تحقيقات أسبوعية

تقرير | مخاطر استعمال المال السياسي في الانتخابات

هل تستطيع الداخلية تطويق الظاهرة وضبط التمويل الانتخابي ؟

مع تمرير القوانين المتعلقة بالانتخابات المقبلة 2026، يطرح نقاش سياسي وفكري حول طبيعة النظام الانتخابي المغربي، والتي تتحكم في هندسة الدولة بكل أجهزتها لضبط التعددية السياسية والأحزاب، وعدم السماح بظهور حزب أغلبي يتحكم في المشهد السياسي ويكون في مواجهة مع الدولة في تدبير السياسات العامة للبلاد، مثل فترة التناوب التي قادها الراحل عبد الرحمان اليوسفي.

الرباط. الأسبوع

كشفت دراسة حديثة عن مجموعة من الملاحظات والاختلالات البنيوية في النظام الانتخابي المغربي، مقارنة مع الأنظمة الانتخابية الديمقراطية الأوروبية، والتي تفرز حزبا أو ثلاثة أحزاب تكتسح المشهد السياسي، عوض أحزاب ضعيفة خاضعة للتحكم وأساليب انتخابية مقيدة تضع الأحزاب ومرشحيها تحت تأثير عوامل انتخابية، مثل “القاسم الانتخابي”، و”المال السياسي” الذي لم يعد مجرد وسيلة للتأثير، بل عنصرا محددا في هندسة السلطة وتوزيعها.

تتمة المقال تحت الإعلان

وحسب الدراسة التي أنجزت بعنوان: “تحليل نقدي لمقترحات أحزاب المعارضة حول إصلاح المنظومة الانتخابية المغربية، في أفق الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026″، نشرتها المجلة العربية للنشر العلمي، فإن المراقبة الانتخابية في المغرب لم تتحول بعد إلى ممارسة سيادية مكتملة كما هو الحال في الأنظمة الديمقراطية الراسخة، لكنها تسير في اتجاه بناء سيادة قانونية ناعمة تزاوج بين البطء المؤسسي والشرعية القانونية، فالدولة وهي تخضع ذاتها لآليات المراقبة والمحاسبة، تسعى إلى ترميم شرعيتها الأخلاقية والسياسية دون أن تتخلى عن منطقها المركز في إدارة الحقل الانتخابي، وهي بذلك لا تمارس الديمقراطية المغربية بوصفها محاكاة للنماذج الأوروبية، بل كمسار خاص لإعادة هندسة الشرعية عبر أدوات القانون والثقة العمومية، حيث تظل المراقبة الانتخابية مجالا لتوازن بين السلطة والتمثيل وبين السيادة والمشاركة.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأكدت الدراسة أن معضلة الفساد الانتخابي تظل تكشف عن أعمق أشكال التناقض داخل الحقل السياسي، فهو لم يعد انحرافا عرضيا، بل بنية لإعادة إنتاج النسق، فالمال العمومي منه والرمزي، أصبح أداة لتقويض التمثيل وتحويل السياسة إلى سوق للمقايضة، ومن هنا فإن النزاهة لم تعد فضيلة أخلاقية فحسب، بل صارت وظيفة مؤسساتية، قابلة للمأسسة والتقنين، فتشديد العقوبات وتجريم الحملات السابقة لأوانها وإخضاع اللوائح لمنظومة الرقمنة، ليست إجراءات ردعية، وإنما محاولات لإعادة بناء الثقة، لتحويل الأخلاق إلى هندسة قانونية تؤطر الضمير العمومي.

وسجلت الدراسة أن التمويل الانتخابي كاختبار حاسم لهذا المسار، يتجاوز مجرد المحاسبة إلى فلسفة العدالة الانتخابية ذاتها، فتنظيم سقف الإنفاق وضبط التمويل الرقمي، يعني إعادة تعريف العلاقة بين المال والسيادة، بين السوق والمجال العمومي، فالمال في النظام السياسي الحديث ليس وسيلة لاقتناء الخطاب، بل أداة لتوزيع السلطة. وعليه فإن المراقبة المالية تتحول إلى ممارسة للعدالة، وتغدو الشفافية الاقتصادية شرطا للشرعية السياسية، حيث أثبتت التجارب المقارنة في فرنسا وألمانيا وإسبانيا.. أن ضبط التمويل يشكل أساس الثقة العمومية، لأنه يفصل بين منطق السوق ومنطق الشرعية.

وقد كشفت انتخابات شتنبر 2021، عن هشاشة هذا التوازن بين الإرادة الشعبية والإرادة المؤسسية، إذ لم تكن الاختلالات التي رصدتها المذكرات الحزبية والمعارضة، من استعمال المال السياسي وشراء الأصوات إلى تدخل بعض أعوان السلطة ومنع المراقبين، مجرد وقائع معزولة، بل شواهد على ما يمكن نعته بـ”الفساد البنيوي للتمثيل”، حيث تمارس السيطرة من داخل القانون لا من خارجه، ويتحول النص التشريعي إلى حقل لإعادة إنتاج التراتبية بدل تقويضها. هنا تظهر المراقبة كسلطة رمزية تمارس باسم الشرعية، وتعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع في شكلها الأكثر انضباطا ونعومة.

وترى الدراسة أن المقترحات الحزبية لم تكن مجرد دعوات إلى تحسين الإجراء، وإنما محاولات جريئة لإعادة هندسة الحقل الانتخابي وتوزيع السلطة داخله، فالمناداة بتوسيع تركيبة هيئات الإشراف وتعددية أعضائها، ليست تفصيلا تنظيميا، بل إعلانا عن إرادة لتفكيك احتكار الدولة للرقابة وتحويلها إلى مسؤولية مشتركة، أي رقابة المجتمع على ذاته داخل مؤسساته. إنها لحظة تنبثق فيها الدولة من وعيها المؤسسي لتراقب نفسها، لا بدافع الخوف، بل بحثا عن مشروعية جديدة قوامها الثقة والولاء، مضيفة أن الشفافية في هذا السياق ليست مجرد مبدأ إداري، بل تكنولوجيا رمزية لإنتاج الثقة، في حين أن الأحزاب عندما تطالب بتمكين ممثليها من حضور عمليات الفرز وتسلم المحاضر فورا، فإنها لا تطالب بتيسير إجرائي، بل بحقها في المساهمة في صناعة الحقيقة الانتخابية، والحقيقة هنا لا تمنح من فوق.. إنها تبنى عبر رؤية ومشاركة وتوثيق وأرشفة، وتغدو مبادرة فيدرالية اليسار، والقاضية بإيداع الأرشيف الانتخابي لدى مؤسسة “أرشيف المغرب”، فعلا سياسيا مؤسسا، إذ يتحول الأرشيف من سجل إداري صامت إلى ذاكرة جماعية ناطقة من وثيقة قانونية إلى رمز للثقة العمومية.

وقالت نفس الدراسة أن القاسم الانتخابي لم يعد مجرد تقنية حسابية لتوزيع المقاعد، بل تحول إلى بنية رمزية تمارس من خلالها الدولة فعلها السيادي بلغة الأرقام.. فقد أصبح التعبير الرياضي الأكثر تجريدا عن إرادة السلطة في إخضاع الميكانيزمات الديمقراطية لمنطقها الخاص، وهو منطق الضبط والحذر والاحتواء، مبرزة أن الانتقال سنة 2021 من قاعدة الأصوات الصحيحة إلى قاعدة المسجلين، لا يمكن قراءته كتحول تشريعي محض، بل كانزياح إبستيمولوجي في فلسفة الاقتراع، حيث لم يعد التصويت فعلا تأسيسيا للشرعية، بل تحول لآلية إدارية لتوزيع المشاركة، بما يكرس ما يمكن تسميته بـ”العقل الأذاتي للدولة الانتخابية”، ذلك أن القاسم الانتخابي، وفق نفس الدراسة، هو صورة مصغرة للعقل السياسي للدولة المغربية، الذي يسعى إلى تشييد الحقل السياسي كفضاء مضبوط الإحداثيات، لا يقبل الانفلات أو الفائض، فهو بمثابة ميثاق غير مكتوب يعيد هندسة المجال التمثيلي وفق مقاربة تجعل التعددية ممكنة، دون أن تجعلها بالضرورة فاعلة؛ ففي بنية هذا النظام لا تقاس الديمقراطية بمدى تنافسها، بل بمدى استيعابها، إذ يتحول القاسم الانتخابي إلى مؤسسة للحياد السلطوي، أي إلى جهاز ينظم الانقسام السياسي، يمكن اعتباره رد فعل مؤسساتي على ما سمي بـ”خطر الأغلبية”، أي احتمال أن تفرز صناديق الاقتراع كتلة سياسية متجانسة قادرة على خلخلة توازن النسق القائم، لأن ما يخيف الدولة في هذه الحالة ليس الصراع السياسي في حد ذاته، بل الحسم الناتج عنه، لأن الحسم يهدد مركزية الدولة بوصفها الضامن الوحيد لتوازن القوى، لذلك أفرغ الاقتراع من طاقته الحاسمة، مشيرة إلى أن القاسم الانتخابي تحول إلى وسيلة أنيقة تمكن الدولة من أن تقول لمواطنيها “صوتوا كما تشاؤون، لكن النتيجة ستبقى متوازنة”.. إنها الصيغة المغربية الدقيقة لفن الحكم عبر الضبط، حيث تمارس السيادة بوسائل ديمقراطية، وتدار الديمقراطية بعقل سيادي.

وترى الدراسة أن التعددية السياسية لم تعد نابعة من دينامية المجتمع أو من التفاعل الحر بين القوى الحزبية، بل أضحت نتاجا لهندسة قانونية مسبقة تنتج تعددية متساكنة لا متصارعة، لكونها “تعددية مفرغة من الصراع”، أو “تواصل بلا صدام”، فالبرلمان – في ظل هذا الترتيب – يتحول إلى فضاء لتداول الخطابات بدل أن يكون ساحة لتقاطع الإرادات، وإلى منتدى رمزي لإعادة إنتاج التوازن أكثر مما هو مؤسسة لصناعة القرار، مشيرة إلى أن النتيجة كانت العزوف الانتخابي، الذي يفترض أن يكون مؤشر أزمة ثقة، تحول إلى آلية استقرار، لأن انخفاض نسبة المشاركة يرفع من قيمة القاسم الانتخابي، مما يؤدي إلى تشتت أكبر في النتائج، وبالتالي إلى ترسيخ قاعدة التوازن الحسابي الدائم، موضحة أن تطويع المشاركة الانتخابية لتصبح عنصرا في هندسة الاستقرار لا تهديدا له، تعد مفارقة تختصرها قاعدة السلطة الجديدة: كلما قل التصويت زاد الاستقرار.

وخلصت الدراسة إلى أن معضلة “الفساد الانتخابي” تظل تكشف عن أعمق أشكال التناقض داخل الحقل السياسي، فهو لم يعد انحرافا عرضيا، بل بنية لإعادة إنتاج النسق، فالمال العمومي منه والرمزي، أصبح أداة لتقويض التمثيل وتحويل السياسة إلى سوق للمقايضة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى