المنبر الحر

المنبر الحر | لماذا يصعب إصلاح مهنة المحاماة ؟

حسوني قدور بن موسىمحامي بهيئة المحامين وجدة
بقلم: حسوني قدور بن موسى

  تمر مراحل سن القوانين في المغرب عبر المبادرة التشريعية (الحكومة أو البرلمان) ثم المناقشة والتصويت في البرلمان (مجلس النواب والمستشارين)، ومن الناحية المسطرية، فقد مر تعديل قانون مهنة المحاماة والمسطرة المدنية الجديد عبر عدة مراحل، إذ كان يجب على هيئات المحامين أن تبادر بطرح مشروع تعديل وعرضه على وزارة العدل مع ممارسة الضغط المهني ضد هذه التعديلات المرفوضة منذ البداية، واستخدام الإعلام والدعوة إلى تضامن المحامين عبر حملات شرح مخاطر التعديل الجديد الغير مرغوب فيه، لكن تمريرها من خلال أيادي خفية وأصحاب الأطماع والمصالح الخاصة التي تسعى إلى وضع قوانين تخدم مصالحها وتحافظ على امتيازاتها والسكوت عن معارضته في الوقت المناسب بالطرق السلمية، يعتبر خطأ فادحا يصعب تجاوزه.

لن أتناول النصوص القانونية التي تم تعديلها والتي تضر بحقوق ومصالح المحامين والمتقاضين على السواء، لأن مناقشتها في هذه المرحلة المتأخرة من الوقت لن يفيدنا في شيء.

مهنة المحاماة تتطلب الجسارة والإقدام والشجاعة والبلاغة، وأن يكون المحامي إنسانا أولا ليكون محاميا حقيقيا، فليست المحاماة مهنة انتصار يشهر على وسائل الإعلام ولا منصة لاستعراض القوة العضلية ورفع الشعارات واللافتات، بل هي رسالة عدل وحقوق تؤدى في صمت وأمانة بضمير إنساني، وهي أسرار موكلين لا تفشى ولو كان في الإفشاء مجد وثروة، والمحامي ليس عظيما بعدد الملفات المكدسة في رفوف خزانته ولا بماله وبثروته، بل بسيرته المهنية وخبرته على منصة الدفاع، والمحامي الذي يحتاج إلى إعلان انتصاراته، لم يدرك بعد أن أعظم إعلان هو ثقة الناس فيه وأن أعماله هي التي تتحدث عنه لا أن يتحدث هو عنها، حيث أن ملوكا عظماء وفلاسفة وعلماء كبار وصفوا مهنة المحاماة بأنها أجمل مهنة في العالم، فهي فن الحجة والإقناع، والدليل على ذلك أن الملك الحسن الثاني رحمه الله خاطب أعضاء الأمانة العامة والمكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب بقصر الضيافة بالرباط (24 ماي 1993) قائلا: ((أقول لكم مرحبا بكم؛ أقولها ثلاثة: مرحبا بكم في بلدكم الثاني ومرحبا بكم في بيتكم هذا ومرحبا بكم عند قانوني مثلكم، إنني أعتز وأفتخر بتكويني القانوني، ولو لم أكن في المنصب الذي أنا فيه لكنت دون شك فردا من أسرتكم النبيلة الشريفة المحترمة)). هذه الكلمات الرفيعة تعبر فعلا عن مكانة مهنة المحاماة وعظمتها ومجدها، وهي شهادة صادرة عن ملك له تكوين قانوني، وقال الفيلسوف الفرنسي فرانسوا ماري أوروبيه، الملقب بـ”فولتير”: “المحاماة أجمل مهنة في العالم وأسمى مهنة في الوجود”، لأنه يرى أن المحامي يدافع عن الجميع، غنيا أو فقيرا، قويا أو ضعيفا، وهو يضحي بوقته وصحته وحتى بحياته لإحقاق الحق وإرساء العدالة، معتبرا أنها مهنة نبيلة تتطلب العلم والفن والرسالة الإنسانية للدفاع عن الحقوق، فهل نحن اليوم في مستوى أخلاق وطموحات هؤلاء العظماء ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

اليوم، لا تحترم قواعد وأعراف مهنة المحاماة، حيث يقوم المحامي الرديء بسلوكات منافية لأخلاقيات المهنة وأدبياتها، منها سرقة ملفات الزملاء المحكومة بتعويضات، والانتصاب في ملفات مدنية وجنحية ضد الزملاء رغم أن قانون المهنة ينص على الامتناع عن قبول وكالات ضد زميل في المهنة إلا بإذن خاص من النقيب، لكن المصالح المشتركة تحول دون تطبيق القانون ضد المحامين المخالفين للقانون، وتعتبر هذه التصرفات الشاذة استغلالا للمهنة من أجل المال الحرام، وهي تؤثر سلبا على سمعة المحاماة وتظل هذه الظاهرة مستمرة دون رادع، لذلك فعندما يصبح القانون مجرد ستار للظلم ينقلب العدل إلى مأساة، وعندما تريد هدم أمة دون جندي واحد فعليك أن تستبدل الكفاءة بالولاء، وأن تجعل الرشوة بوابة الحقوق، فإذا تمكن المال من شراء السلطة يتم بيع العدالة لمن يدفع أكثر، وحين يصمت المثقف والعاقل ويعربد التافه والجاهل وتشيد العروش فوق ركام العدالة.. فانتظر الساعة.

تتمة المقال تحت الإعلان

قال الدكتور عبد الرزاق السنهوري: “المحاماة فن قبل أن تكون مهنة، وأن دور المحامي الحقيقي ليس مجرد معرفة القانون، بل فهم الوقائع وكيفية تطبيق نصوص القانون عليها”، مؤكدا على ضرورة أن يتحلى المحامي بالأخلاق العالية، ويكون إنسانا أولا، وألا يلجأ لقلب الحقائق أو الكذب، لأنه يخسر نفسه قبل أن يخسر القضية، فالمحامي الذي يرتشي يخرج عن كونه محاميا ليصبح مجرما، لكن الخصال الحميدة التي كان المحامي يتحلى بها في سنوات العزة والكرامة، تبخرت من خلال تصرفات بعض الوافدين الجدد على هذه المهنة الشريفة هدفهم الارتزاق وجمع المال بكل الوسائل غير المشروعة وسمسرة وتدخلات مشبوهة وتسجيل نيابات ضد زملائهم دون إشعار النقيب بذلك، وهذه التصرفات تضر بـ”مهنة الفرسان” التي أحبها الملوك والرجال العظماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى