المنبر الحر | سماسرة العقار.. فوضى بلا قانون واستغلال بلا حدود


يعد القطاع العقاري من أكثر القطاعات حيوية وتأثيرا في حياة المواطنين، إذ يرتبط ارتباطا مباشرا بالحق في السكن والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، غير أن هذا القطاع، الذي يفترض أن يكون مجالا منظما تحكمه قواعد واضحة، بات يعاني في السنوات الأخيرة من اختلالات عميقة، على رأسها فوضى السماسرة والوسطاء غير القانونيين، في ظل غياب إطار تشريعي صارم يضبط المهنة ويحمي أطراف المعاملات.
لقد تحولت الوساطة العقارية، في كثير من الحالات، من خدمة تسهل عمليات البيع والشراء والكراء، إلى باب واسع للاستغلال والابتزاز؛ فأعداد كبيرة من الأشخاص يمارسون هذه المهنة دون أي ترخيص قانوني، أو تكوين مهني، أو التزام بأخلاقيات العمل، مستغلين حاجة المواطنين وغياب البدائل المنظمة.
وأصبح من المألوف أن يفرض السمسار نفسه كوسيط “إجباري” في أي عملية عقارية، حتى وإن تم التواصل المباشر بين المالك والمكتري أو المشتري، وفي كثير من الأحيان، تفرض عمولات مرتفعة وغير مبررة، تقدر أحيانا بشهر كامل من الكراء أو بنسب مبالغ فيها من ثمن البيع، دون وجود عقد، أو فاتورة، أو أي سند قانوني يضمن حق المواطن.
ومن أخطر مظاهر هذه الفوضى، غياب الشفافية في التعاملات، حيث يُمارس الضغط النفسي على المواطنين تحت ذريعة “العرض والطلب” أو “قوانين السوق”، بينما الحقيقة أن الأمر يتعلق بتواطؤ واستغلال ممنهج، كما أن غياب عقود الوساطة يجعل المواطن في وضعية قانونية هشة، ويسهل عمليات النصب، وتضخيم الأسعار، وتكرار نفس العرض لأكثر من زبون.
ولا تقف أثار هذه الظاهرة عند حدود الأفراد، بل تمتد لتُقوّض مصداقية السوق العقارية ككل، وتزرع الشك وانعدام الثقة بين المتعاملين، كما تُسهم في تفشي الاقتصاد غير المهيكل والتهرب الضريبي، إذ تتم أغلب المعاملات خارج أي مراقبة قانونية أو محاسبية، ما يحرم خزينة الدولة من موارد مالية مهمة.
ومن زاوية اجتماعية أعمق، فإن استمرار هذه الفوضى يكرس الإحساس بالظلم والحيف، خصوصا لدى فئات الشباب والأسر محدودة الدخل، التي تجد نفسها عاجزة عن الولوج إلى السكن بسبب ارتفاع التكاليف غير القانونية، وهو ما قد يؤدي إلى احتقان اجتماعي وتراجع الثقة في المؤسسات.
أمام هذا الوضع المقلق، يصبح تدخل الدولة ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل، ويتطلب ذلك سنّ قوانين واضحة وصارمة تُنظم مهنة الوساطة العقارية، من خلال: فرض رخصة رسمية لمزاولة المهنة؛ إلزام الوسطاء بتكوين مهني معتمد واحترام ميثاق أخلاقي؛ تحديد سقف قانوني للأتعاب والعمولات؛ فرض عقود وساطة مكتوبة وشفافة؛ إحداث آليات للمراقبة، والتبليغ، والعقوبات الزجرية في حق المخالفين.
وبالموازاة مع ذلك، تبقى توعية المواطنين عنصرا أساسيا في محاربة هذه الظاهرة، عبر تحسيسهم بحقوقهم، وتشجيعهم على التعامل فقط مع وسطاء معتمدين، ورفض أي تعامل غير موثق أو مفروض بالأمر الواقع.
إن تنظيم مهنة الوساطة العقارية لا يخدم المواطن فقط، بل يساهم في استقرار السوق، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز مناخ الثقة، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
وفي الختام، فإن استمرار فوضى السماسرة في غياب القانون يُعد خطرا حقيقيا على التوازن الاجتماعي والاقتصادي، ويستوجب تدخلا عاجلا وحازما لوضع حد لممارسات تُسيء إلى قطاع حيوي، وتحول مهنة يفترض أن تكون في خدمة المواطن، إلى أداة لاستغلاله.



