المنبر الحر | حلم الدكتوراه يتعثر.. أين شرعية الماستر ؟


تعيش الساحة الجامعية المغربية في الآونة الأخيرة، على وقع جدل أكاديمي متصاعد، بعد أن وجد عدد من طلبة الدكتوراه أنفسهم عالقين في مفارقة صادمة تمسّ صميم الثقة في المؤسسة الجامعية؛ طلبة اجتازوا مسار الماستر داخل جامعات عمومية، واستوفوا شروطه البيداغوجية، ثم واصلوا تكوينهم في سلك الدكتوراه، بل وقطع بعضهم أشواطا متقدمة فيه، قبل أن يفاجأوا بقرار إداري يعتبر شهادة الماستر التي بُني عليها مسارهم العلمي، غير معترف بها، ويُصنفها لاحقا ضمن خانة “التكوين المستمر”.
وبين ذهول الطلبة وصمت المؤسسات الوصية، تتكاثر علامات الاستفهام وتتعمق الحيرة، ويتحول الحلم الأكاديمي إلى أزمة وجودية حقيقية.
مصاريف باهظة.. واكتشاف صادم
ما زاد من حدة هذه الأزمة، أن الطلبة أدوا مبالغ مالية مهمة طيلة سنتين كاملتين من الدراسة، وهم يعتقدون، عن حسن نية، أنهم منخرطون في مسار أكاديمي معتمد يؤهلهم طبيعيا لولوج الدكتوراه، غير أن الصدمة كانت قاسية حين تبيّن لهم أن المسلك الذي بذلوا فيه جهدا علميا كبيرا، وتحملوا أعباءه المادية والبيداغوجية، قد جرى تصنيفه لاحقا كـ”تكوين مستمر”.
وهنا يبرز سؤال جوهري لا يمكن القفز عليه: كيف يمكن اعتبار تكوين يستغرق سنتين كاملتين، ويخضع لنفس المجزوءات، ونفس آليات التقويم، ونفس منهجية البحث والمناقشة المعتمدة في الماستر الأكاديمي، مجرد “تكوين مستمر” ؟
إنه سؤال مشروع لا يطرحه الطلبة وحدهم، بل كل من تابع تفاصيل هذا الملف بعين أكاديمية ومسؤولة.
مصائر معلقة بين دراسة متوقفة ووظائف مفقودة
لا تقف تداعيات الأزمة عند حدود الاعتراف الإداري بالشهادات، بل تتجاوزها إلى أبعاد إنسانية واجتماعية شديدة القسوة؛ فعدد من الطلبة وجدوا أنفسهم اليوم في وضعية رمادية قاتمة: لا يُسمح لهم باستكمال دراستهم في سلك الدكتوراه، ولا يستطيعون العودة إلى وظائفهم السابقة التي غادروها بناءً على وعود ضمنية بمسار أكاديمي واضح المعالم.
ومع توالي الشهور، انتقل العبء المالي والنفسي إلى أسرهم، التي تعيش بدورها تحت ضغط القروض البنكية وتكاليف المعيشة، في محاولة لدعم أبنائها الذين أصبح مستقبلهم العلمي معلقا على قرار إداري غامض. وهكذا تحولت المسارات الجامعية، التي يُفترض أن تكون رافعة للترقي الاجتماعي والمعرفي، إلى مصدر قلق يومي وانكسار نفسي.
أسئلة مشروعة تنتظر أجوبة شجاعة
في خضم هذا الوضع، يحق للطلبة، بل وللرأي العام، أن يطرحوا أسئلة واضحة وصريحة: كيف لجامعة عمومية أن تدرس مسلكا غير معترف به، ثم تسمح لحامليه بولوج سلك الدكتوراه؟ هل كان تصنيف المسلك كتكوين مستمر واضحا منذ البداية؟ هل قدمت هذه المعطيات بشفافية كاملة للطلبة قبل تسجيلهم ودفعهم للرسوم؟ ومن يتحمل مسؤولية ضياع سنوات من عمر الطلبة ومسارهم المهني ؟
إنها أسئلة لا يمكن طمسها أو تأجيلها، لأنها تمس جوهر الحكامة الجامعية ومبدأ تكافؤ الفرص.
بين الخلل الإداري وهاجس الموارد المالية
دون الجزم في غياب تحقيق رسمي، تفتح هذه القضية الباب أمام فرضيات متعددة: هل يتعلق الأمر بارتباك إداري في اعتماد بعض المسالك، أم بثغرات خطيرة في التواصل والتأطير، أم أن الأمر يرتبط، في جزء منه، بالبحث عن موارد مالية إضافية عبر مسالك لم يُحسم وضعها القانوني والبيداغوجي منذ البداية ؟
أيا كان التفسير، فإن المؤكد أن غياب الشفافية والوضوح كان عنصرا مركزيا في تفجر هذه الأزمة.
ما الذي يجب فعله الآن ؟
إن الوضع الحالي يستدعي تدخلا عاجلا ومسؤولا، قوامه:
* إصدار بلاغ رسمي يوضح الوضع القانوني والبيداغوجي لهذه المسالك؛
* فتح تحقيق إداري مستقل في كيفية اعتمادها وتسويقها للطلبة؛
* إيجاد حل واقعي ومنصف يحفظ حقوق الطلبة الذين قطعوا أشواطا متقدمة في مسارهم؛
* الشروع في إصلاح جذري لمساطر الإعلان عن المسالك الجامعية واعتمادها.
وذلك لأن الجامعة، قبل أن تكون فضاء للمعرفة، هي مؤسسة للثقة.
إن ما يعيشه طلبة الدكتوراه اليوم ليس مجرد إشكال إداري عابر، بل أزمة تمس عمق العدالة الجامعية ومصداقية المؤسسة العمومية، وبين دراسة متوقفة، ووظائف مفقودة، وأسر مثقلة بالديون.. يبقى السؤال الأثقل معلقا في الأذهان: من يعيد للطالب المغربي سنواته التي ضاعت؟ ومن يحمي مستقبله من قرارات غير واضحة العواقب ؟



