متابعات | أين اختفى شباب “جيل زد” ؟

يطرح اختفاء حركة “جيل زد” الكثير من التساؤلات العميقة لدى المختصين والمحللين، حول أسباب تواري شباب الاحتجاج عن الأنظار لمدة شهر ونصف، ما طرح العديد من السيناريوهات والفرضيات حول هذا الجمود أو الغياب عن الساحة، بعدما أثار الحراك العديد من النقاشات السياسية والاجتماعية في الساحة وحرك المياه الراكدة بين السياسيين والفاعلين، وأتاح للإعلام فرصة الانفتاح ومناقشة العديد من القضايا والمواضيع السياسية التي كانت غائبة عن المشهد السياسي.
إعداد: خالد الغازي
يتساءل العديد من المتتبعين والمواطنين عن أسباب اختفاء حراك “جيل زد”، وتوقف الشباب عن الوقفات الاحتجاجية والخرجات والمطالب الاجتماعية التي لقيت تفاعلا وتجاوبا من قبل الرأي العام، والتي يرى البعض أنها تتطلب إصلاحات عميقة وإرادة سياسية لدى الدولة والحكومة من أجل تبديل السياسات العمومية، والعودة إلى تفعيل آليات تنزيل النموذج التنموي الذي يتضمن العديد من التوصيات والإصلاحات التي لم تر النور على أرض الواقع.
فقد ساهمت عدة أحداث متتالية عرفها المغرب في تراجع وتيرة وحماس شباب “جيل زد”، لا سيما بعد الخطاب الملكي الذي تناول مجموعة من القضايا الاجتماعية وبرامج التنمية الترابية التي طلب من الحكومة إعدادها، بين المجالات الحضرية والقروية، ويتعلق الأمر بتشجيع المبادرات المحلية والأنشطة الاقتصادية، وتوفير فرص الشغل للشباب، والنهوض بقطاعات التعليم والصحة، وتأهيل المجال الترابي، كما شكل قرار مجلس الأمن رقم 2797، يوم 31 أكتوبر المنصرم، لصالح سيادة المغرب على الأقاليم الجنوبية، نقطة تحول في مسار احتجاجات شباب “جيل زد” بعد تفاعل المغاربة ومنهم الشباب مع القرار واحتفالاتهم بالحدث، وبفوز منتخب الشبان بكأس العالم في الشيلي.

ترى رقية أشمال، أستاذة القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط ومهتمة بقضايا الشباب، أن سيرورة الدينامية الأخيرة لاحتجاجات شباب “جيل زد” في المغرب تطرح محورية السؤال المتعلق بمدة هذا الحراك، ووتيرته وطبيعة التحول من الشرارة إلى الأفول؟ والجواب عن هذه العناصر، يتطلب التجرد من الانطباعات اللحظية ويحيلنا في ذات الآن إلى محاولة استيعاب طبيعة العلاقة بين الجيل الجديد والسياسة، وبكيفية تفاعل الدولة مع الديناميات الاجتماعية الجديدة.
وتضيف نفس المتحدثة، أن الدراسات الحديثة في علم السياسة تفسر الحركات الاحتجاجية بكونها تعيش بدورها دورات على خمسة مراحل؛ حياة تنتقل من الصعود إلى المأسسة أو الانحسار والتراجع، وهو ما عبر عنه المنظر الأمريكي سيدني تارو، بمفهوم “دورة الاحتجاج”، وتبدأ الموجة عادة باندفاع عفوي مصحوب بابتكار تكتيكي كبير، تقوده فئات جديدة غير مؤطرة، قبل أن تدخل في مرحلة الخفوت بفعل مجموعة من العوامل منها: السياق السياسي؛ تآكل الأشكال التعبوية؛ طبيعة رد الفعل الرسمي في التفاعل والاحتواء؛ وانعدام التفكير في التنظيم والمأسسة التي يمكن أن تستثمر في التراكم الحاصل بتحويله إلى فعل سياسي مؤسس، موضحة أن موجة “جيل زد” في التجربة المغربية هي ترجمة ملموسة لهذه الدورة، انطلقت من الفضاءات الرقمية، عبر منصات مثل “ديسكورد”، إذ تمكن الشباب من تجاوز وسائط التنظيم التقليدية، وعملوا على تحقيق تعبئة سريعة الانتشار والامتداد بلغة ومنهجية مستفيدة من التراكم الحاصل في الأجيال الجديدة من الاحتجاج بالمغرب منذ حركة “20 فبراير” إلى حراك الريف، بالإضافة إلى التحرك السريع للقنوات العمومية في مواكبة الدينامية عبر استضافة شباب ينتمون لهاته الفئات، مع تخصيص برامج خاصة لفاعلين حكوميين، أسهمت هاته المواكبة في تغذية المناطق البيضاء لهاته الفئات، كما عملت على تهدئة الرأي العام، بل وحمست تعطشه للاستزادة من مساحات النقاش العمومي.
وقالت أشمال أن “تفاعل الدولة مع الحراك جاء على نحو تراكمي، يزاوج بين الضبط والصرامة الأمنية لتقييد أعمال العنف والتخريب، وأحيانا أخرى اتسمت بالتجاوز في هذا التعاطي بالمقاربة الأمنية، تم الجمع لاحقا بين إجراءات ضبط محدودة ورسائل تضمنت إجراءات مرتبطة بالإصلاح وتسريع بعض البرامج الاجتماعية، وأيضا الضمانات القانونية لتوسيع وتحفيز المشاركة السياسية للشباب، وكذا ضمانات تخليق الحياة السياسية ومنها محاربة الفساد، مشيرة إلى أن التعاطي السريع والعملي مع مطالب “جيل زد” عبر اتخاذ إجراءات، ساعد على احتواء التوتر وخفوت احتجاجات الحركة، لا سيما وأن المبادرات المعلن عنها تم تقديمها من قبل المؤسسة الملكية، سواء من خلال خطاب افتتاح الدورة التشريعية الخريفية للبرلمان، أو من خلال التوجهات الكبرى للمجلس الوزاري، خاصة وأن مطالب الحركة كانت تتجه نحو هاته المؤسسة على اعتبار أنها الوحيدة التي تحظى بأعلى معدلات أسهم الثقة لدى الحركة.
وأكدت المتحدثة ذاتها، أن الاحتجاجات الشبابية واكبت تواتر النقاش العمومي وتوسيعه واحتضانه من قبل القنوات العمومية، كما أفردت عددا من المبادرات الحزبية والمدنية كإطلاق فضاءات النقاش العمومي بمعايير تخضع للجودة والملاءمة مع الأجيال الجديدة لمنصات التفاعل الرقمي والواقعي، إلا أن هاته الدينامية بدورها حاولت أن تواكب مستجدات الحياة السياسية المغربية، وتفاعل الشعب المغربي في لحظات عاطفية عفوية مع القرار الأممي 2797 الذي انتقل بقضية الصحراء المغربية من مستوى الشرعية الوطنية إلى المشروعية الوطنية، وأيضا محاولة هاته الوسائط مواكبة مستجدات الدخول السياسي المرتبط بشق مشروع ميزانية 2026، وأيضا مستجدات قانون الانتخابات..

من جانبه، اعتبر المصطفى المريزيق، أستاذ علم الاجتماع بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، أن تراجع صوت “جيل زد” في الفضاء العام خلال المدة الأخيرة، لا يعني انسحابا كاملا بقدر ما يعكس تحولا عميقا في أنماط المشاركة والتعبير؛ فعدد من العوامل البنيوية والاجتماعية أسهمت في إعادة تشكيل هذا الصوت، سواء عالميا أو في المغرب.
وأبرز المريزيق مجموعة من النقاط والأحداث التي كان لها تأثير على حراك شباب “جيل زد” الأخير: أولا، تشتّت القضايا وضعف الهوية المشتركة، إذ بعد موجات تعبئة واسعة حول المناخ والعدالة الاجتماعية وحقوق الأقليات، تفرعت أولويات “جيل زد” بشكل كبير؛ هذا التشتت أضعف فكرة “الجبهة الشبابية” التي كان بروزها قويا قبل سنوات، وأدى إلى انتقال الاهتمامات نحو قضايا فردية وأكثر ظرفية. ثانيا، الإرهاق الرقمي والنفسي، حيث أن انغماس الشباب في متابعة المحتوى السياسي على المنصات الرقمية خلق شعورا بالإنهاك واللاجدوى، مضيفا أن التعرض المستمر للأخبار السلبية، إلى جانب بطء وتيرة التغيير، دفع الكثير من الشباب إلى الانسحاب المؤقت أو إلى خفض مستوى نشاطهم، بالإضافة إلى أن تحولات المنصات وانتشار المحتوى الترفيهي وهيمنة الخوارزميات التي تدفع نحو الترفيه والتفاهة، مع زيادة الرقابة والتضييق، أدت إلى تراجع انتشار المحتوى السياسي والاجتماعي للشباب، وبذلك أصبح تأثير موجات الضغط الرقمية أضعف مقارنة مع ما سبق.
وأوضح نفس الأستاذ الجامعي، أن هناك عوامل أخرى يؤكدها الواقع المغربي كل يوم، مرتبطة بالأزمة المعيشية، وارتفاع تكاليف السكن، والبطالة، وصعوبة الاندماج الاقتصادي، وهو ما يدفع الشباب إلى التركيز على الاستقرار الفردي بدل الانخراط السياسي الواسع، كما أن الفجوة بين الشباب والمؤسسات الرسمية تجعل التعبيرات الرقمية، رغم قوتها، تتحول إلى تأثير محدود داخل القنوات التقليدية، مشيرا إلى أن “جيل زد” اليوم يتجه نحو مبادرات صغيرة محلية، مثل مشاريع مجتمعية، ريادة أعمال شبابية، أو أنشطة تطوعية، ورغم أن هذه الأشكال أقل صخبا إعلاميا، إلا أنها تعبر عن نضج جديد في أساليب المشاركة.
وأكد المتحدث ذاته، أن صوت “جيل زد” لم يخفت بقدر ما تغيّرت طبيعته، وانتقل من موجات جماعية صاخبة إلى حراك هادئ ومتنوع، محكوم بضغوط اقتصادية وتحولات رقمية وبحث دائم عن طرق جديدة لممارسة الفعل الاجتماعي، في انتظار تحقيق وعود المسؤولين الذين خرجوا بالعشرات يطالبون بالحوار في عز أيام انطلاقة الحركة.. وفي انتظار الإفراج عن المعتقلين، وفتح حوار ونقاش جدي ومسؤول حول القضايا الشبابية، خاصة بعدما جاء البلاغ الملكي الصادر عقب الاجتماع الوزاري الأخير، والذي حمل العديد من الأولويات ومطالب الشباب، التي ساهمت في دخول الحركة في مرحلة انتظار تفعيل التوجهات الملكية، مذكرا بما شهده المغرب في المدة الأخيرة من تطورات تتعلق بقضية الصحراء على ضوء قرار مجلس الأمن المتعلق بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، الأمر الذي جعل حركة “جيل زد” تحترم فرح المغاربة بهذه النقلة النوعية وفضلت عدم التشويش على الاحتفالات بتأييد الحكم الذاتي، وفرحة المغاربة بتتويج منتخب الشبان بكأس العالم.
في ظل التطورات الأخيرة التي عرفتها الساحة الوطنية، مرت حركة “جيل زد” بعدة أخطاء وأحداث شغب واعتقالات ومحاكمات، جعلت الكثير من الشباب يفضلون الابتعاد عن الحركة خوفا من الاعتقال أو بضغوط من أسرهم، كما أن بعض الخلافات التي وقع فيها شباب منصة “ديسكورد”، الذين كانوا يتحكمون في الشباب، خلقت انقسامات وخلافات داخلية بسبب إقصاء الآراء، الشيء الذي أدى إلى نفور وتباعد بين أغلبية التنسيقيات الجهوية مع توجهات القيادة الافتراضية، وضيوفها الذين خلقوا للحركة مشاكل مع الشباب العادي ومع الحركة الأمازيغية، الشيء الذي دفع بعض التنسيقيات في مختلف المدن للانسحاب أو تعليق مشاركتها في الوقفات الاحتجاجية، بسبب انحراف الحراك عن مساره الأول.
ومن الأحداث التي أثرت كثيرا على حراك “جيل زد”، ما حصل من متابعات قضائية في المحاكم لشباب الحراك السلميين الذين تمت محاكمتهم بتهم ثقيلة، منهم الذين كانوا في الصفوف الأولى للحراك، ومنهم المتورطون في أعمال الشغب والتخريب الذين أفسدوا على الحراك مساره وصورته لدى المغاربة، حيث أن النيابة العامة تحدثت نهاية شهر أكتوبر عن توقيف 2480 متهما، منهم 1473 في حالة اعتقال، واجهوا ملاحقات قضائية على خلفية احتجاجات الشباب، وهو ما يبرز أن حجم الاعتقالات كان واسعا ضدهم أمام المحاكم بناء على تحقيقات مستعجلة ومتابعات بالغت في تكييف الوقائع والأحداث (محاكمة ثلاثة شبان بسبب قمصان تحمل عبارتي “الحرية لفلسطين” و”الصحة والتعليم للجميع”، محاكمة شاب من كلميم بتهمة التحريض على الاحتجاجات قبل بداية الحراك، متابعة شبان سلميين في أكادير من شباب الحراك)، وهذا يدل على أن هذه المقاربة الأمنية والقضائية دفعت المئات من الشباب إلى التواري عن الأنظار والانسحاب في صمت من الحراك ومن الشارع، والاقتصار على النضال الافتراضي في مواقع التواصل الاجتماعي، كما أن انخراط الشبيبات الحزبية أثر سلبا على حراك “جيل زد”، بسبب ركوب البعض على الحراك وتحويله إلى منصة لخدمة بعض الأحزاب والسياسيين.
لقد ترك حراك “جيل زد” نقطة مهمة، تكمن في أنه كشف نفاق الأحزاب والنخبة السياسية، والتي سارعت إلى الركوب على الموجة واستغلال الحراك الشبابي لتغيير خطابها السياسي والظهور في القنوات والفضاءات، خاصة المسؤولين الحكوميين وقيادات أحزاب التحالف الحكومي التي حاولت احتواء الوضع أو الظهور بوجه السياسي المستمع والمنصت، إلى جانب بعض السياسيين من المعارضة، حيث تم استغلال القنوات العمومية لتمرير خطاباتهم(…)، لكن كل شيء اختفى وعادت الحكومة إلى عادتها القديمة بعدما وعدت بالتغيير والتجديد والإصلاح ومحاربة الفساد، ليترك شباب “جيل زد” العديد من الأسئلة التي تبقى أرضية للتوقف عند هذه المحطة الاحتجاجية العابرة.



