تحقيقات أسبوعية

متابعات | كيف يمكن للدولة أن تنجح في محاربة الفساد بدون مجتمع مدني ؟

تطرح حماية المال العام ومكافحة الفساد إشكالية حقيقية في الدولة المغربية منذ عقود، حيث مرت العديد من الملفات الكثيرة التي اغتنى أصحابها وراكموا الملايير في ملفات مثل صندوق الضمان الاجتماعي، وصندوق التقاعد، والقرض العقاري والسياحي، والتعاضدية العامة للموظفين، وصندوق الإيداع والتدبير، والعديد من الجماعات وبعض الجهات، لكن ملفات الفساد أخذت وتيرة سريعة في عهد حكومة أخنوش بعد سقوط عشرات من رؤساء الجماعات، ومتابعة عشرات البرلمانيين من مختلف الأحزاب، بتهم تتعلق باختلالات تدبير الشأن العام والصفقات.

إعداد: خالد الغازي

أفاد تقرير صادر عن وزارة الداخلية، بأن عدد المنتخبين المتابعين قضائيا بلغ 302 منتخب، ضمنهم رؤساء جماعات ونواب للرئيس ومستشارون جماعيون ورؤساء سابقون، وذلك بسبب ارتكابهم لأفعال مخالفة للقانون، حيث توزعت المتابعات القضائية في حق أعضاء مجالس الجماعات بين 52 رئيس جماعة، و57 نائبا للرئيس، و124 مستشارا جماعيا و69 رئيس جماعة سابق، و55 برلمانيا، متابعين في ملفات، وتبعا لذلك جردت المحكمة الدستورية 47 منهم بعد إدانتهم من طرف المحاكم بسبب ضلوعهم في قضايا الفساد وخرق القانون. ورغم حالات الفساد التي تحصل على مستوى المؤسسات المنتخبة، إلا أن الحكومة جاءت بقانون جديد يوفر حماية للمنتخبين الكبار والأعيان، ويقطع الطريق على المجتمع المدني للترافع والمشاركة في محاربة الفساد.. فهل ستنجح الدولة في محاربة الفساد بدون مجتمع مدني ؟

تتمة المقال تحت الإعلان
محمد المسكاوي
محمد المسكاوي

في هذا السياق، يقول محمد المسكاوي، رئيس الشبكة المغربية لحماية المال العام، أن الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد التي صادق عليها المغرب سنة 2007، تدعو بصريح العبارة في المادة 13، إلى ضرورة إشراك المجتمع المدني في مكافحة الفساد كل حسب قوانينها وأنظمتها الداخلية، كما أن دستور 2011 شدد على هذه النقطة، حيث منح للجمعيات آليات ترافعية من خلال العرائض والملتمسات، وقبل الدستور، جاءت إحدى الخطب الملكية التي أكد فيها الملك محمد السادس على ضرورة حماية المال العام واعتبرها مسؤولية مشتركة ما بين مؤسسات الدولة والمواطنين والمجتمع المدني، متمنيا من الحكومة المقبلة أن تقوم بإعادة النظر وإلغائهما عبر تعديل قانوني، على أمل حكومة مقبلة مؤمنة بالمقاربة التشاركية ومتشبعة بالقيم الدولية في مجال الحكامة والتجارب الفضلى في مكافحة الفساد وحماية المال العام وبعيدة عن تضارب المصالح.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأوضح نفس المتحدث، أن الشبكة المغربية لحماية المال العام وعلى غرار باقي مكونات المجتمع المدني، فوجئت بمشروع قانون المسطرة الجنائية في مادتيه 3 و7 اللتان منعتا الجمعيات العاملة في حماية المال العام، من حقها في وضع الشكايات أمام النيابة العامة، وهو المشروع الذي أصبح قانونا بعد اجتياز المسطرة التشريعية، معتبرا أن هاتين المادتين تشكلان تراجعا خطيرا على مستوى التزامات المغرب الدولية في مجال مكافحة الفساد، وتدخلا واضحا في اختصاصات النيابة العامة والجهاز القضائي وانتقاصا للدستور، ونضعهما في خانة تكميم الأفواه، وتضايق البعض من الدور المتنامي للمجتمع المدني في ظل تصاعد المطالب الشعبية بضرورة الإصلاح عبر القطع مع الفساد لضمان العيش الكريم للمواطنين، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والشغل، وإشارة اطمئنان لمشاريع ناهبي المال العام، لا سيما وأن نوعية الشكايات التي تم وضعها أمام القضاء من طرف الجمعيات، معظمها تستند إلى تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية.

وأكد المتحدث ذاته، أن إشراك المجتمع المدني يمر عبر عدة آليات، أهمها التحسيس والتوعية بخطورة ظاهرة الفساد وأثارها المدمرة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية وكذا تنبيه السلطات العمومية من خلال المراسلات والبيانات لبعض الممارسات التي تساعد في تفشي هذه الظاهرة السرطانية، أو إثارة بعض النقائص القانونية التي يجب معالجتها تشريعيا لتطويق الظاهرة، وهناك آلية التبليغ القضائية من خلال الشكايات المباشرة إلى النيابة العامة في حالة توفر ملفات تحوم حولها شبهات الفساد، والتي تتطلب فتح تحقيقات قضائية وإنفاذ القانون، منتقدا التبريرات التي قدمها وزير العدل كمقترح للمشروع، والتي لم تكن مقنعة وذات مصداقية، حيث أكد في عدة مناسبات أن بعض الجمعيات تهدف من خلال تلك الشكايات إلى الابتزاز وتشويه سمعة الأفراد المعنيين بمضمون الشكايات، ولن نجد من يترشح للانتخابات حسب تصريحاته، مشيرا إلى أن القانون الجنائي المغربي عالج مثل هذه الحالات من خلال العقوبات المفروضة على مثل تلك الحالات، كما أن النيابة العامة والجهاز القضائي لهما حق حفظ الشكايات إذا تبين أنها لا تستوفي الشروط أو غياب الدليل أو الحجج.

وبخصوص قدرة مؤسسات الحكامة على حماية المال العام دون المجتمع المدني، كشف رئيس الشبكة المغربية لحماية المال العام، أن القوانين المنظمة لها تمنحها القدرة والسلطة على الرقابة واكتشاف الشبهات الجنائية، والدليل هو الملفات التي تحال سنويا إلى النيابة العامة من طرف المجلس الأعلى للحسابات رغم قلتها (بسبب قلة الإمكانيات البشرية المخولة للمجلس)، أو من خلال طلبات العزل في حق بعض المنتخبين والتي تحال إلى القضاء الإداري، كما أننا ننتظر عمل ونتائج آلية المأمورين التي نص عليها القانون المنظم للهيئة الوطنية للنزاهة، لما سيتمتعون به من دور مشابه لدور الشرطة القضائية في ملفات القطاع العام.

عبد الإله الخضري
عبد الإله الخضري

من جهته، يقول عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، أن التعديل الذي جاء به مشروع قانون المسطرة الجنائية، والقاضي بمنع إجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في الجرائم التي تمس المال العام إلا بناء على طلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، وبعد إحالة رسمية من المجلس الأعلى للحسابات أو تقارير المفتشيات العامة للمالية والإدارة الترابية أو المختصين في الوزارات، هذا التعديل يشكل واحدا من أخطر مظاهر التراجع التشريعي الذي يعرفه المغرب في السنوات الأخيرة؛ فهذا التقييد لا يمكن فهمه إلا باعتباره خطوة مباشرة نحو تعطيل الدور المحوري الذي لعبته جمعيات المجتمع المدني في فضح اختلالات التدبير العمومي، وتقديم شكايات ساهمت في متابعة وإدانة عدد من المنتخبين المتورطين في تبديد ونهب المال العام على مستوى الجماعات الترابية.

وأكد أن المجتمع المدني، بما يملكه من قرب من المواطن ومن تفاصيل الحياة المحلية، كان الآلية الأكثر فعالية في كشف التجاوزات المالية والإدارية داخل الجماعات.. فكم من ملف تعمير مشبوه، أو صفقة عمومية غير شفافة، أو تفويت لممتلكات جماعية بأثمنة بخسة، لم يكن ليصل إلى القضاء لولا الشكايات التي تقدمت بها جمعيات محلية ووطنية، وفي مدن مثل مراكش وفاس ووجدة وتارودانت وبركان والقنيطرة والقصر الكبير، وغيرها، أدت هذه الشكايات إلى فتح تحقيقات رسمية انتهى جلها باعتقال رؤساء جماعات أو متابعتهم في حالة سراح، وهو ما أعاد الاعتبار لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وخلق حالة ردع حقيقية، مضيفا أن حماية المال العام تقتضي تعدد القنوات وتنوع مصادر المعلومات، وانفتاح القضاء على كل المبادرات الجادة وليس إغلاق الأبواب أمام المجتمع، فما يجري اليوم ليس إصلاحا تشريعيا، بل محاولة ممنهجة لإخماد صوت المجتمع المدني وتجريده من أدواته القانونية، وإذا كان هناك من مصلحة عليا للبلد، فهي في توسيع الرقابة وليس تضييقها، وفي تشجيع المواطنين على المشاركة وليس تكميم أفواههم، وفي بناء دولة قانون تحتكم إلى الحقيقة مهما كانت مزعجة، وليس إلى الحسابات الانتخابية والمنافع الشخصية.

وانتقد المتحدث ذاته الحكومة الحالية، التي عوض تعزيز هذا التوجه الدستوري، اختارت السير في اتجاه معاكس تماما، عبر وضع متاريس قانونية تمنع جمعيات المجتمع المدني من الاضطلاع بدورها الدستوري في مراقبة المال العام، فحصر الحق في إثارة المتابعة داخل قنوات رسمية محدودة، يجعل مكافحة الفساد امتيازا حكوميا لا مسؤولية مجتمع بأكمله، والأسوأ أن كثيرا من هذه المؤسسات الرقابية تصدر تقاريرها بعد سنوات طويلة من وقوع الأفعال، ما يجعل التدخل القضائي يفقد معناه الردعي، أما الاكتفاء بآلية “حالة التلبس”، فهو مجرد استثناء نادر الحدوث لا يعوض الوظيفة اليومية والرصد الميداني الذي يميز الجمعيات المدنية، معتبرا أن ما يحدث اليوم يعكس توجها تشريعيا ينزع نحو احتكار مسار مكافحة الفساد داخل دائرة ضيقة، وإقصاء الفاعلين المدنيين الذين شكلوا – عبر سنوات – “سلطة مضادة” ضرورية للحفاظ على التوازن داخل المنظومة السياسية.

البدالي صافي الدين
البدالي صافي الدين

بدوره، يرى البدالي صافي الدين، رئيس الفرع الجهوي للجمعية المغربية لحماية المال العام بجهة مراكش، بأن الحكومة تسعى إلى رعاية الفساد والمفسدين وأنها تحمي نفسها من المجتمع المدني الذي يراقب تعاطي الحكومة مع تدبير الشأن العام للبلاد، وكذلك رموز الفساد الذين احتموا بالحكومة من جمعيات حماية المال العام، وذلك لأن أغلب المتورطين في ملفات الفساد هم من أحزاب الأغلبية الحكومية، ولأن وزراء وبرلمانيين ورؤساء جماعات تقدمت في شأنهم الجمعية المغربية لحماية المال العام بشكايات لدى الوكلاء العامين على المستوى الوطني وتمت متابعتهم، الشيء الذي أزعج وزير العدل وهبي ومن معه، وبدل أن تقوم الحكومة بواجبها الوطني والأخلاقي في التصدي للفساد، جاءت بمسطرة تتصدى من خلالها لجمعيات المجتمع المدني.

وقال نفس المتحدث، أن ما أقدمت عليه الحكومة من منع المجتمع المدني من التصدي للفساد، يتناقض مع دستور 2011 الذي جاء فيه: “عزّز دستور 2011 المغربي دور المجتمع المدني من خلال إعطائه مكانة بارزة في الحياة العامة والسياسة التشاركية، ويُمكّن الدستور الجمعيات من المساهمة في إعداد السياسات العامة وتقييمها، بالإضافة إلى إنشاء هيئات للتشاور تمكن من إشراك الفاعلين الاجتماعيين، كما يمنح السلطات المحلية آليات تشاركية للحوار والتشاور، ويسمح للمواطنين والجمعيات بتقديم عرائض”، معتبرا أن الحكومة بقرارها المتخذ عبر المسطرة الجنائية، أصبحت من ناحية الأخلاق الدستورية والأخلاق السياسية ومن ناحية القيم الوطنية، خارج القانون، وكان على المؤسسات الرقابية الدستورية ومنها الغرفة الدستورية والأمانة العامة للحكومة، أن تتصدى لهذا الخروج الخطير عن الدستور، الذي هو أسمى قانون في البلاد، لأن هذا الخروج يعتبر انقلابا على الشرعية وجريمة ضد المجتمع المدني وضد الوطن وضد مصالحه العليا، متسائلا: كيف لحكومة تراعي الفساد أن تحارب الفساد مع العلم  أنها غارقة في الفساد حتى النخاع ؟

بدوره، يرى مبارك أوتشرفت، رئيس منتدى “إفوس للديمقراطية وحقوق الإنسان”، أن جمعيات المجتمع المدني لعبت دورا كبيرا في فضح ورصد الخروقات والاختلالات خلال السنوات الماضية، من خلال مراسلتها للمجلس الأعلى للحسابات ووكلاء الملك بخصوص الملفات المرتبطة بالمال العام، والتي برزت في مجموعة من الملفات المعروفة والمرتبطة بمتابعة برلمانيين ورؤساء جماعات، كما أن دور المجتمع المدني كان لافتا في الترافع أمام المحاكم، خاصة فيما يتعلق برصد والتبليغ عن الفساد، متسائلا عن سبب عدم إحالة قانون المسطرة الجنائية على المحكمة الدستورية التي تسهر على النظر في مواد القوانين هل هي مطابقة للدستور، رغم أنه يتضمن مستجدات جيدة تضمن المحاكمة العادلة والمتلائمة مع الاتفاقيات الدولية، منتقدا الولاية الحكومية الحالية التي سارعت في بدايتها إلى سحب قانون الإثراء غير المشروع من البرلمان، وانتزاعها لكل ضمانات الجمعيات الحقوقية.

وأضاف ذات المتحدث، أن هناك قانون التبليغ عن الفساد والرشوة وتبديد الأموال العمومية، وإذا كانت هناك قرائن، فالجهة التي ينبغي التوجه إليها هي القضاء مباشرة، لأن حرمان الجمعيات من صفة التنصيب كطرف مدني في الدعوى، يعتبر تراجعا عن المكتسبات ويخالف الدستور كذلك، باعتبار المملكة عضو في المنتظم الدولي لحقوق الإنسان، مؤكدا أن دور جمعيات المجتمع المدني تمت دسترته في دستور 2011، الذي بوأها تتبع تقييم السياسات العمومية، سواء المتعلقة بالشفافية والنزاهة وحماية المال العام، وجعل الاتفاقيات الدولية مرجعا من المراجع القانونية الوطنية، بما فيها الاتفاقيات المتعلقة بمحاربة الفساد وتعزيز الشفافية على مستوى النصوص القانونية، ومطابقة المقتضيات الدستورية مع القوانين التنظيمية والعادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى