المنبر الحر | حين يصبح التعيين عقوبة.. مدرسو الهامش بين الظلم والنسيان


منذ عقود طويلة، وخصوصا منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ظل ملف تعيينات رجال ونساء التعليم في المغرب من أكثر الملفات التي تُثير الجدل في الأوساط التربوية؛ فبينما ينعم بعض الموظفين في القطاع بخدمة مدنهم وقرب ذويهم، يُلقى بآخرين إلى مناطق نائية، وعرة التضاريس، منسية من برامج التنمية، وكأنهم من طبقة أدنى في سلم الاستحقاق.
هؤلاء الذين حملوا رسالة التربية والتعليم، وجدوا أنفسهم غرباء في وطنهم، يقطعون الكيلومترات عبر الجبال والأودية ليصلوا إلى حجرات دراسية تفتقر لأبسط ظروف العيش والعمل.
تمييز غير معلن باسم ” الضرورة “
تُبرّر الوزارة هذا التوزيع غير العادل بمصطلحات تقنية براقة كـ”تلبية الخصاص” و”العدالة المجالية” و”مصلحة المتعلمين”.. لكنها في العمق تخفي وجها آخر أكثر قسوة: الزبونية والمحسوبية.
فكم من حديث عهد بالتوظيف وجد نفسه منذ أول يوم في قلب العاصمة أو إحدى المدن الكبرى، بفضل معرفة أو توصية أو “اتصال”، بينما آخرون ظلوا في القرى المعزولة لعقود طويلة دون أن يحظوا بفرصة الانتقال، وكأنهم سجناء مؤبدون في خدمة الوطن من الهامش.
معاناة في صمت
كثير من الأطر التربوية ممن عُيّنوا في السبعينات والثمانينات عاشوا حياة شاقة بكل المقاييس؛ فمنهم من قضى زهرة شبابه في أعالي الجبال دون كهرباء أو ماء صالح للشرب، بعيدا عن أسرته، محروما من الدفء الإنساني والمجتمعي.
وحين جاءهم التقاعد، كانوا منهكين، مثقلين بالأمراض، وقد أرهقتهم سنوات الغربة والعناء، لا يملكون سكنا، ولا ادخارا، فقط ذكريات مريرة عن وطن لم ينصف أبناءه الذين حملوا مشعل المعرفة في أقسى الظروف.
الظلم لا يبرّر بالواجب
الحديث عن الواجب الوطني لا يجب أن يكون ذريعة لتكريس الظلم، فالوطن ليس فقط من يطالب أبناءه بالتضحية، بل أيضا من ينصفهم ويكافئهم، والعدالة في التعيين ليست منّة، بل حقا أصيلا في مبدأ تكافؤ الفرص الذي ينص عليه الدستور نفسه.
وحين يُترك المعلم في الجبال ثلاثين سنة دون انتقال، بينما غيره يتنقل كل عام بفضل “معارفه”، فإننا لا نتحدث عن وطن يحتضن أبناءه، بل عن نظام إداري فقد بوصلته الأخلاقية.
الإصلاح المنشود
لن تُبنى مدرسة وطنية عادلة إلا حين تُلغى كل مظاهر التمييز والمحسوبية في التعيين والترقية، ويُعتمد نظام شفاف يعتمد على الكفاءة والاستحقاق وحدهما.
كما ينبغي للوزارة أن تنظر بعين الرحمة والإنصاف إلى أولئك الذين أفنوا أعمارهم في الهامش، وأن تُعيد الاعتبار إليهم، ولو رمزيا، اعترافا بجميلهم وإخلاصهم.
العدالة في توزيع رجال ونساء التعليم ليست قضية إدارية فحسب، بل قضية كرامة وطنية؛ فحين يُظلم المربي، يُظلم معه التلميذ، ويُظلم المستقبل.
ولعل الإنصاف الحقيقي يبدأ حين نعترف بأن الغبن الذي عاشه أطر التعليم في الماضي، يجب ألا يتكرر مع الأجيال الجديدة، فالوطن لا يبنى بالمحاباة، بل بالعدل.




أريد نشر بعض المقالات باعتباري أستاذا للغة العربية وشكرا