تحقيقات أسبوعية

للنقاش | بين “طريق الوحدة” و”عيد الوحدة”

أعاد ترسيم يوم 31 أكتوبر من كل سنة “عيد الوحدة” إلى الواجهة “طريق الوحدة” كأول مشروع تنموي بعد استقلال المغرب، وهي الطريق التي وحدت بين شمال المملكة وجنوبها في إطار أولى الخطوات لبناء مغرب ما بعد الاستعمار، وتوحيد المغرب من شماله إلى جنوبه، بعد ما عرفته البلاد من مؤامرات ومخططات لتقسيم الوطن ومحو الهوية العرقية والدينية والثقافية للمغاربة.. ولذلك جاءت “طريق الوحدة” لتجمع شمل المغاربة عبر ربوع المملكة، وهو نفس المغزى من “عيد الوحدة” الذي أقره الملك احتفاء بجمع شمل أبناء الوطن بعد مرور نصف قرن على قضية الصحراء(…).

بقلم: جميلة حلبي

((نبني الطريق والطريق تبنينا وتبني وحدتنا)).. هكذا سبق أن تحدث الراحل عبد الواحد الراضي لإحدى المحطات الإذاعية عن “طريق الوحدة”، باعتباره واحدا من المساهمين في تحقيق ذلك المشروع الضخم الذي أعاد رسم الخريطة المغربية، اقتصاديا وسياسيا، بعد الدمار الشامل الذي أحدثه الاستعمار في تلك الفترة من تاريخ المغرب، ذلك أن “طريق الوحدة” لم يكن مجرد تعبيد طريق في إطار إصلاح البنى التحتية، وإنما كان الهدف سياسيا استراتيجيا بالدرجة الأولى؛ سياسي لأنه جاء مباشرة بعد عودة الملك محمد الخامس من المنفى، حيث تقرر بناء الطريق سنة 1957 بالإعلان عن ذلك يوم 5 يوليوز من مدينة مراكش، باقتراح من القطب الراحل المهدي بنبركة، وساهم في بنائها شخصيا ولي العهد آنذاك الحسن الثاني، إلى جانب عدد من الشخصيات في عالم الفكر والثقافة والحركة الوطنية.. وذلك في إطار خطة الدولة نحو الإصلاح وكرد فعل على تقسيم المستعمر للبلاد على عدة مناطق، وكان منها الظهير البربري الذي كان الهدف منه تقسيم المغاربة بين البربر والعرب والإبقاء على المناطق الأمازيغية تحت النفوذ الفرنسي والمناطق العربية تحت قيادة السلطان المغربي.

والهدف الاستراتيجي للطريق، لأن المناطق التي كانت خاضعة للمستعمر الإسباني والفرنسي كانت تربطها طريقين اثنتين فقط، واحدة في الغرب بين سوق الأربعاء والقصر الكبير، والثانية تربط بين بركان ومليلية، ولذلك لم يكن هناك أمام الذين يسافرون أو بالنسبة لخطوط التجارة، سوى خيار الانتقال عبر واحدة من الطريقين المتوفرتين أو المخاطرة بالسفر عبر الجبال والغابات، وهو ما أضعف بشكل كبير المبادلات التجارية عبر ربوع المغرب في ذلك الوقت، لذلك جاءت “طريق الوحدة” لتربط شبكة الجنوب، خاصة الطريق الجهوية الذاهبة من فاس إلى تازة عبر أكنول وبورد، بالطريق الشمالية الرئيسية الرابطة بين شفشاون والحسيمة، وهي الطريق الاستراتيجية من الشبكة الطرقية الممتدة على طول جبال الريف شرق إقليم تطوان، حيث لم يكن قبل سنة 1957 أي اتصال طرقي عبر سلسلة جبال الريف بين الطريق الرئيسية الرابطة بين وزان وشفشاون والطريق الثانوية الرابطة بين تاوريرت وسلوان عبر سد مشرع حمادي، وبالتالي كان هذا المشروع نقطة انطلاقة لمشاريع أخرى مبرمجة بهدف تغيير البنى الوظيفية التقليدية للطرقات التي كانت ترتكز على خدمة مصالح المستعمر سابقا، وإعطاء الأولوية لبناء طرق بالأقاليم الشمالية والجنوبية لتصل إلى مستوى التجهيزات الموجودة بوسط وغرب المغرب.

تتمة المقال تحت الإعلان

فقد كانت “طريق الوحدة” إيذانا ببناء الإنسان بالتزامن مع بناء الطريق التي أمر الملك محمد الخامس بتشييدها من خلال خطاب وجهه لتجميع الشباب المتطوعين من مختلف مناطق البلاد، حيث ربط المشروع مدينة فاس بكتامة مرورا بتاونات، وتم إطلاق اسم “الوحدة” على هذه الطريق لتكون دلالتها سياسية أكثر منها مشروعا إصلاحيا، من خلال الربط بين الساكنة بشمال المغرب التي كانت تحت الحماية الإسبانية، وباقي المناطق الجنوبية التي كانت محتلة من طرف فرنسا، وبذلك سجل بناء “طريق الوحدة” كحدث غير مسبوق، لأنه لم يكن مجرد طريق بالمفهوم المادي لبناء الطرق، وإنما كان قبل ذلك صلة وصل بين أبناء الوطن من شماله إلى جنوبه ومن غربه إلى شرقه، فالمشروع كان ميدانا لتعبئة الشباب من أجل خدمة بلادهم ومجتمعهم، وأيضا لتعلم مهارات جديدة ومبادئ جديدة من أجل استيعاب واقع وتحديات مغرب الاستقلال، وذلك من خلال المحاضرات والدروس التي كانت تعطى للمشاركين بالموازاة مع أوراش البناء، في مخيمات كان يؤطرها عدد من الأساتذة، كمحمد عابد الجابري وعبد الواحد الراضي، وغيرهم.. والتي تضمنتها الخطوط العريضة للمحاضرة التي ألقاها المهدي بنبركة بمناسبة هذا المشروع، في شهر يونيو من سنة 1957، تحت عنوان: “مهمتنا في الحالة الراهنة”، والتي جاء فيها: ((غايتنا هي بناء مغرب جديد يعيد مجده التاريخي وتتحقق فيه لأبنائه الرفاهية الاقتصادية، بفضل طاقاته البشرية وخيراته المختلفة، والعدالة الاجتماعية بفضل حيوية جماهيره الشعبية وروح التضامن التي تتربى عليها، والاستقرار السياسي والازدهار العلمي بفضل نظام ملكي دستوري ينبني على مؤسسات ديمقراطية ناشئة عن تربيتنا الوطنية، ومن أعماق عقائدنا الدينية وتقاليدنا التاريخية الصحيحة…)).

تتمة المقال تحت الإعلان

الداخلة

انطلاقا من هذا التحليل المقتضب لـ”طريق الوحدة”، يتبين أن مشاريع البنى التحتية تساهم بالقدر الكبير في إرساء دعائم الاستقرار السياسي، مثل ما قادت المشاريع التنموية الضخمة التي أطلقها المغرب على مدى خمسين سنة إلى المساهمة في حل قضية الصحراء، بفعل الأوراش التنموية التي شهدتها الأقاليم الجنوبية للمملكة، والتي غيرت وجه المنطقة حتى أصبحت قبلة للعديد من المستثمرين من مختلف الدول التي اقتنعت بوجهة النظر المغربية من خلال مبادرة الحكم الذاتي، التي قبلت بها الأمم المتحدة أخيرا ورسختها من خلال القرار رقم 2797، وذلك بعد ما شهدته وتشهده الأقاليم الجنوبية من إقلاع تنموي في كل المجالات، والمشاريع العملاقة، خاصة ميناء الداخلة الأطلسي، ومبادرة الأطلسي التي ستستفيد منها عديد الدول وليس المغرب فقط، إضافة إلى شبكة الطرق السيارة التي عززت الربط بين جميع مناطق المغرب وأصبح لها دور محوري في الدورة الاقتصادية الوطنية، ولا ننسى الموانئ التي جعلت من المغرب وجهة إيجابية للاستثمارات الأجنبية، خاصة ميناء الناظور غرب المتوسط، وميناء طنجة المتوسطي، وأيضا ميناء البيضاء وما عرفه من تحديث جعل منه منصة عالمية للتصدير والاستيراد، كما أن توجه المغرب منذ ما يزيد عن عشرين سنة، نحو الصناعات الثقيلة كصناعة السيارات وأخيرا الصناعات العسكرية.. كل هذا ساهم بشكل كبير في الثقة التي بات يحظى بها لدى المنتظم الدولي، خاصة بعد دخول العالم في النظام الجديد الذي يقوم على التحالفات الاقتصادية والتجارية، ولذلك كان المغرب يعمل باستراتيجية استباقية أمنت له عدة محاور، أهمها تجديد الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي، وإعادة إحياء مجموعة من الاتفاقات التجارية مع روسيا، وأيضا مع الصين، ومع تركيا، وهو ما كانت الدولة تحت قيادة الملك محمد السادس تعمل عليه من خلال تنويع الشراكات، ووفر لذلك أرضية آمنة من خلال انخراط المغرب في محاربة الإرهاب ليس على المستوى الوطني فحسب، وإنما حتى على المستوى الدولي، وهو ما جعل البلاد ملاذا آمنا للاستثمارات الأجنبية، خاصة في الأقاليم الجنوبية التي أصبحت وجهة مناسبة لعدة شركات ومؤسسات أجنبية، ومن أجل ذلك عمل المغرب منذ عقود على تهييئ البنى التحتية اللازمة لذلك من شبكة الطرقات والطرق السيارة والقناطر كما هو الشأن عندما تم إطلاق مشروع “طريق الوحدة”، الذي تبعه إنشاء عدد من القناطر من أجل تيسير خطوط التجارة بين جميع المناطق، كما أن المملكة أطلقت الورش العملاق الخاص بالطاقات المتجددة والطاقات البديلة، والذي له دور كبير في المصداقية التي باتت بلادنا تحظى بها.. فكل هذه المشاريع ليست ذات أثر اقتصادي فقط، بل إن لها دورا سياسيا كبيرا لعب الدور الحاسم في تزكية مبادرة المغرب من أجل الحكم الذاتي لحسم ملف الصحراء، والتي أطلقها منذ سنة 2007، ليتم الحسم في هذا الملف أخيرا على مستوى الأمم المتحدة والذي عمر نصف قرن من المماطلة والمناورات السياسية التي كانت تحيكها بعض الدول وبعض الأطراف من أجل بتر الجزء الجنوبي من أرض المملكة رغم أن التاريخ القريب والبعيد يؤكد مغربية الصحراء.

إن بناء الوطن دائما ما يكون فيه بناء الأرض بالموازاة مع بناء الإنسان، وهو ما كان خلال الفترة ما بعد الاستعمار، إذ كانت “طريق الوحدة” إيذانا ببناء الإنسان قبل البنيات التحتية، وقبل بناء الاقتصاد، وذلك من خلال التعليم، الذي هو الحجر الأساس لبناء الأوطان.. فعند الاتفاق على بداية الأشغال، تم نصب مخيمات لقبول المتطوعين لأوراش البناء، حيث تم تجنيد 12 ألف شاب متطوع للعمل مدة ثلاثة أشهر، بنسبة 4000 شاب شهريا، حيث مثلت أوراش العمل مدارس للتكوين تلقى فيها المتطوعون دروسا تربوية وتداريب مدنية وعسكرية، ولذلك عرف المشروع مشاركة عدد من الكوادر المغربية في السياسة وفي عالم الفكر والثقافة، قدموا بالموازاة مع الأشغال دروسا تربوية للمتطوعين تحت شعار: “التجنيد والخدمة المدنية لبناء المغرب الحر المستقل”، وبذلك ساهمت “طريق الوحدة” في تكوين أطر جديدة للبلاد من خلال تلقي المتطوعين دروسا في الوطنية والاقتصاد والحرية..

وبين ذلك العهد والعهد الجديد.. مر المغرب بمراحل كثيرة من البناء، بناء الأرض والإنسان، وهو ما ساهم في التطور الحاصل في المملكة على جميع المستويات، وفي جميع القطاعات، كما عرفت البلاد هزات سياسية واقتصادية وكل مرة يخرج منها المغرب، ملكا وشعبا، سالمين أو بأقل الأضرار(…)، ومع بداية العهد الجديد، كان اهتمام الملك محمد السادس منصبا على تصفية ملف الصحراء، ولذلك لجأت الدبلوماسية المغربية إلى السرعة القصوى في تدبير الملف على المستوى الدولي كما على المستوى القاري، وكانت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 مرحلة فارقة في قضية الصحراء على اعتبار قبول هذا المنتظم لجبهة البوليساريو كعضو فيه(…)، وهو ما عمل المغرب منذ العودة إلى مقعده الشرعي هناك، على شد انتباه العالم إلى طبيعة أطروحة الانفصال التي تتبناها الجزائر من خلال صنيعتها البوليساريو وحلفائها وداعميها.. وبفضل بناء الاقتصاد والتجارة، تم بناء مواقف سياسية واضحة، حتى أن بعض الدول التي كانت مترددة في دعم مغربية الصحراء، تبددت مواقفها الضبابية، وذلك عندما وجه الملك بمناسبة ثورة الملك والشعب في 20 غشت 2022، خطابا صارم اللهجة بالقول: ((إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات)).

وبعد ذلك، وبالضبط في تاريخ 6 نونبر 2023، وبمناسبة الذكرى 48 للمسيرة الخضراء، تم الإعلان عن مبادرة الأطلسي بهدف تعزيز ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، والتي تؤكد استعداد المغرب لتقديم دعمه عبر إتاحة البنية التحتية الخاصة بالطرق، والموانئ، والسكك الحديدية، ولذلك جاءت مبادرة ميناء الداخلة الأطلسي، والطريق السيار السريع تزنيت-الداخلة، من أجل خلق مناخ استثمار سريع وفعال، وكانت المبادرة في أول الأمر موجهة إلى كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد وموريتانيا، لكن مع مرور الوقت ووضوح جدية المبادرة، أكدت 20 دولة استعدادها الانضمام للمبادرة، ومؤخرا، وقبل شهر حسم ملف الصحراء في مجلس الأمن، أشاد وزراء خارجية البلدان الأعضاء في تحالف دول الساحل، في اجتماع لتتبع تفعيل المبادرة الملكية لتعزيز ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، عقده الوزير ناصر بوريطة بنيويورك، بتاريخ 24 شتنبر 2025، أشاد رؤساء دبلوماسية النيجر ومالي وبوركينا فاسو وتشاد، بمبادرة الملك محمد السادس الرامية إلى تعزيز ولوج هذه البلدان إلى المحيط الأطلسي، وجددوا تأكيد انخراط بلدانهم بشكل كامل في هذه المبادرة الملكية التضامنية، والتزامهم بتسريع تفعيلها.

هذا الإجماع الذي حظيت به مبادرة الأطلسي ومقترح الحكم الذاتي، كان من أجل تحقيق الوحدة المغربية من شمال البلاد إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، وهو ما توج بالإعلان عن “عيد الوحدة” كعيد يحتفل فيه المغاربة يوم 31 أكتوبر من كل سنة بوحدة الإنسان والوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى