متابعات | الصناديق السوداء.. “الثقب الأسود” في ميزانية الدولة خارج رقابة البرلمان
مع طرح قانون المالية، يكثر الجدل حول “الصناديق السوداء” التي لا تخضع لمراقبة البرلمان وتظل خارج مجهر المؤسسة التشريعية، رغم أن غالبيتها تمول من الميزانية العامة للدولة أو من خلال الاقتطاعات والرسوم الضريبية وغيرها، لكنها غير مدرجة في ميزانية الدولة، بالإضافة إلى عدم خضوعها للرقابة البرلمانية، وهو ما جعلها بابا خلفيا لإهدار المال العام عبر توزيع المكافآت على فئات محددة تستحوذ على أموال الصناديق التي تعد لقمة سائغة.
إعداد: خالد الغازي
حسب قانون المالية، فإن عدد “الصناديق السوداء” أو الحسابات الخصوصية خلال سنة 2026 وصل لـ 69 صندوقا، حيث تتصدر وزارة الاقتصاد والمالية القائمة، لكونها آمرة بالصرف لـ 25 حسابا خلال سنة 2025، منها 15 حسابا مرصودة لأمور خصوصية و10 حسابات تخص الانخراط في الهيئات الدولية والعمليات النقدية وحسابات التمويل، وصناديق أخرى موزعة بين الداخلية بـ 9 حسابات، ورئاسة الحكومة والفلاحة بـ 5 حسابات لكل منهما، وإدارة الدفاع بـ 4 حسابات، وصندوقين لكل من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، ووزارة التجهيز والماء، ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ووزارة العدل، ومن المرتقب أن تبلغ ميزانية الصناديق 167 مليارا و488 مليونا، أي حوالي 17 مليار دولار تقريبا.
في هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي محمد جدري، أن الحسابات الخصوصية، أو ما يسمى “الصناديق السوداء” بالمعنى السلبي، هي أدوات مالية قانونية وضرورية أحيانا، لكن يجب إصلاح نظامها وتعزيز شفافيتها وربطها بالأولويات الاجتماعية، فالمطلوب ليس إلغاؤها، بل إعادة هيكلتها لتصبح أكثر نجاعة في خدمة التنمية والعدالة المجالية والاجتماعية، مبرزا أن الهدف منها هو تدبير موارد مالية مخصصة لمشاريع أو سياسات محددة، مثل صندوق الحماية الاجتماعية، صندوق دعم العالم القروي، صندوق دعم النقل، أو صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، وتمكن الدولة من تخصيص موارد معينة لمجالات محددة دون المرور دائما عبر المساطر التقليدية للميزانية العامة، وهو ما يمنحها سرعة في التدبير ومرونة في الإنفاق، خاصة في القطاعات ذات الطابع الاستعجالي أو التضامني.
وقال نفس المتحدث، أن الجدل حول هذه الصناديق مرتبط أكثر بمستوى الشفافية والمساءلة اعتبارا لوجودها القانوني، فالأصل أن هذه الحسابات ليست خارج الميزانية، بل تُدرج في مشروع قانون المالية كل سنة، ويتم تقديم تقارير مفصلة عنها ضمن الوثائق المرفقة لقانون المالية، لكن في المقابل، هناك تفاوت في مستوى الحكامة والتدبير بين صندوق وآخر، إذ أن بعض الصناديق يتم تدبيرها بكفاءة وشفافية عالية، بينما البعض الآخر يفتقر إلى رؤية استراتيجية أو يعاني من تراكم الاعتمادات غير المصروفة، مضيفا أن هذه الصناديق قانونيا تخضع لمراقبة المفتشية العامة للمالية (IGF)، كما يمكن للمجلس الأعلى للحسابات أن يقوم بتقارير تقييمية أو افتحاصات خاصة حول طريقة تدبيرها، ومع ذلك، يظل المطلوب هو تعزيز الرقابة البرلمانية والسياسية على هذه الصناديق، لضمان توجيه الموارد نحو الأهداف الأصلية التي أحدثت من أجلها.
وكشف المتحدث ذاته، أن جزء من أموال هذه الصناديق يصرف فعليا في مجالات اجتماعية وتنموية حساسة، مثل الحماية الاجتماعية، العالم القروي، التشغيل، ودعم الفئات الهشة.. لكن هيكلة هذه الصناديق تحتاج إلى مراجعة شاملة، فهناك اليوم أكثر من 80 حسابا خصوصيا، بعضها يفتقد إلى مبرر حقيقي لوجوده أو يتقاطع في الأهداف مع صناديق أخرى، مما يخلق تشتيتا في الموارد وصعوبة في التتبع، مؤكدا أن المطلوب هو ترشيد عدد هذه الصناديق وتوجيهها نحو الأولويات الوطنية الكبرى: التعليم، الصحة، الماء، والشغل؛ فبدل تشتت التمويلات بين عشرات الصناديق، يمكن تركيز الجهود في صناديق استراتيجية تخدم المشاريع الملكية الكبرى وبرامج النموذج التنموي الجديد.
من جهته، يقول المحلل الاقتصادي رشيد ساري، أن “هذه الحسابات الخصوصية لا تدخل ضمن الميزانية العامة للدولة، أي في إطار القانون المالي، لكنها تخضع لمراقبة وزارة المالية وكذلك المجلس الأعلى للحسابات، وهذه الصناديق تدبر وفق مجموعة من قواعد المحاسبة، وهناك مصادر لتمويل هاته الصناديق، لتبسيط الأمور لدى البعض، عندما يسمعون أنها صناديق سوداء يظنون أن هناك اختلاسات ومشاكل وعدم تدبير جيد، لكن هذه الصناديق تمول من تحويلات الميزانية العامة ومن رسوم شبه ضريبية، وكذلك من مساهمات مؤسساتية أو دولية، وفي بعض الأحيان من الهبات التي تعطى من طرف مجموعة من الدول..
وأوضح ذات المتحدث، أن عدد الصناديق تقلص نسبيا من 76 صندوقا في سنة 2015 إلى 69 في سنة 2023، ولكن حجم الموارد والنفقات ارتفع بشكل ملحوظ، ويمكن ربطه بمجموعة من العوامل في ثلاث نقاط رئيسية: أولا، توسع المشاريع القطاعية ذات الطابع الاستراتيجي كالفلاحة والمخطط الفلاحي، والحماية الاجتماعية، واعتماد الحكومة على هذه الصناديق كآلية مرنة لتجاوز تعقيدات الميزانية العامة، ومساهمات دولية أو رسوم مخصصة لبعض الصناديق، ومن الناحية التقنية، يمكن القول أن هذه الصناديق لا تعتبر عبئا مباشرا، ولكن جزئيا تمول من موارد مخصصة وهناك جدل يثار حولها رغم أنها تخضع لمراقبة وزارة المالية ومن طرف المجلس الأعلى للحسابات، والإشكال الثالث، يكمن في محدودية الشفافية والمراقبة البرلمانية مقارنة مع الميزانية العامة، والإشكال الثاني هناك صعوبة تقييم الأثر الفعلي لبعض الصناديق على التنمية والعدالة الاجتماعية، والإشكالية الثالثة، أن الجدل حول هذه الصناديق يكمن في تداخل بعض المهام بين الصناديق والبرامج الوزارية، لأنه لا نفهم ولا نستوعب، ومع ذلك تسجل تقارير المجلس الأعلى الحسابات تحسنا نسبيا في التدبير والمراقبة مع إصدار توصيات لتعزيز النجاعة والشفافية، يعني أن هناك دائما ملاحظات من مجلس الحسابات.
وتابع المتحدث نفسه بالقول: عندما نتحدث عن الحكامة فهي تستلزم وجود وكالة لهذه الصناديق، وأن توجه لإدارتها ولتأكيد الشفافية، ولكن هناك مجموعة من التحديات العملية، فالفكرة موجودة ولكن التحديات العملية يمكن أن نجملها في ثلاث نقاط: أولا، اختلاف طبيعة الموارد والأهداف بين الصناديق، لأن بعضها ممول من رسوم وبعضها من تحويلات دولية. ثانيا، الحاجة إلى مرونة في تدبير قطاعي، خاصة في مجالات متغيرة كالماء والفلاحة، لأنهما يخضعان للتغيرات المناخية. والمسألة الثالثة، وجود التزامات دولية وتعاقدات مرتبطة ببعض الصناديق، لأن تمويل هاته الصناديق في بعض الأحيان مشروط بمجموعة من الإملاءات الدولية، ولكن يمكن إحداث هيئة أو تنسيقية أو مرصد مستقل لتقييم الأداء الجماعي لهذه الصناديق، دون المساس بالوظيفة الأصلية.
إذن، نحن لا نتحدث عن صناديق سوداء بمعنى السواد، ولكن لأنها لا تدخل في الميزانية العامة، بل تخضع لمجموعة من النقاط ومجموعة من المعايير الخاصة ولا تدخل في إطار الميزانية العامة.
وحسب بعض الخبراء، فإن عددا من الصناديق السوداء تتوفر على أرصدة مرتفعة كبيرة تقدر بالملايير، وغالبا لا يتم صرفها كلها وتظل نسبة كبيرة منها بدون برمجة أو استثمار، كما أن عدم إدراجها ضمن مراقبة الميزانية العامة يمس بقواعد الشفافية والحكامة، وغياب الوضوح حول مصاريف هذه الصناديق، خاصة وأن هناك استخداما لأموالها في منح المنح والتعويضات والمكافآت الكبيرة خارج إطار قوانين الدولة، مثل ما حصل منذ سنوات من تبادل للمكافآت بين وزير المالية صلاح الدين مزوار والخازن العام للمملكة، ما يزكي فرضية أن نسبة كبيرة من أموال هاته الصناديق تذهب في المنح والتعويضات عن المهام والتنقلات والسفريات، لأنها بعيدة كل البعد عن الرقابة البرلمانية.
وقد سجل المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره حول تنفيذ ميزانية 2023، استمرار بعض الممارسات والإشكاليات ضمن الحسابات المرصودة لأمور خصوصية، منها تحمل أصناف من نفقات الموظفين والأعوان، رغم مخالفة ذلك لأحكام القانون التنظيمي لقانون المالية، لا سيما وأن المادة 28 من القانون التنظيمي لقانون المالية تنص على أنه “لا يمكن أن تدرج في حساب خصوصي للخزينة النفقات الناتجة عن صرف المرتبات أو الأجور أو التعويضات إلى موظفي وأعوان الدولة والجماعات الترابية ومستخدمي المؤسسات العمومية والمقاولات العمومية، ما عدا في حالة استثناءات منصوص عليها في قانون المالية”.
وكشف المجلس الأعلى للحسابات أن المادة 35 من قانون المالية لسنة 2022، أكدت مبدأ هذا الاستثناء، حيث نصت على: “استثناء من أحكام الفقرة السادسة من المادة 28 من القانون التنظيمي لقانون المالية، يظل العمل جاريا خلال السنة المالية 2022 بأحكام النصوص التشريعية والتنظيمية المعمول بها إلى غاية 31 دجنبر 2021، فيما يتعلق بتنفيذ عمليات الحسابات الخصوصية للخزينة المفتوحة في هذا التاريخ، وكذا باستنزال النفقات الناتجة عن صرف مرتبات أو تعويضات مباشرة من بعض الحسابات المذكورة”.
وشدد المجلس فيما يتعلق بالحسابات الخصوصية، على تفعيل آليات القيادة والمراقبة، لإنجاح مهام نجاعة أداء القطاعات، التي تتطلب المزيد من التحسين عبر التملك الفعلي لها، وقيادة البرامج على أرض الواقع، وتفعيل منظومة المراقبة الداخلية، ومراقبة التسيير، مع اعتماد إطار رسمي وواضح، يؤطر إعداد واعتماد الاستراتيجيات على مستوى القطاعات الحكومية، ووضع الآليات الكفيلة بضمان التجانس بين البرامج المعتمدة في مشاريع نجاعة الأداء، والاستراتيجيات القطاعية من جهة أخرى، وأشار إلى أنه، واستجابة لطلب مصالح الخزينة العامة للمملكة من أجل ضبط دقيق للتنزيلات المحاسباتية، لوحظ تضمين “المبالغ المرجعة من الأموال المقيدة في الحساب بدون حق” كبند في الجانب المدين للحسابات المرصودة لأمور خصوصية التي همت مكوناتها تغييرات برسم قانون المالية لسنة 2023، مبرزا أن المعالجة المحاسباتية لهذه الأموال عرفت تطورا يستدعي توضيحا، وكذا بيان دواعي اختيار إدراج هذا البند بشكل تدريجي دون تعميمه على باقي الحسابات، بالنظر إلى النهج المعتمد سابقا.
المثير في هاته الصناديق، أن لها حصانة وتتمتع بالسرية التامة وكأنها من أسرار الدولة، لا يمكن أن تخضع لرقابة البرلمان والتقييم أو الاطلاع على المصاريف والنفقات بشكل دقيق والتداول بشأنها مثل ما يحصل مع الميزانيات الفرعية للوزارات، حيث أن بعضها لا يعرف كيف يتم تدبير مواردها المالية أو طرق صرفها، هل تذهب في الصفقات، أم في منح وتعويضات الموظفين الكبار، أم تستثمر في مشاريع خاصة ببعض الإدارات والمؤسسات، مثل مؤسسات السيادة والداخلية والأمن والدفاع، حيث تدخل ضمن الصناديق السوداء كل الأموال التي تجمعها إدارات أو مؤسسات عمومية خارج نطاق الميزانية العامة المراقبة من قبل البرلمان.
فاستمرار إصرار الحكومة على بقاء هذه الصناديق “السوداء” وعدم إخضاعها للرقابة البرلمانية والمراقبة المحاسباتية، خاصة مصير نفقاتها، سواء التي تذهب في شراء التجهيزات أو التعويضات أو الأجور أو النفقات أو تجديد البنايات أو كرائها، يعني أنها تشجع على وجود صناديق عبارة عن “ثقوب سرية” في الميزانية العامة للدولة، مصدرها الأموال العامة، والتي تستفيد منها فئة قليلة من خدام الدولة أو الموظفين الكبار أو المحظوظين على شكل “بريمات”، أو تذهب في صفقات تجهيز مكاتب الوزارات وغير ذلك.



