المنبر الحر | الدبلوماسية المغربية والقرار الأممي حول الصحراء


يشكل القرار الأخير لمجلس الأمن الدولي الذي اعتبر أن منح الصحراء المغربية حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية هو الحل الأنجع، محطة فارقة في مسار قضية إقليمية دامت لما يزيد عن نصف قرن؛ هذا القرار لم يكن وليد لحظة سياسية عابرة، بل ثمرة رؤية دبلوماسية مغربية متبصرة بقيادة الملك محمد السادس، وتنفيذ دقيق من طرف الجهاز الدبلوماسي الذي يقوده وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة.
فقد جاء القرار في سياق دولي يعرف إعادة تشكل في التحالفات وتراجع فاعلية المقاربات الإيديولوجية أمام صعود البراغماتية السياسية، وقد استطاعت الدبلوماسية المغربية أن تستثمر هذا التحول بذكاء من خلال بناء شبكة واسعة من الشراكات الاستراتيجية المتوازنة مع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإسبانيا، وتعزيز حضورها داخل المنظمات الإفريقية والعربية، ويعكس تصويت إحدى عشر دولة لصالح القرار، مقابل امتناع روسيا والصين وباكستان وعدم مشاركة الجزائر، تحولا ملموسا في ميزان الدعم الدولي نحو المقاربة المغربية، وهو مؤشر على تراجع الخطاب الانفصالي داخل أروقة الأمم المتحدة.
إلى جانب النجاح السياسي والدبلوماسي، رسخ المغرب موقعه الجيوسياسي كجسر استراتيجي يربط بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، وهو ما منحه دورا متزايد الأهمية في محيطه الإقليمي والدولي.. فقد تحولت المملكة، بفضل موقعها الجغرافي وانفتاحها الاقتصادي، إلى بوابة رئيسية للاستثمار في القارة الإفريقية، ومركز جذب للشركات الدولية التي تبحث عن الاستقرار والفرص الواعدة.
وفي هذا الإطار، أطلق المغرب خلال السنوات الأخيرة سلسلة من المشاريع الكبرى في الأقاليم الجنوبية جعلت من مدن مثل العيون والداخلة أقطابا اقتصادية صاعدة ومراكز جذب استثماري في مجالات الطاقة المتجددة، والصيد البحري، واللوجستيك، والسياحة المستدامة، حيث أصبحت الداخلة – مثلا – منصة إقليمية للتجارة البحرية ومنطقة ربط إفريقيا جنوب الصحراء بالمحيط الأطلسي، بفضل مشاريع الميناء الأطلسي العملاق والبنية التحتية الحديثة التي يجري تطويرها هناك.
كما شجعت السياسات الملكية على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الأقاليم الصحراوية، من خلال توفير بيئة قانونية مشجعة ومناخ أعمال مستقر، وهو ما جعل المؤسسات الدولية تعتبر النموذج المغربي في تنمية الأقاليم الجنوبية تجربة رائدة في القارة، وقد أضحت هذه المناطق اليوم مختبرا فعليا للنموذج التنموي الجديد الذي يجسد رؤية المغرب لمستقبل متوازن بين الوحدة الوطنية والتنمية الشاملة.
لقد تميزت الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة باعتماد نهج الاستباق بدل رد الفعل، من خلال تحرك هادئ ومنظم في العواصم المؤثرة، وتوظيف ذكي للقوة الناعمة عبر التعاون الأمني والاستثمارات والتنمية المشتركة في إفريقيا، كما تبنى المغرب ما يعرف بالدبلوماسية متعددة المسارات، التي تجمع بين الانخراط الرسمي في المنظمات الدولية والدبلوماسية الموازية التي تعتمد على المجتمع المدني والبرلمان والمؤسسات البحثية.
ويعد موقف المغرب منفتحا ومتوازنا حتى مع خصومه الإقليميين، وهو ما تجلى في دعوة الملك إلى حوار مباشر مع الرئيس الجزائري، في إشارة واضحة إلى أن المغرب يراهن على الحلول التوافقية القائمة على احترام السيادة ووحدة الأراضي، بعيدا عن منطق التصعيد.
يستمد الموقف المغربي قوته من شرعية تاريخية وقانونية، إذ حظي مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007، بتقدير واسع من قبل المجتمع الدولي باعتباره حلا واقعيا وعادلا وقابلا للتطبيق، كما أن الخطاب الملكي الأخير أكد انفتاح المغرب على التفاوض ضمن إطار سيادته الثابتة على أقاليمه الجنوبية، في تأكيد جديد على التزام المملكة بخيار السلم والحوار.
لقد نجحت الدبلوماسية المغربية في تحويل قضية الصحراء من ملف نزاع إلى قضية توافق دولي حول مقاربة مغربية واقعية ومتوازنة.. إنها دبلوماسية تجمع بين الحنكة السياسية والرؤية الاستراتيجية، وتستند إلى رؤية ملكية تعتبر أن الأمن الإقليمي يبدأ من التنمية المشتركة والاحترام المتبادل.
ويؤكد القرار الأخير لمجلس الأمن، أن المغرب أصبح فاعلا إقليميا مؤثرا، وأن دبلوماسيته بقيادة جلالة الملك محمد السادس وتنفيذا لسياسات وزير الخارجية ناصر بوريطة تمثل نموذجًا في التدرج والصبر الاستراتيجي والواقعية السياسية. هذا النجاح لا يمكن اعتباره انتصارًا ظرفيًا، بل هو تتويج لمسار طويل من العمل الدبلوماسي الهادئ القائم على الثقة والالتزام بالقانون الدولي والبحث عن حلول دائمة قائمة على الشراكة لا الصراع.
بهذا يثبت المغرب أنه لا يكتفي بالدفاع عن قضيته الوطنية العادلة، بل يربطها برؤية تنموية واقعية تجعل من الأقاليم الصحراوية محركا للنمو ومختبرا لنجاح النموذج المغربي في الجمع بين الدبلوماسية الفاعلة والتنمية المستدامة.



