للنقاش | هل يلغي الحكم الذاتي الصراع بين المغرب وإسبانيا حول جبل تروبيك ؟

أعاد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، بترسيخ الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية للمملكة وفق الرؤية المغربية، إلى واجهة النقاش موضوع سيادة المغرب على المجال الجوي للصحراء، وأيضا موضوع السيادة على جبل تروبيك الواقع بين جزر الكناري والسواحل الأطلسية المغربية، لما له من أهمية جيو-استراتيجية، وفي نفس الوقت أثار هذا القرار نقاشا ساخنا في الأوساط الإسبانية مخافة فقدان مصادر ثروة مهمة كانت إسبانيا تستغلها منذ احتلالها للمناطق الجنوبية للمغرب في سنة 1884..

إن إقرار الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية، يعتبر تحولا تاريخيا في مسار المنطقة التي كانت تحت الحكم الإسباني منذ سنة 1884 وإلى سنة 1975، وبعد هذا التاريخ، بقي المجال الجوي للصحراء تحت السيطرة الإسبانية ويدار من جزر الكناري، وقد بدأ المغرب، منذ مدة، في استغلال مجاله الجوي الصحراوي، خاصة ما يتعلق بالتدريبات العسكرية، في خطوة تهدف إلى استرجاع المجال بكامله، وهو ما أحيى النقاش بشأن الإطار القانوني والسياسي الذي يحيط بالقضايا البحرية والجوية بين البلدين في الواجهة الأطلسية، بعدما اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2797 بخصوص الصحراء مع ما يعنيه ذلك من فرض السيادة المغربية على سواحل الأقاليم الصحراوية باعتبارها حدودا بحرية، وفي نفس الوقت احتدم السجال في الأوساط الإسبانية الرافضة لتحسن العلاقات بين المملكة المغربية والإسبانية، واعتراف السلطات الإسبانية بمبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية منذ سنة 2022، ورغم ذلك ثارت ثائرة الإعلام الإسباني مؤخرا، لأن ترسيخ سيادة المغرب على كامل أقاليمه سيشمل أيضا المجال البحري، هذا المجال الذي يشمل أيضا جبل تروبيك الغني بثرواته المعدنية، وهو ما يتخوف الإسبان من فقدانه، حيث تطرقت العديد من التقارير للموضوع مشيرة إلى أن مسألة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، لم تصل بعد إلى اتفاق نهائي رغم الممارسة العملية الطويلة التي اعتمدت نوعا من الفصل الوظيفي بين المياه، دون أن تتحول إلى خط قانوني ملزم للطرفين، وفي هذا الاتجاه، سبق للمغرب أن صادق على القانونين 37-17 و38-17 في سنة 2020، لترسيم المياه الإقليمية ومنطقة الاقتصاد الخالص على امتداد السواحل الأطلسية للمملكة، بما فيها الأقاليم الجنوبية، وهو بذلك لا زال متمسكا باعتماد مبدأ الإنصاف وتطبيق اتفاقيات قانون البحار بشكل كامل، بما في ذلك المناطق المتاخمة لجزر الكناري، بينما تطالب إسبانيا بتطبيق ما يسمى خط المنتصف الآلي، ولا تزال المفاوضات بين الطرفين جارية بهذا الخصوص ولم يتم الحسم فيه، رغم وجود تقارير تتحدث عن تقدم ملموس نحو التوصل لاتفاق شامل.
فقد ظل جبل تروبيك، منذ عقود، عنصر نزاع تقني بين المغرب وإسبانيا، فالجبل البحري المقابل للسواحل المغربية يكتنز ثروة معدنية نادرة في أعماقه، تشمل الكوبالت والتيلوريوم، اللذين من المتوقع أن تصبح لهما أهمية كبيرة مستقبلا، خاصة الكوبالت، لدوره في صناعة البطاريات والتقنيات النظيفة المرتبطة بالطاقات المتجددة.
وحسب محللين، اقتصاديين وسياسيين، فإن جبل تروبيك أصبح محور تنافس استراتيجي بين المغرب وإسبانيا، بسبب الثروات النادرة التي يحتوي عليها، وكذا التوترات القانونية المحيطة بها، فإسبانيا تقول أن الأدلة العلمية تثبت امتداد الجبل الطبيعي لجزر الكناري، وأن أي استغلال للموارد يجب أن يتم بعد موافقة لجنة حدود الجرف القاري التابعة للأمم المتحدة، بينما يتمسك المغرب بضم الجبل اعتبارا لقربه من السواحل المغربية ويدخل في نطاق الأقاليم الجنوبية، خاصة بعد اعتراف العالم بمغربية الصحراء ودخول المغرب في استغلال مجاله الجوي الصحراوي، ولذلك بقي ملف الحدود البحرية، ويشمل جبل تروبيك، بين المغرب وإسبانيا عالقا، ويعتبر من أهم النقاط الخلافية بين البلدين، نظرا لما تمثله السواحل البحرية من أهمية استراتيجية بالنسبة للطرفين، وقد كان الملف ضمن اتفاق المصالحة وعودة العلاقات بين المغرب وإسبانيا، والذي تم في أبريل 2022، وقبل ذلك، كان المغرب، من خلال مجلس النواب، قد صادق في يناير 2020 بالإجماع على مشروعي قانون يحددان المساحات البحرية للبلاد، بموجبهما تبسط الدولة ولايتها القانونية على السواحل الممتدة من السعيدية شرقا إلى الكويرة في أقصى الجنوب مرورا بطنجة شمالا، في مسعى إلى تعزيز الموقف السياسي للدولة في مواجهة مطالب جوارها الجغرافي وصون المصالح والحقوق السيادية على كافة المجالات البحرية للمملكة، وهي خطوة قانونية عززت كثيرا حل ملف الصحراء على المستوى الدولي، وأكيد أن المغرب بعد ترسيخ الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية، سيسرع من دبلوماسيته في هذا الاتجاه كما سبق لوزير الخارجية ناصر بوريطة، أن صرح بأن “المغرب أقدم على هذه الخطوة بهدف ملاءمة التشريعات المغربية والدولية في هذا المجال للنصوص المغربية، التي تعود لسبعينات القرن الماضي، والتي أصبحت متجاوزة، خصوصا بعدما تم استكمال صياغة واعتماد اتفاق الأمم المتحدة في هذا الشأن”.
وما يعزز موقف المغرب ويقوي حظوظه لربح هذا الرهان على المستوى القانوني، هو الدينامية التي يعرفها العالم مؤخرا، وخاصة أوروبا، التي تتجه جل بلدانها نحو تصفية المشاكل الحدودية العالقة، خاصة مع مستعمراتها السابقة، وهو ما تؤكده الخطوة التي اتخذتها إسبانيا صيف سنة 2025 برفع السرية عن أرشيفها الخاص بالفترة ما قبل سنة 1980، والذي يدعم الشرعية القانونية للمغرب، حيث تؤكد الوثائق التاريخية التي بحوزة الدولة الإسبانية، سيادته على أقاليمه الجنوبية كاملة.

وتتعلق هذه الوثائق، التي تقدر بالآلاف، بفترة انسحاب إسبانيا من الصحراء المغربية، وهي تشكل نقطة تحول مفصلية في مسار هذا النزاع المفتعل حول قطعة من تراب المملكة المغربية منذ عقود طويلة، وسيتم بموجب هذا القانون الجديد الذي صادقت عليه الحكومة الإسبانية في شهر يوليوز 2025، الكشف عن مضمون وثائق تشمل محاضر سرية، ومراسلات دبلوماسية، وتقييمات سياسية وعسكرية كانت خاضعة للسرية، مما يفتح الباب أمام إعادة قراءة السياق التاريخي والسياسي الذي رافق انسحاب مدريد من الصحراء المغربية، وتنظيم المسيرة الخضراء، وتوقيع “اتفاقية مدريد”، بتاريخ 14 نونبر 1975، والتي نصت من بين ما نصت عليه: “انتقال إدارة الصحراء من إسبانيا للمغرب مقابل حقوق في استغلال للصيد لإسبانيا”.. لذلك بقي المجال البحري مفتوحا دون استرجاعه كاملا ودون ترسيمه وفق قانون البحار في ظل التعقيدات التي رافقت خروج إسبانيا من الصحراء المغربية، والتي بقيت ناقصة بعدما تم زرع كيان وهمي جنوب المملكة، سموه “الجمهورية الصحراوية”، حال دون استكمال المغرب لسيادته على كامل ترابه وجوّه وبحره، ومنذ ذلك التاريخ والمغرب يناضل في كل المحافل الدولية من أجل استعادة حقه القانوني والشرعي حتى تأتى ذلك من خلال القرار الأممي رقم 2797، والذي يؤكد سيادة المغرب على كامل أقاليمه الجنوبية في إطار الحكم الذاتي، الذي تقدم به منذ سنة 2007 كحل واقعي وعملي وجاد لطي ملف النزاع المفتعل حول الصحراء.
وبذلك يبدو أن إسبانيا، من خلال قرار الإفراج عن الأرشيف المتعلق بالصحراء، باتت مقتنعة بأن تحصين علاقاتها مع المغرب كشريك استراتيجي، يتطلب مراجعة مواقفها السابقة التي كانت تتسم بالغموض والضبابية، وبالتالي، فإن ما قد يكشفه الأرشيف الإسباني يجعل المغرب في موقع أكثر قوة لدعم مبادراته السياسية بالأدلة التاريخية الموثقة، وسيكون فرصة تاريخية لتعزيز الشرعية القانونية والسياسية والتاريخية لسيادة المملكة على الصحراء، وهو ما سيسهل أيضا سيادة المغرب على جبل تروبيك، فالحكم الذاتي ليس فقط حلا سياسيا، بل ضمانة استراتيجية للمغرب لحماية منطقة الساحل والصحراء كاملة.
فالمغرب في العهد الجديد، تبنى من أجل حسم ملف القضية الوطنية، خيارا استراتيجيا يعتمد على الدبلوماسية وعلى المعطيات القانونية والتاريخية، وبعد أن انتهى الفصل المتعلق بترسيخ الحكم الذاتي، بقي أن يتم ترسيم الحدود البحرية، ومنها جبل تروبيك، الذي سيكون له الأثر الكبير على الاقتصاد الوطني، خاصة الطاقات المتجددة، وصناعة البطاريات التي تعتمد على معدن الكوبالت، كما سيكون له دور في العلاقات التجارية، لا سيما مع دول الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد قيام هذا الأخير بتجديد الاتفاقية التجارية مع المغرب والتي تشمل جميع المنتوجات القادمة من الصحراء.
وقد كان البرلمان الأوروبي قد أسقط رسميا التعديلات الرامية إلى تغيير صفة منشأ المنتجات القادمة من الأقاليم الجنوبية للمملكة من خلال التزامه بالصيغة المعتمدة من طرف مفوضية الاتحاد الأوروبي، التي تدرج جهتي “العيون الساقية الحمراء” و”الداخلة وادي الذهب”، ضمن العلامات الرسمية المعترف بها داخل المبادلات التجارية التي تربط الطرفين، وذلك بعدما تم التصويت على القرار، شهر نونبر 2025، بـ 359 صوتا، إذ تؤكد هذه النتيجة التقدم الذي أحرزه المغرب في مسار علاقته مع البرلمان الأوروبي في سبيل الاعتراف قانونيا بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية من خلال المعاملات التجارية الدولية، وبذلك “يكون البرلمان الأوروبي قد اختار عدم الانخراط في مبادرات التشويش على العملية السياسية الجارية بخصوص جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا لتسوية سياسية عادلة وقابلة للتنفيذ بخصوص ملف النزاع، فضلا عن عدم الرغبة في إرباك تراكم النقاشات الإيجابية بشأن المسار التجاري مع المغرب، بما يحافظ على استقرار الاتفاقيات ويقطع الطريق أمام أي توظيف سياسي لملفات تقنية مرتبطة بالتبادل التجاري، في وقت تشهد فيه العلاقات المغربية-الأوروبية دينامية متقدمة على مستويات أمن الطاقة، الاستثمارات الخضراء، وسلاسل التوريد المرتبطة بالسوق المشتركة” وفق ما نشره موقع “هسبريس”.
فاعتراف البرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية بمنشأ المنتوجات الزراعية والبحرية القادمة إلى أوروبا من الصحراء المغربية، سيكون له طبعا دور في دعم قرار المغرب ومطالبه بضم جبل تروبيك ضمن مجاله البحري وفق القوانين الدولية في هذا المجال، حيث تتحدث بعض التقارير عن أن التحرك المغربي في هذا الباب قائم مع من يعنيهم الأمر منذ مدة، في انتظار الإفراج النهائي عن القانون الذي سيخول للمملكة بسط سيطرتها على جميع مياهها الأطلسية كما أقاليمها الجنوبية، ومن المنتظر أن يكون لمبادرة الأطلسي دور في هذا القرار.
وللإشارة، فالمغرب لم يصادق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار إلا في عام 2007، وهو العام الذي تقدم فيه بمبادرة الحكم الذاتي، لسببين: الأول يتعلق بالمدة التي استغرقها النقاش حول القانون قبل المصادقة عليه، والسبب الثاني يتعلق بالمناخ السياسي الذي طبع تلك الفترة، التي شهد فيها ملف الصحراء العديد من التطورات بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في سنة 1991.
وعليه، فإن النزاع حول جبل تروبيك ليس مجرد قضية اقتصادية، بل يشمل بعدا سياسيا وجيو-استراتيجيا، إذ تشير بعض التقارير إلى دور محتمل للولايات المتحدة الأمريكية في هذا الملف، حيث ترى إدارة الرئيس دونالد ترامب أن السيطرة المغربية على جبل تروبيك أسهل سياسيا من سيطرة الاتحاد الأوروبي عبر إسبانيا، وهذه نقطة إيجابية لصالح المغرب.
وحسب نفس التقارير، فإن الحسم في هذا الملف سيؤثر إيجابا على مستقبل الاستثمارات في الطاقة النظيفة، والاستراتيجيات البحرية، والعلاقات بين الرباط ومدريد على مدى السنوات المقبلة، مع إبراز فرصة نادرة للمغرب وإسبانيا لإنجاز اتفاق شامل يحول مساحة النزاع إلى فضاء للتعاون الاقتصادي والاستثماري، وحماية البيئة البحرية وضمان أمن الملاحة والطيران في إطار شراكة أطلسية بعيدة المدى.



