تحقيقات أسبوعية

متابعات | في انتظار المحاسبة.. خبراء يفضحون أسباب غرق مدينة أسفي

أثار الفيضان الذي ضرب المدينة العتيقة في أسفي، العديد من الاتهامات والتساؤلات حول الجهة المسؤولة التي تسببت في الحادث، الذي خلف 37 حالة وفاة وخسائر مادية كبيرة للمحلات التجارية والدور السكنية، مما جعل النيابة العامة تفتح بحثا قضائيا من أجل الوقوف على الأسباب الحقيقية لهذا الحادث الأليم، وتحديد المسؤوليات وفق ما ستسفر عنه نتائج البحث القضائي.

إعداد: خالد الغازي

تتمة المقال تحت الإعلان

وجهت أصوات حقوقية ومدنية أصابع الاتهام في حادث فيضان وادي الشعبة بأسفي، إلى عدة جهات، بسبب التقصير في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين مسار مياه الوادي، وحماية المدينة العتيقة من تهديده المستمر منذ سنوات طويلة وفق دراسات وتوصيات سابقة، لا سيما وأن هناك تقريرا مفصلا صدر عن قطاع إعداد التراب الوطني بشراكة مع جماعة أسفي، يحذر من خطر حدوث فيضان لوادي الشعبة على سكان المدينة العتيقة، بحيث حملت العديد من الأصوات المسؤولية للمجلس الجماعي وللحكومة والسلطات الإقليمية، ووزارة التجهيز والماء، والمكتب الشريف للفوسفاط ومكتب السكك الحديدية، بسبب بناء سور في موقع مصب وادي الشعبة عوض تشييد قنطرة فوقه.

تتمة المقال تحت الإعلان

فقد تم تداول وثيقة رسمية موثقة بتاريخ 5 يناير 2022، عبارة عن تقرير تقني بين جماعة أسفي ووزارة الإسكان وإعداد التراب الوطني، يتعلق بمشروع إعادة تهيئة وادي الشعبة المار بمدينة أسفي، وتحذر وتنبه الجهات المسؤولة إلى خطر الفيضانات التي تحيط بالأحياء المهددة (الشعبة، القناطر، المدينة القديمة)، والإقرار بوجود حوالي 850 شخصا معرضين للخطر، وبرمجة حلول تقنية واضحة لحماية الساكنة، ومع ذلك، وبعد قرابة ثلاث سنوات كاملة من تاريخ إعداد هذه الوثيقة التي تقدم حلولا تقنية، لم تُفعل مضامينها على أرض الواقع، بسبب الفشل في تنزيل المشروع.

تتمة المقال تحت الإعلان
عبد اللطيف سودو
عبد اللطيف سودو

في هذا السياق، كشف المهندس في قطاع الماء، عبد اللطيف سودو، رئيس جمعية مهندسي العدالة والتنمية، عن وجود كتلة خرسانية تسد منفذ وادي الشعبة إلى البحر، والتي تستعمل لمقاومة طاقة الأمواج وتقليل تأثيرها على الساحل، حيث أن هذه الكتل الخرسانية الصناعية بأشكال هندسية متنوعة، تُستخدم لإنشاء دروع فعالة لتبديد طاقة الأمواج بفضل شكلها الفريد الذي يجعلها تتداخل وتشكل هذه الكتل درعا يعمل على تبديد طاقة الأمواج وتقليل تأثيرها على الساحل، ما من شأنه أن يحمي البنية التحتية الساحلية ومنها الطريق.

وأضاف نفس المتحدث، أن “وجود هذه الكتلة داخل المنفذ يعوق التدفق الطبيعي للمياه.. لأنها ساهمت في ضعف صبيب الماء داخل المنفذ لأقل من 10 %، وتصل إلى 1 % إذا ما علق ما يحمله الماء بين الكتلة الخرسانية وجوانب المنفذ.. هذا كله أثر على منفذ الماء وجعله يتجمع قبل المنفذ في الساحة.. وساهم في ارتفاع منسوب الماء داخل المدينة العتيقة، وبالتالي، أصبح هناك فخ لمن لا يعرف السباحة، لأنه ببساطة سيغرق وسط البحيرة الاصطناعية نتيجة تجمع المياه”، متسائلا: لماذا لم تكن هناك صيانة للمنفذ وإزالة الكتلة الخرسانية؟ من المسؤول عن وضع الكتلة داخل المنفذ؟ هل هي بفعل فاعل، أم هي قوة الأمواج عبر الزمن؟ قائلا: في كل الحالات.. هذا خطأ جسيم ستقوم النيابة العامة بدورها لتحليله وترتيب المسؤولية.

مصطفى بنرامل
مصطفى بنرامل

بدوره، يرى الخبير البيئي مصطفى بنرامل، أن ما حدث في أسفي، كما في تطوان، ومدن أخرى، خلال السنوات الأخيرة، ليس حادثا معزولا، بل مؤشرا واضحا على تحول بنيوي في طبيعة المخاطر المناخية بالمغرب، حيث تتقاطع شدة التساقطات المطرية في فترات زمنية قصيرة مع هشاشة المنظومة الحضرية، فالخلل لا يكمن فقط في غزارة الأمطار، بل أساسا في ضعف التخطيط العمراني، واستمرار البناء في مجاري الأودية والمناطق المنخفضة، وتقادم أو قصور شبكات تصريف مياه الأمطار، إضافة إلى محدودية الصيانة والاستباق، كما أن تدبير المخاطر لا يزال يغلب عليه الطابع التفاعلي بدل الوقائي، في ظل تأخر إدماج سيناريوهات التغير المناخي في التخطيط الحضري والتهيئة المجالية، ما ينذر بأن الفيضانات الحضرية قد تتحول من أحداث استثنائية إلى تهديد دوري ما لم يتم الانتقال إلى مقاربة شمولية قوامها الوقاية، والتهيئة الذكية، والإنذار المبكر، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وأوضح المتحدث ذاته، أنه من حيث المبدأ، فالحكومة والمجالس المنتخبة والعمالات تتحمل مسؤولية مباشرة ومشتركة في تهيئة البنيات التحتية وإنجاز المشاريع الوقائية، باعتبار أن الاستراتيجية الوطنية لتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية تُحمل الدولة والفاعلين الترابيين واجب الاستباق والوقاية لا الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الكارثة، غير أن ما تكشفه حالات كأسفي، وخاصة استمرار خطر وادي الشعبة وبقية الأودية الحضرية، يدل على وجود تقصير واضح في تفعيل هذه الاستراتيجية على أرض الواقع، سواء بسبب بطء إنجاز المشاريع المهيكلة، أو ضعف التنسيق بين المتدخلين، أو تغليب منطق التدبير الظرفي على التخطيط بعيد المدى. هذا الوضع يعكس اختلالات بنيوية في تدبير الشأن المحلي، تتجلى في غياب رؤية وقائية مندمجة، وضعف ربط المسؤولية بالمحاسبة، واستمرار السماح بالتوسع العمراني في مجالات خطرة، وهو ما يجعل الفيضانات تتكرر بنفس السيناريو رغم وضوح المخاطر وتشخيصها منذ سنوات.

وحسب بنرامل، فإن الحكومة تتحمل المسؤولية المباشرة عن الحوادث التي تشهدها المدن جراء الفيضانات، لأنها الجهة المكلفة بوضع السياسات الوطنية، وتأهيل المدن، وإنجاز شبكات حديثة وفعالة لتصريف مياه الأمطار، ووضع حلول تقنية متطورة تعتمد على خرائط توطين المخاطر الطبيعية والمناخية، فغياب هذه الإجراءات أو تأخر تنفيذها يجعل المدن عرضة لتكرار الكوارث، ويُظهر قصور الدولة في الالتزام بالاستراتيجية الوطنية لتدبير الكوارث، مما يضع على عاتقها المسؤولية المباشرة عن نتائج الإهمال في التخطيط الحضري الوقائي والتهيئة المائية.

قضية أسفي تدق ناقوس الخطر الذي يحدق بالعديد من المدن الكبرى والصغيرة، التي تعبرها الأنهار الكبيرة، والتي تحتاج إلى رؤية استباقية وهندسة حديثة لحمايتها من خطر الكوارث المستقبلية، سواء الفيضانات أو خطر الأمواج (تسونامي)، أو التي توجد بالقرب من السدود الكبيرة التي يجب تأمينها والحرص على صيانتها ومراقبتها بشكل دائم، مما يطرح تساؤلات حول السياسة الاستباقية للدولة في مواجهة الكوارث الطبيعية.

الحسين اليماني
الحسين اليماني

من جهته، اعتبر الحسين اليماني، النقابي والناشط الحقوقي، أن المبدأ الدستوري لربط المسؤولية بالمحاسبة غائب تماما في المغرب، حيث هناك اللامسؤوية ولا توجد محاسبة لكل مسؤول أو شخص، وهناك مسألة أخرى أضعنا فيها وقتا طويلا، تتعلق بعلاقة المركز بالمحلي والترابي، بحيث لم نقم بتفويت حقيقي للمهام والصلاحيات كما يجب أن يكون لبناء محاسبة التدبير الترابي، ولم نترك الأمور بيد المركز، معتبرا أن ما وقع في مدينة أسفي استثنائي ويمكن أن يقع في أي مدينة، وكان بالإمكان تقليل الخسائر لو تحمل كل شخص مسؤوليته وقام بدوره كما يجب في إصلاح وتنظيف مسلك الوادي الذي تم خنقه بمجموعة من المواد والأشياء المتراكمة، التي أغلقت الممر، بحيث أن هناك مسؤولية تدبير فيما حصل، سواء في أسفي أو فاس أو غيرها.

وأبرز المتحدث ذاته، أن هناك إشكالية في المبدأ الدستوري على مستوى المحاسبة وتحديد المسؤوليات والصلاحيات، تتمثل في وجود منطقة رمادية بين السلطات الأساسية الثلاث، فيما يتعلق بالتدبير الترابي، وهو ما يجعل مجموعة من الناس يتلاعبون بالمسؤوليات، لأنهم يعرفون أنهم يخرجون بدون أي مسؤولية فيما يقومون به، بمعنى أن الإشكال المطروح هو أننا في حاجة إلى سلطة أخرى من غير السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، هي التي تتابع المسؤولين، نسميها سلطة المحاسبة، تراقب كل مسؤول وتقيم عمله ثم تعرضه على القضاء أو أي جهة أخرى، مشيرا إلى أنه خلال كل فاجعة أو كارثة يتم تكوين لجنة تقصي تصدر خلاصات وتوصيات، لكن بدون نتائج أو تحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم، ولا نسمع بأي محاسبة أو محاكمة وتبقى الأمور على حالها..

محمد رشيد الشريعي
محمد رشيد الشريعي

في نفس الصدد، يرى الحقوقي محمد رشيد الشريعي، رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب، أن المشكل يكمن في انعدام التواصل من قبل الجهات المسؤولة: السلطات الإقليمية ومديرية الأرصاد الجوية، لتنبيه وإشعار المواطنين بالأمطار الغزيرة من أجل أخذ الحيطة والحذر، بحيث لم يتم إبلاغ الساكنة وتنقية البالوعات التي كانت جزء من الضرر الكبير الذي وقع، ثانيا لم تكن هناك لجنة اليقظة التي تكون مشكلة من قبل جميع المؤسسات المعنية، من السلطات المحلية والمؤسسات المنتخبة والأمن والوقاية المدنية والتجهيز، وأوضح أن الوضع يتطلب فتح نقاش مهم حول مآل الصفقة والأموال التي رصدت لإعادة رد الاعتبار للمدينة العتيقة، إلى جانب اتفاقية تأهيل الدور السكنية فيها بعدما تم إحصاء السكان القاطنين على أساس منحهم رخص الإصلاح والترميم، حيث أن هناك من استوفى ملفه الشروط القانونية والتقنية، لكنه ما زال في الرفوف لدى الإدارة المعنية، بسبب التماطل والعديد من التعقيدات الإدارية التي تزيد من تفاقم وضعية الدور السكنية الهشة، مؤكدا أن الفاجعة تتطلب ترتيب الجزاءات وإلا سيتكرر نفس الأمر بعد فاس والحوز وأسفي.. بمعنى أنه لا بد من تفعيل المساءلة.

وحسب نفس المتحدث، فإن الحكومة تتحمل المسؤولية الأولى في فاجعة أسفي، على اعتبار أنها اليوم ليست لديها أولويات تتماشى مع مطالب المغاربة في المجالات الاجتماعية: مشكل قطاع الصحة، ومشكل التعليم، وضعف البنية التحتية للمدن، لهذا كان لا بد من ترتيب الأولويات لأن البلاد في حاجة إلى بنية تحتية قوية وخدمات صحية في المستوى المطلوب، معتبرا أن الحكومة توجد في سبات عميق ولا تحس بنبض الشارع، ووضعت شرطا تعجيزيا للاستفادة من صندوق الكوارث بينما في دول أخرى يقوم رئيس الحكومة بالنزول والوقوف على الكارثة ولقاء المواطنين، لكن في كارثة أسفي ولا مسؤولا قام بزيارة المدينة، وبذلك فنحن أمام أشخاص لا يتحملون المسؤولية ولا يفكرون في مصلحة المواطنين.

تؤكد كارثة أسفي أن هناك إشكاليات حقيقية تعيشها المدن المغربية على مستوى البنى التحتية، التي لا تواكب المشاريع الكبرى والملاعب، مما يجعل العديد من المدن مهددة بالكوارث والفيضانات الناتجة عن الأمطار الغزيرة أو سوء تدبير مسارات ومصبات الأنهار والوديان في البحر، مثل أزمة مصب نهر أم الربيع بأزمور، إلى جانب غياب مشاريع لتجميع مياه الأمطار والاستفادة منها.

ويرى متتبعون أن هناك تقصيرا كبيرا في ربط المسؤولية بالمحاسبة عند وقوع الكوارث، وغياب الإرادة السياسية لدى الدولة لتفعيل هذا المبدأ ومحاسبة المسؤولين عن التقصير والإهمال، كما تؤكد فاجعة أسفي أن هناك ضعفا كبيرا على مستوى تدبير المجالس المنتخبة: الجهات، الجماعات، والمجالس الإقليمية، وترتيب الأولويات داخل المدن والأقاليم، لا سيما على مستوى تقوية وتجهيز الطرقات وقنوات تصريف المياه، وإقامة السدود الصغيرة لحماية المدن من خطر الفيضانات، ويبقى السؤال: متى يتم تطبيق مبدأ المساءلة والمحاسبة ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى