المنبر الحر

المنبر الحر | التفاهة.. صناعة نظام شمولي جديد

بقلم: فؤاد البهلول

 سُلبت الأقلام الحرة، وحُشدت معاول الجهل لهدم أسوار وحصون فكر الأمة عبر آليات اقتصادية وسياسية محكمة؛ “التفاهة” كنظام جديد وبنية مركبة أزاحت عرش القيم التقليدية والمبادئ، حيث لم تعد ظاهرة عابرة، بل تحولت إلى آلة عملاقة تنتج الجهل بدل العلم وتسوق التفاهة وتكرم كبار التافهين لتحقق هدفا رئيسيا وهو تكبير حجم المستهلكين المنفصلين عن واقعهم والمعتمدين على الإشباع الفوري والسطحية.

فقد أصبح الإنسان في عصرنا الحالي محاصرا بالتافهين من كل حدب وصوب، لا رغبة له في التأمل والتفكير حيث الحديث عن الثقافة والفكر ضرب من العبث العقلي، فالصورة هي الوسيلة الوحيدة للتفكير في زمن سيطرة التفاهة على العالم.

هذا النظام الاجتماعي، الذي تسيطر فيه طبقة من التافهين على مفاصل المجتمع الحديث، وتتم فيه مكافأة الرداءة والتطبيل عن الجدية تحت شعار الحرية الفردية، امتد ليشمل السياسة، الإعلام، الجامعات والثقافة والفنون، فهذه الصناعة “التفاهة” خلقت بيئة اجتماعية مفرغة من الوعي، وأصبحت بالتالي نمطا اجتماعيا كاملا يقوم على الإلهاء وتشويه المعنى وتقديم كل ما هو فارغ على ما هو هادف، فهي كما وصفها الكاتب الكندي آلان دونو: “أصبحت الرداءة قانونا غير مكتوب، وأضحى النجاح حليف من يلتزم بقواعد اللعبة لا من يمتلك الكفاءة أو الفكرة النبيلة”.

تتمة المقال تحت الإعلان

في ظل هذا النظام، أصبح أناس يقومون بأعمال عبثية لا قيمة لها، وُضعوا في واجهة المشهد وجرى تحويلهم إلى قدوات بهدف خلق واقع جديد يتطبع فيه الناس مع العبث وتضرب فيه القيم النبيلة.

تتمة المقال تحت الإعلان

هذه السمة “التفاهة” تُعبِّر عن انشغال الإنسان بما لا ينفعه والإصرار على الأقوال والأفعال التي تضر المجتمع ولا ترقى إلى مستوى الجدية والاهتمام بمعالي الأمور؛ فهي ستار يحجب النقاش الجاد ويقصي المفكرين ويشبع السطحية بدل العمق، ويغيب الوعي النقدي من خلال تهميش القضايا الجوهرية وخلق حالة من التشتيت المستمر، أصبح الفرد معها غير قادر على التفرقة بين المهم والثانوي، الحقائق والشائعات، وبين الفكر والتسلية.

في ظل هذه التحولات التي شهدتها البنية المجتمعية، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة النأي والتصدي لهذه النماذج التافهة، خصوصا الثقافة والعلم، حيث تحول الإنسان والثقافة إلى سلعة، من خلال غزو التعليم والجامعات واستغلال  حيث هيمنت المحتويات المنحطة على حساب الحقيقة واستخدام الألفاظ النابية لجذب الانتباه، ما يجعلها “فيروسا اجتماعيا” غابت معه الأخلاق وتدهور الذوق العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى