تحقيقات أسبوعية

متابعات | مخطط أخنوش “السري” لبيع المدارس والمستشفيات العمومية 

كذبة التمويلات المبتكرة

جاءت حكومة أخنوش، منذ تنصيبها، بخطة ذات توجه ليبرالي لتفويت المؤسسات العمومية والمدارس والمرافق، بشكل غير مباشر، في أفق تحويلها إلى القطاع الخاص مستقبلا في حال عدم قدرة المؤسسات المستفيدة من عملية التفويتات المبتكرة، على الحفاظ على بقاء هذه المؤسسات ضمن أملاك الدولة، مثل المستشفيات العمومية، والمؤسسات التعليمية، وغيرها.

إعداد: خالد الغازي

خلقت حكومة أخنوش الطريقة الجديدة للحصول على القروض غير المباشرة، أو الأموال عن طريق التمويلات المبتكرة، والتي لا تحمل أي صيغة أو جوانب إيجابية توحي بأنها منهجية مبتكرة سوى أنها تشبه خوصصة مقنعة، أو يمكن اعتبارها قروضا داخلية من أجل جمع ملايير الدراهم، لسد ثقب الميزانية والعجز المالي الذي تتخبط فيه حكومة أخنوش منذ تنصيبها، حيث تسعى بشتى الوسائل إلى الحصول على القروض الخارجية والداخلية عبر بيع السندات أو التفويتات أو تفويت أراضي الدولة للخواص. إذن، الحكومة تقوم بعملية اقتراض من مؤسسة عمومية تابعة للدولة بنسبة فائدة تصل لـ 6 في المائة، مع مبلغ الكراء قد يمتد إلى أكثر من 30 سنة.

تتمة المقال تحت الإعلان

حسب الخبراء، فإن التمويلات العمومية ستدر على الدولة قرابة 170 مليار درهم حتى العام 2027، إذ لم يتم برمجتها عام 2028، وهي شكل من أشكال الاستدانة الداخلية مع أنها لا تدخل في خانة القروض الداخلية، بحيث تقترض الخزينة مبلغا من المال من مؤسسة عمومية لتعود وتسدد لنفس المؤسسة أقساطا شهرية بفوائد عالية لمدة 25 حتى 30 عاما، أو هكذا هو معلن على الأقل، ومن جهة أخرى، يمكن اعتبار أن التمويلات المبتكرة هي تدوير لأموال الدولة مع خلق فوائد على حساب المواطنين أو المرتفقين.

تتمة المقال تحت الإعلان

فالحكومة وأغلبيتها تروج معلومات مزيفة وغير صحيحة حول طريقة تنفيذ التمويلات المبتكرة، بكونها عملية بيع المؤسسات من الدولة إلى الدولة مع إعادة كرائها من عند هذه المؤسسات لمدة تمتد إلى 30 سنة، مثل الصندوق الوطني للتقاعد، المهدد بالإفلاس في سنة 2027 أو 2028، وصندوق الإيداع والتدبير الذي يستثمر ملايير الدراهم في مشاريع سياحية ومنتجعات فاشلة لا تحقق العائدات المتوقعة، مما قد يدفع هذه المؤسسات، في حالة حدوث أزمة اقتصادية، إلى تفويت وبيع ملكية وأصول المنشآت للخواص والتي حصلت عليها من “التفويتات المبتكرة”، كما أن الحكومة عازمة على الاستمرار في هذه التفويتات المبتكرة في سنتي 2026 و2027 لاستخلاص عائدات مالية، مثل القروض الداخلية، تقارب 400 مليار سنتيم.

رشيد ساري

في هذا الإطار، يرى المحلل الاقتصادي رشيد ساري، أن لفظ التمويلات المبتكرة ليس في محله ولا ينطبق على عملية تفويت مؤسسات أو بيعها أو كرائها، لأن عبارة مبتكرة يجب أن تكون أعمق، ويجب البحث عن مجموعة من التمويلات التي فيها نوع من الإبداع والاستفادة من التجارب العالمية، مثل تمويلات مبتكرة لمجموعة من الأشخاص من أجل إنشاء مشاريع صغيرة في العديد من الدول، حيث بلغت قيمة التمويلات 100 مليار دولار على المستوى العالمي.

واعتبر نفس المتحدث أن التمويلات المبتكرة يجب أن تحقق عائدا ماديا وتخلق ثروة وفرصا للشغل، أما الوضعية المعمول بها حاليا من طرف الحكومة، فليست فيها مجهودات كبيرة تبذل على هذا المستوى، لكن التمويلات في وضعها الحالي تتطلب إعادة النظر، وقال: “المنهجية الحالية لا تبذل فيها أي مجهودات حقيقية لخلق قيمة اقتصادية وقيمة مالية والحصول على عائدات مادية، ولا تتحدث التمويلات عن المساهمة في خلق الثروة وخلق فرص الشغل. إذن، هذا الإشكال الذي نعيشه هو مربط الفرس، بحيث لا يمكن التحدث عن نجاعة هذه الطريقة وندخلها في إطار التمويلات المبتكرة، لكن يمكن التمويل بالاعتماد على ما تتوفر عليه الدولة من المرافق العمومية عبر استغلالها بشكل جيد من أجل العائدات المادية، أما الحديث عن التمويلات المبتكرة، فليست في محلها، لأن مصطلح مبتكرة يدل على الابتداع والمجهود الكبير، مشددا على ضرورة إعادة النظر في العملية التي تغطي مجموعة من المشاريع الاجتماعية، مثل الحماية الاجتماعية، التي يتم تمويلها بـ 51 مليار درهم، 23 مليار درهم توفرها الدولة و28 مليار سنويا من عائدات الاشتراكات والانخراطات، لكن السؤال المطروح: هل وصلنا للأهداف؟ هل هناك تقييم للعملية؟ وهل سنظل في نفس الحلقة، أي الاعتماد على التمويلات المبتكرة لتمويل الأوراش الاجتماعية، الحماية والتغطية الصحية والدعم الاجتماعي والتقاعد والتعويض عن الشغل ؟

وأوضح المتحدث ذاته، أن تفويت مؤسسات تعليمية قد يخلق أزمة في السنوات المقبلة، في إطار تطور المنظومة التعليمية وتوظيف المزيد من الأساتذة والضغط المتزايد على الأقسام والمدارس، وربما قد نكون في حاجة ماسة لهذه المؤسسات من أجل استغلالها وتخفيف الضغط وتقليل الاكتظاظ، مما قد يتطلب بناء مدارس جديدة لاستيعاب التلاميذ، متسائلا: هل سيتم بناء مدارس جديدة ومؤسسات أخرى ربما بكلفة مالية أكبر، خاصة وأن هناك مجموعة من المؤسسات التي يتم تفويتها أو كراؤها، يمكن أن نحتاج لها في ظل الحديث عن الإقلاع الاقتصادي وتنظيم المونديال؟ فهذا سيضعنا في تناقض ويثير المخاوف حول التكلفة الكبيرة التي لا يتم استحضارها في ظل الحديث عن العائدات المالية.

عمر الكتاني

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي عمر الكتاني، أن التمويلات المبتكرة هي عملية خوصصة غير مباشرة تقوم بها الدولة والحكومة من أجل تحقيق عائدات مالية دون استحضار العواقب المستقبلية للعملية وتأثيرها على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، لا سيما على مستوى الخدمات الاجتماعية والأسعار التي قد تصبح مرتفعة وليست في متناول المواطنين، علما أن الخوصصة يقابلها الاحتكار، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم، حيث لن تبقى هناك منافسة، وبالتالي، سوف ترتفع الأسعار بسبب تخلي الدولة عن القطاعين، لكونها في حاجة إلى المال، مما سيؤدي إلى ارتفاع كلفة القطاعين.

واعتبر الكتاني، أن التخلص من المؤسسات العمومية أو تفويتها يعد أسلوبا ماكرا وخطيرا يهدد القطاع العام والخاص، بعد دخول الدولة بينهم، بمعنى أن أسعار الخدمات سوف ترتفع، وبالتالي ستتم التضحية بالقطاع الاجتماعي، مشيرا إلى أن تفويت الدولة وبيع رؤوس الأموال، ثم إعادة كراء المقرات بالمقابل، معناه أنه لا توجد ضمانة بأن الأسعار ستبقى اجتماعية وفي متناول المواطنين، ما يجعل من يتحكم في أسعار الخدمات الطبية والتعليمية هو الرابح من العملية وليس المجتمع.

وحسب نفس المتحدث، فإن الدولة بهذا الشكل والأسلوب في رفع يدها عن القطاع الاجتماعي وتركه لقمة للخواص، مثل الشركات التي تتحكم في القطاع الصحي وفي فرض أسعار مرتفعة، تساهم في التضخم وتساهم في تدهور القدرة الشرائية، وعوض أن تقوم الدولة بخلق قطاع اجتماعي، لا هو عمومي ولا هو خاص، الذي كان يمول من المجتمع، اختارت حلولا غير اجتماعية بتاتا، ستؤدي إلى قتل قطاعي الصحة والتعليم، من خلال ارتفاع أسعارهما بدعوى أنها أسعار السوق، والتغطية الاجتماعية التي تغطي نسبة قليلة من الكلفة، سواء كانت 40 أو 60 في المائة عند الخدمات، لكن السعر سيرتفع بسبب الخوصصة، لأنه لن يكون مجانيا، منتقدا السياسة الحكومية الرأسمالية، التي لا علاقة لها بالليبرالية التنافسية والاقتصاد الليبرالي، الذي يفتح المجال أمام التنافس والمحافظة على المقاولات الصغرى والمتوسطة، والقطاع الصحي، العام والخاص، لكنها تعطي الامتيازات لبعض القطاعات الاجتماعية، وللفئات الرأسمالية عبر آليات قانونية، مما يجعل الوضع الاجتماعي يسير نحو المجهول، خاصة بالنسبة للأسر البعيدة عن المدن الكبرى.

ورغم أن وزير الميزانية، فوزي لقجع، يرى أن التمويلات المبتكرة هي استفادة للدولة من مؤسساتها من خلال “بيع وإعادة الكراء” لأصول منشآت عمومية، إلا أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات، في عهد إدريس جطو سنة 2021، أشار إلى “ضرورة تسجيل تلك التمويلات المُبتكرة في خانة الديون الداخلية، على اعتبار أن الدولة تؤدي أقساطا سنوية لتغطيتها. نفس التمويلات المبتكرة يتم التصرف فيها دون قانون مؤطر، وبالتالي، دون رقابة ولا تقييم برلمانيين؛ رقابة غائبة عما يبدو أنه تنافس بين مديريات الدولة، ذلك أن جهة تخرج للأسواق الوطنية تطلب تمويلا من صندوق التقاعد (مثلا) عبر سندات بمعدل فائدة 3 %، ومديرية أخرى تُفَوِّت مستشفى جامعيا لنفس صندوق التقاعد بفائدة مضاعفة 6 %، وفي ظل غياب الرقابة، يبقى جلب الأموال – بأي طريقة – الهدف الذي يعلو ولا يعلى عليه.. وتبقى موثوقية وحكامة هذه القروض محل تساؤل حتى للمؤسسات العمومية التي تمنحها.. ففي الوقت الذي يحوم فيه شبح الإفلاس حول صناديق التقاعد، يُطرح سؤال جدوى دفع تلك الصناديق أموالا طائلة فورية مقابل استئجار أصول صعبة التعبئة، تمتص بكثافة سيولتها المالية، وبالتالي، تزيد من صعوبة وضعها المالي، وهو ما قد يؤثر على إيفاء صناديق الاحتياط المُقرِضة بالتزاماتها أمام أصحاب الحقوق، مقابل ماذا؟ إرضاء لحكومة فشلت في إيجاد التمويلات المبتكرة الحقيقية” (مقال الخبير الاقتصادي أيوب الرضواني -أسطورة التمويلات المبتكرة).

وحسب وثيقة رسمية، فقد وقعت الوزيرة نادية فتاح العلوي، على قرار تفويت ونقل ملكية مجموعة من مؤسسات الدولة في شهر يوليوز 2024، لفائدة شركة عقارية تابعة لصندوق الإيداع والتدبير، حيث وقعت الوزيرة على قرار أو وثيقة بتاريخ 10 يوليوز 2024، تسمح ببيع منشآت عقارية ومقرات إلى شركة “ديناميك ستون” المختصة في العقار، والتي تمثل شركة “أجار إنفست” التابعة لصندوق الإيداع والتدبير مقابل عائدات مالية بلغت 83 مليارا و946 مليون سنتيم، ويتعلق الأمر بـ 11 عقارا في عدة مدن، مثل الخميسات، خنيفرة، المحمدية، الناظور، وجدة، الرباط، تارودانت، وتطوان، والتي تضم مجموعة من المؤسسات، مثل المستشفيات، عمارات إدارية، وقصر للعدالة، ومؤسسات تعليمية.. تتوزع هذه المؤسسات والمقرات، بين مدرسة الإمام الغزالي وثانوية مولاي إدريس الإعدادية الواقعتين بتيفلت إقليم الخميسات، ومدرسة الأرز الابتدائية، التابعة والواقعة ببلدية خنيفرة، ومستشفى مولاي عبد الله بالمحمدية، والمركز الاستشفائي الإقليمي في مدينة الدريوش، وقصر العدالة بوجدة، ومدينة حدائق الجمارك، ومدرستي ابن حزم وحمزة بن عبد المطلب بوجدة، ومقر المجلس الجهوي للحسابات بالرباط، ومديرية التجهيز والنقل بتارودانت، مندوبية أملاك الدولة تجزئة المطار بتطوان.

فبيع وزارة المالية هذه المنشآت العمومية والمؤسسات والمدارس، يتنافى مع ما روج له فوزي لقجع في البرلمان، حول قيام الدولة بتسليم ملك الأصل مؤقتا لمؤسسة مالية أو صندوق استثماري مقابل قيمة مالية عليه، وتستعمل هذا المبلغ لتمويل بناء مشروع جديد، وفي المقابل، تؤدي سومة كرائية لهذا الصندوق أو المؤسسة التي فوتت لها الملكية المؤقتة، لكن يبقى السؤال: أين ذهبت 80 مليار درهم من عائدات التفويتات المبتكرة التي حصلت عليها والتي استثمرت منها فقط أقل من 2 مليار درهم في بناء مستشفى ابن سينا الجديد بالرباط ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى