المنبر الحر | في حاجة إلى “وزارة التهذيب الوطني”


أجزم يقينا أن معظم النخبة السياسية نسيت أو تناست أن حكومة البكاي بن مبارك لهبيل الثانية (1956-1958) ضمت “وزارة التهذيب الوطني”، وزارة التعليم لاحقا، التي كان على رأسها القطب المناضل والمقاوم محمد الفاسي، زوج مليكة المهدي الفاسي، المناضلة السياسية والكاتبة والناشطة الاجتماعية “زوجة الوزير وأم الوزير”، لأن ابنها – سعيد الفاسي سيصبح وزيرا للإسكان فيما بعد – وخال عباس الفاسي، آخر وزير أول قبل إقرار دستور 2011؛ فعظمة التسمية “وزارة التهذيب الوطني” تحيل في الأدبيات السياسية إلى جملة من المفردات، مثل الإصلاح والتنمية والثورة والتحرير والتقدم.. وكلها تدور في فلك مفهوم مركزي واحد هو الوطن.
فمنذ فجر الاستقلال، كان الهم الأكبر لدى السلطان محمد الخامس، والنخبة السياسية آنذاك، هو بناء الدولة العصرية التي تكمن في بناء المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (الجهاد الأكبر)، وترسيخ الهوية والوحدة الوطنية بين مختلف فئات الشعب الذين ثاروا لتحرير الوطن، وعملوا على تقدمه فداء له، وصار الوطن بالنسبة لهم عبارة عن بداية التاريخ ونهايته.
فكانت البداية من أول ملحمة ترابية همت “طريق الوحدة” صيف سنة 1957 فقط بعد الاستقلال، اسم أطلقه السلطان محمد بن يوسف على مسلك جبلي وعر فاصل بين تاونات وكتامة، لكونها أنهت حدودا وهمية كانت قائمة بين منطقتي احتلال فرنسي وإسباني، غداة خطاب ملكي حول إنجاز هذا الورش، فلبى الشباب المغربي النداء متطوعين تعبئة وملبين نداء الوطن.
فبعد ملحمة التحرير، احتاج المغرب لبناء البشر قبل الحجر، مواطنين صالحين لوطن صالح للحلم والعيش الكريم، ومواطنة عمادها الإنسان وركنها الوطن لتطوير هذا الأخير وتنميته والارتقاء به وحماية مصالحه، وطنية بالفعل ليس بالقول فقط تبدأ من شؤون الحياة اليومية لتمتد إلى القضايا المصيرية في سلم البناء والتقدم.
وزراء الحكومات الأولى بعد الاستقلال، تبنوا التربية والمواطنة كهدف أساسي في العمل السياسي والحزبي لتأطير المواطن وتأهيله لإنماء مواهبه وتوجيهه نحو غايات نبيلة كدعامة قوية لوطنه، وبخبرة حية لأمته، يسهم في خدمتها بإخلاص وأمانة يدرك ما عليه من واجبات وتبعات، بحيث ينظر إلى المصلحة العامة قبل أن ينظر إلى المصلحة الخاصة؛ فعظمة الوطن تقوم على شواهد أبنائه والسير قدما نحو عظمته الاقتصادية ورفع المستوى الثقافي والاجتماعي والعلمي، وكل هذا لن يتأتى إلا بمواطن يحب وطنه بضمير رقيب على نفسه.
يقول السلطان محمد الخامس طيب الله ثراه، في خطاب 18 نونبر 1955، الذي كان بمثابة إعلان رسمي للاستقلال: “الآن وقد تجلت أهدافنا، يجب عليكم أن تتمسكوا بحبل الإخاء وتتجنبوا ما يؤدي إلى التفرقة والبغضاء، إذ لا نجاح يرجى إلا بصفاء القلوب وتوحيد الصفوف، حتى نكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا”.



