تحقيقات أسبوعية

للنقاش | قصة قرنين من العلاقات التجارية بين المغرب وبريطانيا

طرح تأخر بريطانيا في الاعتراف بمغربية الصحراء، وكان ذلك في شهر يونيو 2025، قبل ثلاثة أشهر فقط من شهر حسم ملف الصحراء في الأمم المتحدة، (طرح) علامات استفهام كثيرة في الأوساط السياسية، وأثار نقاشات حول هذا التأخر اعتبارا لعلاقة الصداقة التي تربط المملكتين المغربية والبريطانية، والواقع أن بريطانيا سبق لها أن اعترفت بمغربية الصحراء من خلال اتفاقية 1895، وهي المعاهدة الأنجلو-مغربية التي نصت على اعتراف بريطانيا بسيادة السلطان المغربي على الأراضي الممتدة من وادي درعة إلى رأس بوجدور، وكان ذلك أول اعتراف أوروبي صريح بسيادة المغرب على مناطقه الصحراوية.

بقلم: جميلة حلبي

كان لاعتراف القوى العظمى بمغربية الصحراء الوقع الفعال على تحديد مسار قضية الصحراء، خاصة بعد اعتراف الولايات المتحدة سنة 2020، وارتفاع عدد المعترفين بخطة الحكم الذاتي التي طرحها المغرب منذ سنة 2007 كحل واقعي للنزاع المفتعل حول الأقاليم الجنوبية للمملكة، سواء من قبل الدول الصديقة، أو تلك التي كانت تؤمن بأطروحة الانفصال وتساند وتدعم فكرة تأسيس “دولة صحراوية”.. وهذا المسار طبعا هو تتويج للدبلوماسية المغربية الحازمة والقوية، فالعلاقات المتينة التي تجمع المغرب بسائر الدول هو ما أفرز هذا الإجماع الذي حظي به ملف الصحراء في مختلف المحافل، رسمية وموازية، وهذا طبعا لم يكن ليتحقق لولا تلك الاتفاقيات الضاربة في جذور التاريخ البعيد والتي تربط بين المغرب وعدد من القوى والأمم التي لها وزنها على المستوى الدولي، ومن ذلك العلاقات التجارية التي تربط المملكة المغربية بالمملكة المتحدة، والتي عمرها قرنان من الزمان.. فقد كانت البداية من خلال الاتفاقية الأنجلو-مغربية التي وقعت بين البلدين بتاريخ 13 مارس 1895، بمدينة فاس، والتي نصت على اعتراف بريطانيا الرسمي بسيادة السلطان المغربي مولاي عبد العزيز على الصحراء الجنوبية الممتدة من وادي درعة إلى رأس بوجدور، مقابل تسوية النزاع القائم حول طرفاية (كانت تسمى وقتها بحصن رأس جوبي). وتعتبر هذه الاتفاقية في تاريخ المغرب الحديث وثيقة دبلوماسية أساسية، فهي شكلت أول اعتراف أوروبي صريح بسيادة المغرب على مناطقه الصحراوية.. لذلك، فإن اعتراف بريطانيا بمقترح الحكم الذاتي المغربي واعتباره هو “الأساس الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء”، وفقا للبيان المشترك الذي وقعه كل من وزير الخارجية ناصر بوريطة ووزير خارجية بريطانيا ديفيد لامي، يوم 1 يونيو 2025، لم يشكل مفاجأة كبيرة بالنسبة للخبراء الاقتصاديين، حيث تؤكد الأخبار المتداولة منذ صدور الموقف البريطاني، أن المصالح الاقتصادية الكبيرة بين البلدين من الطبيعي أن تفضي إلى مزيد من التعاون السياسي، خاصة في العهد الجديد الذي يتميز بتموقع المغرب كبوابة نحو السوق الإفريقية الواعدة ونحو السوق الأوروبية، مما جعله شريكا استراتيجيا له مكانته وسط القوى الأوروبية.

وعودة إلى بداية العلاقات التجارية بين المملكة المغربية والمملكة البريطانية، فمع نهاية القرن التاسع عشر كان المغرب يواجه ضغوطا متزايدة من طرف القوى الأوروبية، خاصة فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، والتي سعت وقتها إلى توسيع مناطق نفوذها التجاري والاستعماري؛ ففي سنة 1882، أنشأ المستكشف الأسكتلندي دونالد ماكنزي، حصنا تجاريا باسم “كازا ديل مار” عند رأس جوبي (طرفاية حاليا)، بدعم من رجال أعمال بريطانيين، وذلك سعيا من بلاده إلى تعزيز المبادلات التجارية مع إفريقيا جنوب الصحراء، غير أن هذا المشروع أقيم دون ترخيص من السلطان المغربي، مما اعتبر خرقا للسيادة المغربية وأثار احتجاجات رسمية، وفي ظل هذا الوضع، بدأ السلطان الحسن الأول مفاوضات مع ممثلي شركة “شمال غرب إفريقيا للتجارة البريطانية”، ومع الحكومة البريطانية نفسها، لتسوية وضعية المنطقة والأراضي المحيطة بها، في إطار حماية السيادة المغربية ومنع تكريس وجود أجنبي دائم في المنطقة، وقد تضمنت المعاهدة ثلاث مواد رئيسية: 1) “تعترف حكومة الملكة فكتوريا في المملكة المتحدة، بسيادة السلطان المغربي على المباني والأراضي المحيطة برأس جوبي، وتشمل الأراضي الممتدة من وادي درعة حتى رأس بوجدور”؛ 2) “يقر السلطان المغربي بعدم منح أو التنازل عن أي امتيازات أو حقوق لأي قوة أجنبية في تلك الأراضي دون موافقة مسبقة من حكومة المملكة المتحدة”؛ 3) “يتولى السلطان المغربي صيانة وإدارة المنشآت المسترجعة، وتؤول ملكية جميع المباني والمعدات إلى الحكومة المغربية”.

تتمة المقال تحت الإعلان

فبالنظر إلى بنود هذه الاتفاقية، نرى أنها شكلت خطوة مهمة في تأكيد سيادة المغرب على مناطقه الجنوبية، كما عززت موقع السلطان في مواجهة الأطماع الإسبانية شمالا، رغم الغموض الذي لف آنذاك مناطق النفوذ المغربي في عمق الصحراء، وهو ما ترك ثغرات قانونية استغلت لاحقا من قبل بعض القوى الأوروبية..

تتمة المقال تحت الإعلان

وهكذا تظهر مدى أهمية العلاقات الجيوسياسية في تاريخ المغرب، وبالضبط كل ما يتعلق بالأقاليم الصحراوية منذ عقود، بل ومنذ قرون.. فقد كشفت الاتفاقية الأنجلو-مغربية عن تحول مبكر في إدراك القوى الاستعمارية الأوروبية لأهمية الصحراء المغربية كمنطقة عبور تجاري واستراتيجي بين الأطلسي وعمق إفريقيا، حيث مثل اعتراف بريطانيا بسيادة المغرب على مناطقه الجنوبية اعترافا ضمنيا بوحدة مجاله الترابي، وحرصا على الحفاظ على توازن النفوذ مع فرنسا في غرب المتوسط، كما يجسد اليوم اعتراف بريطانيا في عهد الملك تشارلز الثالث، بمبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية للمملكة، إقرارا ضمنيا بأهمية المنطقة إن على المستوى السياسي أو على المستوى التجاري، باعتبار المغرب بوابة أوروبا نحو العمق الإفريقي، وبما أن المملكة المتحدة كانت بعد “البريكست”، تبحث عن إعادة تموقعها اقتصاديا ودبلوماسيا كما كانت في السابق، خصوصا في القارة الإفريقية، فقد سخرت لذلك استراتيجية “بريطانيا العالمية”، وهي نهج للسياسة الخارجية تهدف من ورائه إلى إعادة تأكيد دورها كقوة عالمية مؤثرة ومنفتحة على الخارج بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، حيث تركز هذه الاستراتيجية على بناء شراكات قوية، وتعزيز القوة الاقتصادية والتجارية للمملكة المتحدة، فكانت الوجهة نحو المغرب بعد إدراكها بأهمية المملكة المغربية كشريك مهم في هذا المجال في المنطقة، والخطوة الأول في هذا المنحى تأكدت من خلال اعتراف بريطانيا بمبادرة الحكم الذاتي..

تشارلز الثالث
تشارلز الثالث

وحسب محللين اقتصاديين، فإن المغرب يُنظر إليه كشريك استراتيجي ومحوري لولوج بريطانيا إلى إفريقيا، خاصة إفريقيا الغربية، قائلين أن اتفاق الشراكة البريطاني-المغربي لسنة 2021، *أعاد إحياء العلاقات بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مع الحفاظ على امتيازات اتفاق المغرب-الاتحاد الأوروبي، حيث كشف الخبير الاقتصادي والاستراتيجي، إدريس الفينة، أن “العلاقات الاقتصادية بين المملكة المتحدة والمملكة المغربية تشهد تحولا عميقا يؤذن ببروز محور استراتيجي جديد بين ضفتي الأطلسي، يتجاوز منطق المبادلات التجارية التقليدية نحو شراكة متعددة الأبعاد”، معتبرا أن “هذا التقارب تغذيه ضرورات جيو-اقتصادية، وتحفزه ديناميات الأسواق العالمية ما بعد البريكست، حيث لم يعد التعاون الاقتصادي بين البلدين امتدادا لعلاقات تاريخية قديمة فقط، بل أصبح استجابة حديثة لمنعطفات حاسمة تشهدها الساحة الدولية”، وهو ما يتجلى في الزخم السياسي والاقتصادي الذي عرفته وتعرفه المنطقة قبل شهر أكتوبر، شهر الحسم في ملف الصحراء بردهات الأمم المتحدة، مما جعل بريطانيا العظمى، على غرار دول أخرى، تؤيد قرار المغرب ومبادرته السياسية لحل ملف الصحراء، معربة عن سيادة المغرب ونجاح دبلوماسيته في حل ملف عمر لنصف قرن من النزاع المفتعل حول قطعة أرضية من ترابه، وهو أيضا ما عبرت عنه اتفاقية 1895، حين أكدت على نجاح الدبلوماسية المغربية في فرض مبدأ السيادة الرمزية على أراض كانت محط أطماع متزايدة، وهو ما جعلها لاحقا مرجعا قانونيا وجيوسياسيا في النقاشات الدولية حول الصحراء المغربية، إذ في العقدين اللاحقين لتوقيع الاتفاقية الأنجلو-مغربية، تبلور دور الوثيقة كمحور أساسي في النقاشات المتعلقة بالسيادة المغربية على الصحراء، لا سيما خلال محطات التوتر مع القوى الاستعمارية الأخرى، حيث أضفت الاتفاقية رصيدا دبلوماسيا للسلطان مولاي عبد العزيز، حين دعا إلى تأكيد حدود المغرب الجنوبية أمام مؤتمر “الجزيرة الخضراء” سنة 1906، حيث استند إليها ممثلو المملكة للدفاع عن حقوقهم الإقليمية، كما حفزت نصوص المعاهدة دراسات جغرافية ورسم خرائط أكثر دقة لمنطقة الصحراء، ما وفر للمؤرخين بيانات أولية عن تضاريس وموارد تلك البقاع، وتتميما لهذا المسار، وفي العهد الحديث، اتخذت الدولة المغربية مجموعة من المراجع التاريخية، من بينها هذه الاتفاقية، لتسليط الضوء على أصول السيادة المغربية قبل اندلاع النزاع حول الصحراء عقب انسحاب إسبانيا منها سنة 1975، مما يعكس استمرار تأثير هذه المعاهدة في الخطابات السياسية والقانونية المعاصرة.

وقد سبق للصحافة أن نشرت تقريرا تحت عنوان: “علاقات منسية بين ملوك بريطانيا والمغرب.. سفراء مغاربة منسيون حضروا حفلات التتويج كما الجنائز” بتاريخ 19 شتنبر 2022، وهو التقرير الذي أجاب عن سؤال: لماذا كان المغرب يحظى بهذه المكانة الراقية التي تؤرخ لها آلاف وثائق المراسلات المحلية عندنا والأجنبية أيضا؟ قبل أن يؤكد بأن المغرب كان البلد العربي والمسلم الوحيد الذي يحضر في احتفالات التنصيب أو التأبين من خارج لائحة دول مستعمرات بريطانيا، والسبب، حسب ما توثقه وثائق الأرشيف، وجود ما كانوا يسمون “السُعاة”، الذين كان لهم دور كبير في فتح قنوات التواصل بين المخزن المغربي، خاصة أيام المولى إسماعيل، الذي حكم المغرب ما بين سنة 1672 و1727، وأيام المولى محمد الرابع، وفي عهد السلطان الحسن الأول، الذي كانت وفاته سنة 1894 تعرف وجودا قويا للبريطانيين في المغرب بموجب اتفاقيات وصداقة متينة بين البلدين، واصفة الملكة إليزابيث الأولى بـ”راعية أول صداقة مع المغرب”؛ فقد اتصلت إليزابيث الأولى بأحمد المنصور الذهبي، الذي في عهده كانت الدولة السعدية تهيمن على تصدير السكر إلى لندن، حتى أصبح المغرب يحتكر تلك التجارة ويقدم تفضيلات لبريطانيا، وهو ما وطد صداقته مع الملكة إلى أن توفي سنة 1603.

كما كانت بعض الخطابات الرسمية المرسلة من المغرب إلى بريطانيا، أو العكس، تكشف إلى أي حد كان الاهتمام بالتجارة كبيرا.. فبعض المراسلات كانت مخصصة لتوضيح مجريات العمليات التجارية بين مغاربة وبريطانيا، أو بين بريطانيين والدولة المغربية، ولم يكن هناك أي ذكر لشركات تشرف أو تهيمن على نوع من التجارة، ودائما حسب موقع “الأخبار”، وهناك أيضا تقارير تشير إلى وجود علاقات تجارية بين المملكتين في سنة 1585، وما قبلها وما بعدها.. وفي العصر الحديث، استمرت العلاقات بين المملكتين في عهد الملكة إليزابيث الثانية والملك الراحل الحسن الثاني، وكانت قائمة على التعاون والصداقة التي تعززت عبر الزيارات المتبادلة، منها زيارة الملكة للمغرب سنة 1980 وزيارة الملك الحسن الثاني التاريخية إلى لندن سنة 1987.

وفي عهد الملك محمد السادس، استمرت بين البلدين علاقات الصداقة الممزوجة بالعلاقات التجارية، والتي توجت بالتوقيع على عدة شراكات استراتيجية، خاصة في مجال الطاقة، والاستفادة من المشاريع النموذجية المنجزة بالأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، كما تشمل هذه الشراكة الاتفاق المنجز بين القارتين “مشروع الربط الكهربائي بين المغرب وبريطانيا”، الذي سيمر عبر ثلاثة دول هي فرنسا وإسبانيا والبرتغال بحرا، وتزويد سبعة ملايين منزل بريطاني بالكهرباء النظيفة بحلول سنة 2030.

وهكذا، فإن الدبلوماسية الاقتصادية والتجارية للمغرب أثمرت نجاحا سياسيا فاق الانتظارات.. فقبل 31 أكتوبر 2025، لم يكن أكثر المتشائمين يعتقدون أن يتم حل ملف الصحراء بهذه الطريقة الدبلوماسية؛ فقد كانت بعض الأطراف ترجح كفة الحرب، لكن الفكر السلمي للدولة المغربية وللملك محمد السادس استطاع بفضل استراتيجية الشراكات الاقتصادية وعلاقات الصداقة مع مختلف الدول، من شرق العالم إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، أن يكسب تأييد معظم الدول لمخططه ومبادرته للحكم الذاتي من أجل حل القضية التي عمرت نصف قرن من الزمان، وذلك من خلال العلاقات الضاربة في عمق التاريخ مع القوى التي لها وزنها السياسي على المستوى العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى