للنقاش | العلاقات المغربية – الروسية.. من السلطان محمد الثالث إلى الملك محمد السادس
الصحراء تحتم العودة إلى زمن الإمبراطوريات

أثار التصريح الذي أدلى به مؤخرا لوسائل الإعلام، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بأن “الحكم الذاتي يعتبر حلا واقعيا وقابلا للتطبيق” من أجل إنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية منذ عقود، وأن “هذا الخيار يمكن أن يكون حلا طالما أنه منصوص عليه من طرف الأمم المتحدة ويتماشى مع قراراتها، وإذا كان مقبولا لدى الجميع فهو مقبول لدينا أيضا”.. أثار هذا الموقف الكثير من الجدل واعتبره محللون تحولا غير مسبوق في تاريخ العلاقات الدولية من جهة، ومن جهة ثانية، فيما يخص العلاقات بين المملكة المغربية والفيدرالية الروسية، والواقع أن العلاقات بين البلدين ليست وليدة اليوم، بل إنها تمتد لقرون.. وذلك منذ سنة 1777، عندما أقام السلطان محمد الثالث علاقات تجارية مع إمبراطورة روسيا، كاترينا الثانية.

تقوم العلاقات بين المغرب وروسيا على اتفاقيات في مختلف المجالات، وخاصة ما يتعلق بالتجارة، وذلك منذ أن دشن السلطان المغربي سيدي محمد بن عبد الله وإمبراطورة روسيا كاترينا الثانية، مشوار العلاقات بين البلدين، وتم التوقيع على اتفاقيات تجارية تضمن معاملة تفضيلية بينهما، وكان ذلك قبل سنوات فقط من انتهاء القرن الثامن عشر، لتتطور العلاقات إلى تدشين قنصلية عامة للإمبراطورية الروسية في مدينة طنجة، التي وصل إليها رئيس البعثة في ماي 1899، واستمرت العلاقات بين البلدين مطبوعة بعوامل الحروب الكبرى التي شهدها العالم في تلك الفترات.. فعندما اشتدت الأزمات والحروب، وأخذت تمتد إلى خارج أوروبا، تغير موقف الحكومة الروسية مما كان يسمى آنذاك بـ”القضية المغربية”، على اعتبار أن المغرب كان محط أطماع العديد من الدول الأوروبية التي كانت تتصارع من أجل احتلاله(…)، ومن أجل تحصين موقعها في المملكة المغربية، تم تعيين ممثل دبلوماسي روسي بدأ عمله في شهر ماي 1898، وبعد ذلك توجه إلى مراكش عاصمة المغرب آنذاك، لتقديم أوراق اعتماده إلى السلطان مولاي عبد العزيز.
واستمرت العلاقات في إطار من التعاون والصداقة، توجت بإرسال السلطان الحسن الأول، سنة 1901، بعثة دبلوماسية طارئة إلى روسيا برئاسة وزير الخارجية عبد الكريم بن سليمان، كان الهدف منها تقوية علاقاته مع دول أوروبا، وكان جواب روسيا بأنه “ليست لها أطماع في المغرب، وأن على المغرب تقوية علاقاته مع فرنسا”..
واعتبارا للحروب التي كانت في تلك الفترة من التاريخ، تراجعت أو لنقل عرفت العلاقات بين البلدين نوعا من الفتور، نتيجة الحماية التي كانت مفروضة على المغرب من جهة، ومن جهة ثانية الحرب التي كانت روسيا تخوضها مع اليابان(…)، فقد كانت العلاقات المغربية-الروسية تسيّر من خلال فرنسا منذ سنة 1912، وتبعا لذلك غادر ممثل البعثة الدبلوماسية الروسية طنجة في مارس 1912، لتصبح في فبراير 1913 قنصلية دبلوماسية عامة، وبسبب ثورة أكتوبر (الثورة البولشفية) في روسيا والحربين العالميتين الأولى والثانية، انقطعت العلاقات المباشرة بين البلدين لفترة طويلة..
واستمر الوضع على ذلك المنوال.. إلى أن قرر المغرب والاتحاد السوفياتي استئناف العلاقات وهذه المرة بإقامة علاقات دبلوماسية، وكان ذلك سنة 1958، وقد كان أبرز حدث طبع العلاقات بين البلدين، زيارة الرئيس السوفياتي ليونيد بريجنيف للمغرب سنة 1961، جاءت بعدها زيارة الملك الحسن الثاني إلى موسكو سنة 1966، وتم خلالها التوقيع على مجموعة من الاتفاقيات في مجالات الثقافة والاقتصاد، وأيضا في مجال العلوم، كما زار ولي العهد آنذاك (الملك محمد السادس) موسكو على رأس وفد مغربي في سنتي 1982 و1984.
وبعد ذلك، وبالضبط في سنة 1991، اعترف المغرب بروسيا الاتحادية..

وفي العهد الجديد، تشهد العلاقات الاقتصادية بين المغرب وروسيا زخما كبيرا، حيث بدأت عدد من الشركات الروسية الاستثمار في القطاع الفلاحي ببلادنا، في إطار مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتنوعت بعد ذلك مجالات التعاون لتشمل مشاريع تحلية مياه البحر عن طريق شركة “روساتوم”، كما أن المغرب عزز مكانته كأحد الموردين الرئيسيين للفواكه إلى روسيا، إضافة إلى التعاون في مجال الصيد البحري..
هذا التعاون لم يأت من فراغ، وإنما هو نتيجة رؤية قائدي البلدين ورغبتهما في المضي قدما وتوطيد العلاقات التي عمرها ثلاثة قرون.. إذ جاءت زيارة الملك محمد السادس إلى موسكو في الفترة بين 14 و18 أكتوبر 2002، بعد ثلاث سنوات فقط من توليه الحكم، لتؤكد عمق تاريخ العلاقات الروسية المغربية، حيث خلصت هذه الزيارة إلى توقيع الملك والرئيس فلاديمير بوتين على “بيان مشترك” حول الشراكة الاستراتيجية بين روسيا الاتحادية والمملكة المغربية، أعقبتها زيارة بوتين للمغرب بتاريخ 7 شتنبر 2006، أجرى خلالها مباحثات انفرادية مع الملك محمد السادس، وتوجت تلك المباحثات بالتوقيع على مجموعة وثائق للتعاون في مختلف المجالات، وقبل ذلك كان وزير الخارجية سيرغي لافروف، قد زار المغرب سنة 2005، في إطار جولة له بشمال إفريقيا، واستقبله الملك محمد السادس، كما انعقد سنة 2006، لقاء في موسكو جمع
وزير الخارجية الراحل محمد بنعيسى ووزير الدولة الطيب الفاسي الفهري مع سيرغي لافروف وسكرتير مجلس الأمن الروسي إيغور إيفانوف.
وحسب محللين سياسيين، فقد عرفت العلاقات بين البلدين نوعا من الفتور.. أنهتها زيارة الملك محمد السادس إلى موسكو سنة 2016، والتي شهدت التوقيع على العديد من الاتفاقيات في جميع المجالات، وفي موضوع آخر، كان لعدم تصويت المغرب على قرار أممي يدين روسيا في حربها مع أوكرانيا، سنة 2022، رد فعل إيجابي من روسيا، وربما هو ما جعلها تبلور موقفها من قضية الصحراء..
ومن ذلك التاريخ استمر التعاون بين البلدين من خلال اللجان الثنائية واللجان المختلطة ليكون التعاون المغربي-الروسي مطبوعا بالشمولية، ومن أجل ذلك انعقد بمدينة مراكش بتاريخ 20 دجنبر 2023، منتدى التعاون العربي-الروسي (الدورة السادسة)، وذلك من أجل الدفع بمسار التعاون بين روسيا والدول العربية، والذي جاء في سياق تبلور النظام العالمي الجديد، وتداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية من جهة والتصعيد الذي تعرفه منطقة الشرق الأوسط(…)، والذي قال وزير الخارجية ناصر بوريطة بمناسبة انعقاد هذا المنتدى، أنه “بتوالي الدورات وصولا إلى هذه الدورة، يكون المنتدى العربي-الروسي قد بلغ مرحلة من النضج يغذيها التوافق حول أهميته ونجاعته كإطار للحوار والتعاون، يكون على قدر التطلعات والانتظارات، وهو مناسبة ملائمة لتقييم مسار التعاون العربي-الروسي لتثمين نقاط قوته ومعالجة مكامن قصوره، وإغناء محتواه وتحديث طرق عمله، وفاء لروح الصداقة التاريخية بين روسيا والعالم العربي”.
ودائما في إطار التعاون المغربي-الروسي على أعلى المستويات.. فقد تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين رئاسة النيابة العامة بالمغرب والنيابة العامة لروسيا، بتاريخ 19 أبريل 2024، بالعاصمة الرباط، وذلك من أجل تعزيز التعاون في المجالات ذات الصلة بعمل النيابة العامة من خلال تبادل الخبرات والتجارب بين الطرفين في هذا الشأن، وتعزيز التعاون في القضايا ذات الصلة بالجريمة، خاصة جرائم الاتجار في المخدرات والاتجار في البشر، وتبييض الأموال..
ولمن كان له أدنى شك في طبيعة العلاقات بين المغرب وروسيا، فها هي روسيا بوتين تدعم المغرب في قضية الصحراء وتؤكد على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف، في لقاء صحافي له أمام ممثلي وسائل إعلام الدول العربية في موسكو (13 أكتوبر 2025)، أن “روسيا مستعدة للترحيب بمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب لتسوية هذا النزاع ومباركته، شريطة أن يتم ذلك عبر اتفاق جميع الأطراف وتحت إشراف أممي”، وهو ما يؤكد المستوى الجد متقدم من الدبلوماسية في التعامل مع مختلف الدول، من الغرب إلى الشرق، ومن الشمال إلى الجنوب.
فالمغرب منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش ما فتئ يعمل على تنويع شركائه، في كل القطاعات، وخاصة ما يتعلق بالتجارة والاقتصاد وفي صلب ذلك كله توجد قضية الصحراء التي جعلها المغرب مقياسا لعلاقاته مع مختلف الدول، فلا يمكن أن يكون هناك تعامل ولا تعاون في وجود ضبابية حول المواقف الرسمية من قضية الصحراء، وهو ما عبر عنه الملك في خطاب 20 غشت 2022، عندما قال: ((أوجه رسالة واضحة للجميع: إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات))، وهو ما ساهم ولا زال يساهم في توالي الاعترافات بمغربية الصحراء وافتتاح قنصليات العديد من الدول في الأقاليم الجنوبية، خاصة من قبل الدول التي كانت تؤمن بالأطروحة الانفصالية للجزائر وصنيعتها البوليساريو ومن يدور في فلكهما..
ولعل ما يحتفظ به التاريخ للمغرب من علاقات قوية بمختلف القوى العظمى عبر التاريخ، هو عمق العلاقات التي تجمعه بالدول الكبرى، خاصة قطبي الغرب والشرق بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية منذ ثلاثة قرون تقريبا، فسنة 1777 كانت منطق هذه العلاقات مع الدولتين معا، من خلال اعتراف المغرب باستقلال الولايات المتحدة، وأيضا إقامة علاقات تعاون تجاري مع روسيا، والحدثين معا كانا في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله (محمد الثالث).. ليشهد العالم على استمرار الأمة المغربية في كتابة تاريخ طويل من العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع مختلف الفاعلين الدوليين رغم مرور المغرب من أزمات سرعان ما يخرج منها بتوافقات دون الخضوع لأي طرف، وهو ما يُألّب عليه بعض الدول التي ترى في نجاحه عقبة أمام تطورها، خاصة الدولة التي حشرها الله معنا في الجوار، وهذا ليس موضوعنا الآن.
خلاصة القول، فإن العلاقات بين المملكة المغرب والفيدرالية الروسية قائمة على تاريخ طويل من التعاون والتفاهم، وتشهد حاليا مرحلة من التجديد على أسس واقعية واستراتيجية مع التركيز على المصالح المتبادلة في مختلف المجالات، أهمها الاقتصاد والطاقة، والتعاون بهدف بناء شراكة مستقرة ومتوازنة تعكس تطلع المغرب لتنويع شراكاته الدولية، ومن جهتها تعمل روسيا على الحفاظ على علاقتها مع المغرب.



