصصة له من قبل الإدارة، لا سيما وأن معظم رؤسائه تم اختيارهم بتوجيهات أو بتدخلات من جهات عليا، مثل تعيين المنصوري ومزوار، لهذا فإن الرئيس المقبل للحزب لن يخرج عن الدائرة المقربة من مواقع القرار، وقد يكون محمد بنشعبون وزير المالية السابق، أو شكيب بنموسى المندوب السامي للتخطيط، أو مولاي حفيظ العلمي، أو فوزي لقجع، أو أمينة بنخضرة، أو نادية فتاح العلوي، أو الطالبي العلمي أو محمد أوجار.

مراد الغالي
مراد الغالي

ويرى مراد الغالي، الباحث في العلوم السياسية، أنه في خضم إعلان رئيس الحكومة عزيز أخنوش عن عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، يطفو على السطح سؤال جوهري يتجاوز حدود التكهنات اليومية ليلامس عمق البنية السياسية المغربية: هل يشكل رحيل أخنوش مفتاحا لخلط الأوراق الحزبية، أم أن منطق التحالفات في المغرب محكوم بقواعد تتجاوز الأشخاص؟ معتبرا أن الحديث عن تغيير على رأس حزب الأحرار، وثقله السياسي الحالي، لا يعني مجرد استبدال اسم بآخر، بل هو حديث عن اهتزاز محتمل في الأغلبية الثلاثية (التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، والاستقلال)، ولفهم ما قد يحدث، يجب أولا تشريح الواقع الحالي؛ فالتحالف الحكومي القائم لم يُبنَ على أرضية إيديولوجية مشتركة، بل قام على “شرعية الإنجاز” و”المنطق الحسابي” للمقاعد البرلمانية.. فقد نجح عزيز أخنوش في جمع المتناقضات السياسية تحت مظلة “الدولة الاجتماعية”.

وحسب مراد الغالي، فإن خروج أخنوش من المعادلة من خلال تغيير في القيادة قبل الانتخابات المقبلة، سيعيد تشكيل موازين القوى وفق السيناريوهات التالية: حزب الاتحاد الاشتراكي والبحث عن موطئ قدم، يتوق الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بقيادة إدريس لشكر، للعودة إلى دائرة القرار، وبالتالي، فإن رحيل أخنوش قد ينهي “الفيتو” غير المعلن الذي جعل الحزب خارج الأغلبية الحالية، مما قد يدفع نحو تحالف جديد يضم “الكتلة التاريخية” (الاستقلال والاتحاد الاشتراكي) مع أحد الأحزاب الإدارية، لكسر هيمنة التجمع الوطني للأحرار، كما أن حزب العدالة والتنمية ومحاولة البعث رغم تراجعه العددي، بقيادة عبد الإله بن كيران، يراهن على فشل النموذج التكنوقراطي الذي يمثله أخنوش، وبالتالي، فرحيل الأخير سيعتبره الإسلاميون انتصارا سرديا لهم، وقد يدفعهم لمحاولة بناء تحالفات “هجينة” مع أحزاب المعارضة الأخرى (الحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية) لتشكيل جبهة موحدة في الانتخابات القادمة.

وأوضح المتحدث ذاته، أن المغرب مقبل على استحقاقات كبرى (كأس العالم 2030، أوراش كبرى…)، بحيث تفرض هذه الملفات نوعا من “الاستقرار القسري” على التحالفات، لذلك، فإن أي تحالف جديد بعد رحيل أخنوش، لن يخرج عن سيناريوهين: الأول؛ استمرار نفس الأغلبية الحكومية مع تغيير الرأس، وربما تطعيمها بحزب رابع (الاتحاد الاشتراكي غالبا) لضمان توسيع القاعدة السياسية وامتصاص المطالب الشعبية، دون نسف التحالف القائم، والسيناريو الثاني: (الانقلاب الناعم)؛ تفكك هيمنة حزب الأحرار، وبروز تحالف يقوده حزب الاستقلال أو الأصالة والمعاصرة، ما يعني تراجع “الحمامة” إلى الخلف، هذا السيناريو سيخلط الأوراق الانتخابية، حيث ستتحول ولاءات الأعيان (المنتخبين الكبار) نحو القوة الصاعدة الجديدة.

واعتبر المتحدث ذاته، أن رحيل عزيز أخنوش سيساهم بلا شك في “رجّة” سياسية ستعيد الماكينات الانتخابية للعمل مبكرا، وسيؤدي ذلك إلى تفكيك التحالف الثلاثي المغلق وفتح الباب أمام تحالفات أكثر مرونة وانفتاحا، لكن، لا يجب المبالغة في تقدير حجم التغيير الجذري، فالنظام السياسي المغربي يميل دائما نحو التوافقات والتوازنات التي تضمن استمرارية المشاريع الكبرى للدولة، من خلال ضمان استمرار “زمن الدولة” لا “الزمن الحكومي”، فـ”خلط الأوراق” سيحدث في المقاعد والمناصب، لكن “قواعد اللعبة” ستظل محكومة بضرورة الحفاظ على الاستقرار الماكرو-سياسي والاقتصادي.

زهر الدين الطيبي
زهر الدين الطيبي

من جانبه، يرى زهر الدين الطيبي، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الأول بوجدة، أن مسألة التحالفات مع حزب الاتحاد الاشتراكي تبقى واردة، لكن لن يكون هناك تغيير في اتجاه تقارب مع حزب العدالة والتنمية أو مع التقدم والاشتراكية، خاصة وأن “البيجيدي” كان يهاجم عزيز أخنوش أكثر مما يهاجم حزب التجمع الوطني للأحرار، وهذا لا يعني أن خلافته على رأس الحزب قد تغير من التحالفات الحالية، لا سيما وأن التوجه العام يؤكد أن الحزب قد يكون من بين الأحزاب الأولى التي قد تحصل على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية، رفقة حزبي الاستقلال والأصالة والمعاصرة، وبالتالي، فهاته التحالفات ربما قد تتغير لينضم إليها عدد من الأحزاب الأخرى، لأن التحالف الثلاثي الحالي في تقسيمه لمواقع ومراكز القرارات على مستوى الجهات، وأيضا في تدبير للشأن الحكومي لمدة خمس سنوات، كانت هناك أغلبية مطلقة، وبالتالي، لم يكن هناك مجال للمعارضة للقيام بدورها المنوط بها.

وأوضح نفس المتحدث، أن مسألة عدم ترشح عزيز أخنوش لولاية ثالثة ربما جاءت في ظرفية خاصة، لأنها سنة انتخابية بامتياز، وبالتالي، هناك مجموعة من النقط يجب أن يشار إليها، بداية ذهاب عزيز أخنوش سوف يغير التحالفات الحزبية، على اعتبار أن الإشكال المطروح اليوم هو داخل جميع الأحزاب السياسية وليس فقط داخل التجمع الوطني للأحرار، كون هذه الأحزاب لم تعد ذلك المصعد الذي يوصل النخب إلى القمة، وبالتالي، فالأحزاب السياسية التي من المفروض فيها أن تكون مصعدا للنخب السياسية، لم تعد كذلك، متسائلا: من هي الشخصية التي يمكن أن تعوض أخنوش على رأس الحزب من بين الأسماء المتداولة؟ وإلى أي حد تحظى هذه الأسماء بقاعدة شعبية بالنسبة للحزب وبالنسبة للمواطنين، على اعتبار أنه لا يجب أن ننسى أن الزعيم المرتقب للتجمع قد يقود الحكومة في حالة ما إذا وصل الحزب للحكم وحصل على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية حسب ما ينص عليه الفصل 47 من دستور المملكة؟ موضحا أنه حتى لو فرضنا أن حزب التجمع الوطني للأحرار كان سيتصدر الانتخابات المقبلة، فإن عزيز أخنوش ما كان ليكون رئيسا للحكومة لولاية ثانية، وهذا ربما الذي عجل برحيله من المشهد السياسي ومن الحزب، في انتظار من سيخلفه والذي ربما سيقود ما يسمى بحكومة المونديال، لأن المغرب مقبل على مجموعة من التظاهرات الرياضية، خصوصا تنظيم كأس العالم 2030، والحكومة المقبلة ستدوم ولايتها من 2026 إلى 2031، وبالتالي، فهذا التنظيم الكبير سيكون على عاتقها، مرجحا أن يكون رئيس حكومة المونديال شخصية من الحكومة الحالية التي قد تكون إما من حزب الأصالة والمعاصرة أو من حزب الأحرار.

وتابع المتحدث ذاته أن البحث عن خليفة لأخنوش يعد مشكلا حقيقيا، لأن داخل تنظيماتنا السياسية هناك مفهوم الولاءات السياسية عوض مفهوم الكفاءات، وهذا المشكل مطروح أيضا حتى بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي قام بتأجيل مؤتمره وحتى بالنسبة للأحزاب الأخرى، وهذا يعني أنه لدينا على مستوى الأحزاب التي تقود الحكومة الحالية، مشكل الزعامات ومن يمكن أن يكون على رأس الحكومة، ومن يتوفر على كاريزما وقاعدة شعبية يستطيع من خلالها تدبير الشأن العام الوطني والحكومي.

ربما فتح أخنوش برحيله عن حزب التجمع الوطني للأحرار العديد من الاحتمالات الممكنة، التي يمكن أن تخلط الأوراق السياسية في ظل وجود مؤشرات أو انفتاح الدولة على أحزاب المعارضة، من خلال خطابها، ومن خلال القوانين الانتخابية التي جاءت بها الإدارة، والتي تهدف حسب تصريحات وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، إلى تنظيم انتخابات ديمقراطية تنافسية نزيهة بين مختلف الأحزاب، مما قد يفيد أن التغيير الذي يعرفه حزب الأحرار يأتي في هذا السياق، في إشارة إلى إبعاد الأعيان وأصحاب المال عن السياسية، مما قد يفسح المجال أمام ظهور تحالفات سياسية ربما قد تظهر ملامحها مع اقتراب الانتخابات القادمة.

محمد شقير
محمد شقير

في هذا الصدد، يقول محمد شقير، أستاذ العلوم السياسية، أن كل الأحزاب اليوم دخلت في تنافس محموم للتحضير للانتخابات قصد الفوز بأكبر عدد من المقاعد، لكن إذا كان هناك أي تحالف سياسي، فسيكون بعد الانتخابات وليس قبلها، ومن جهة ثانية، فالمستفيد الأكبر هو حزب التجمع الذي استطاع أن يجدد رئاسته وأن يدخل الانتخابات بزخم جديد وبشخصية جديدة، وهذا سيقوي من تعبئته ومن صفوفه، خاصة إذا كانت هناك شخصية ممكن أن تجمع مكونات الحزب وتعطيه شحنة سياسية جديدة، معتبرا أن الخلاف بين حزب التجمع والمعارضة سيبقى مستمرا، خاصة مع حزب العدالة والتنمية، بسبب بن كيران، لكونه ما زال على رأس قيادة الحزب وسيشكل أحد العوائق لأي تقارب بين حزب التجمع و”البيجيدي”، لأن بن كيران لا زال يعيش على قضية وقوف أخنوش وراء “البلوكاج” وعرقلة تجديد ولايته لرئاسة الحكومة، بحيث أن هذه القضية أصبحت شخصية من خلال ترديد بن كيران لها في الكثير من الخرجات، بل أثرت حتى على مسار الحزب في تحالفاته مع باقي الأحزاب.

من جهته، يرى محيي الدين حجاج، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، أن حدوث تحالفات جديدة أو سيناريوهات في المشهد السياسي بعد رحيل أخنوش، أمر مستبعد في الظرفية الراهنة، لا سيما في ظل استمرار الأغلبية الحكومية، قائلا: الحكومة ما زالت مستمرة في الأغلبية الحالية، وعندما تأتي الانتخابات تكون هناك نقاشات أخرى، وكل حزب يناقش برنامجه السياسي وحصيلته ومنجزاته، ومع الفرقاء الآخرين النقاشات تفتح بعد الانتخابات بناء على نتائج الصناديق ماذا أفرزت، لكن اليوم، من السابق لأوانه الحديث عن هذه الأمور في ظل استمرار الأغلبية ودعم الحزب للعمل الحكومي إلى غاية الانتخابات المقبلة، وأوضح أن الأحداث التي وقعت سابقا، لا علاقة لها برغبة عزيز أخنوش في الرحيل عن الحزب، لكونه أصر على ولايتين فقط ورفض تعديل النظام أو زيادة ولاية ثالثة، وأن محاولة إسقاط حدث معين وقع قبل شهرين أو ثلاثة أشهر على ما يجري في بلادنا، لا يمكن ربطه بالتراكم الديمقراطي الطويل الذي تعرفه المملكة، خاصة فيما يتعلق بالمشاركة السياسية للشباب، والتي كانت دائما مطروحة لدى الحزب، مضيفا أن وصف حزبه بالإداري يرفضه الواقع، وبأن من سيعطي الدرس هو حزبه للذين يدعون الديمقراطية ويختارون ثلاث ولايات وأربعة وأكثر من ذلك.

يمكن القول أن رحيل عزيز أخنوش عن حزب التجمع الوطني للأحرار خلق نقاشا سياسيا وطنيا، وفتح المجال أمام العديد من الفرضيات والسيناريوهات التي قد تحصل مستقبلا، خاصة على مستوى التحالفات الحزبية وإمكانية خلط الأوراق بين الأحزاب السياسية مع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى